الأربعاء، 19 أغسطس 2026

هواجس ✮✮✮ 🖊 أ. لطفي منصور

أ. لطفي منصور
هَواجِسُ:
آهْ يا زَمَنْ!
ما أَسْرَعَكَ وَما أَطْوَلَ خَطْوَكَ!  تَسِيرُ وَنَحْنُ نَلْهَثُ وَراءَكَ، نَأْمُلُ أَنْ نَسْبُقَكَ. يا لِحَماقَتِنا مَنْ يُسابِقِ الزَّمَنَ يَحْطُمْهُ، وَمَنْ يَسْتَعْجِلِ الْمَوْتَ يَخْطُفْهُ خَطْفَ الْحَدَأَةِ عُصْفُورًا.
"فَصَبْرًا فِي مَجالِ الْمَوْتِ صَبْرًا
فما نَيْلُ الْخُلُودِ بِمُسْتَطاعِ"
أَسْئِلَةٌ تَنْتابُنِي لا أَجِدُ لَها جَوابًا.
- لِماذا حَياتُنا دَقائِقَ وَساعاتٍ وَأَيّامًا وَأَشْهُرًا وَسِنِينَ.
- لِماذا وُلِدْنا عَلَى هذا الْكَوْكَبِ لُنَتَناحَرَ وَنَتَحارّبَ وَيَذُوقَ بَعْضُنا بَأْسَ بَعْضٍ، لا نَنْعَمُ بِحَياتِنا بِأَمْنٍ وَسَلامٍ.
- لِماذا كُلُّ مَخْلُوقٍ عَلَى الْأرِضِ نِدٌ لِلْآخَرِ وَمُعادٍ لَهُ، وَالتّضادُ سَيِّدُ الْمَوْقِفِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْض.
- هَلْ فِي هَذا الْكَوْنِ حَياةٌ أُخْرَى حَتَّى وَلَوْ كانَتْ بِشَكْلٍ آخَرَ.
- إذا كُنّا وَحْدَنا فِي هذا الْكَوْنِ تَكُونُ النَّمْلَةُ أَشْرَفَ مِنَ الصَّخْرَةِ
وَنَحْنُ بَنِي الْإنْسانِ وُهِبْنا الْعُقُولَ فَلِماذا يَسْفُكُ بَعْضُنا دَمَ بَعْضٍ وَيَقْطَعُ حَياتَهُ.
- يَصْنَعُ الْإنْسانُ الْمُعْجِزاتِ آلاتِ الْقَتْلِ وَالْإبادَةِ، والدَّمارِ الشّامِلِ
وَيُحَلِّقُ فِي الْأَجْواءِ وَبينَ النُّجُومِ، وَفي أَعالي الْجِبال، وَأَعْماقِ الْبِحارِ، وَيَعْجَزُ عَنِ اسْتِعادَةِ يَوْمٍ مَرَّ وَغَرُبَ.
"أَمْسِ الَّذي مّرَّ عَلَى قُرْبِهِ
يَعْجَزُ أَهْلُ الْأَرْضِ عَنْ رَدِّهِ"
فَلِماذا هذا الصَّلَفُ وَالْكِبْرِياءُ وَالْعَجْرَفَةُ. هذا الْإنْسانُ الْمُعْتَدُّ بِنَفْسِهِ فَتَكَ بِهِ فيروسُ الْكُورونا وَأَهْلَكَ الْمَلايينَ مِنَ الْبَشَرِ.
- خَيْرٌ لِلْإنْسانٍ أَنْ يُغَيِّرَ حَياتَهُ إنِ اسْتَطاعَ لِيَعِيشَ عَلَى التُّرابِ والْهَواءِ وَالْماءِ الْآسِنِ ، عِنْدَئِذٍ يُمْكِنُ أَنْ يَحْيا بِسَلامٍ عَلَى هذا الكَوْكَبِ، كَوْكَبِ الْقَتْلَى وَسَفْكَ الدِّماءِ.
لا عَدالَةَ عَلَى هذا الْكَوْكَبِ الَّذي يَحْكُمُهُ قانونُ الْغابِ.
لَقَدْ أَجْحَفْتُ بِحَقِّ الزَّمَنِ ، والْآنَ أُعْذِرُهُ بِقَوْلِ أَبي الطَّيِّبِ:
أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذا أنْ يُبَلِّغَنِي
ما لَيْسَ يَبْلُغُهُ مِنْ نَفْسِهِ الزَّمَنُ
كَأَنَّ الزَّمَنَ أَيْضًا أَصابَهُ الْوَهَنُ فَشاخَ وَضَعُفَ فَلَمْ يَعُدْ مُسْعِفًا.

عَمَى العِشْق ✮✮✮ 🖊 حلمي ابو حجاب

عَمَى العِشْق

ما الذي يصنعه العشق حين ينسى القلبُ أنه قلب، 
ويظنُّ نفسه جناحًا؟
أنا لا أراكِ بعيني؛ 
فالعينُ، حين أحبّت، صارت نافذةً تُطلُّ على نافذة، 
وكلُّ نافذةٍ تقول للأخرى: أنتِ الطريق.

أُبهرُ بما تصنعين، 
حتى كأن الأشياءَ حولكِ 
تتواطأ لتصنعَ منكِ معنى؛ 
فالوردُ يستعيرُ منكِ عطره، 
والليلُ يستعيرُ من شعركِ سواده، 
والقمرُ يمرُّ على وجهكِ متعلّمًا كيف يكونُ الضوءُ جميلًا 
دون أن يحترق.

وأتمنى لقلبـي جناحين؛ 
لا ليطيرَ بعيدًا، 
بل ليحملَ هذا الفيضَ من الشوق، 
ويضعه عند شفتيكِ 
كما يضع البحرُ سرَّه في فم الصدف.

يقولُ عنقكِ للنسيم: 
تمهّل.
ويقولُ النسيمُ لشعركِ: 
دعيني أمرّ.
فيجيبه الشعرُ: 
لا أحدَ يمرُّ من هنا دون أن يتركَ بعضَه.

أما صدركِ، فليس في خيالي جسدًا فحسب، 
بل قمرانِ من فرحٍ يعلّمان الليلَ معنى البهجة، 
وتحت هذا الضوءِ تنحدرُ أشواقي كالماء، 
لا تبحثُ عن امتلاكٍ، بل عن مأوى؛ 
عن مكانٍ صغيرٍ يصدّق أن الحنانَ يمكن أن يكونَ لغةً كاملة.

حتى السُّرّةُ 
تصيرُ في أسطورتي عينًا ثالثة؛
تسألني: 
إلى أين؟
فأقول: 
إليكِ.
فتضحكُ الأرض، 
لأنني لم أكن أعرفُ أن «إليكِ» قد تكونُ وطنًا كاملًا.

وتظلُّ الوردةُ المخفيةُ في آخر الحكايةِ مغلقةً على سرّها؛ 
لا تُفتحُ إلا للحنان، 
ولا تمنحُ عطرها إلا لمن عرفَ أن الرغبةَ ليست صخبًا، 
بل يدٌ من ضوءٍ 
تعرفُ كيف تلمسُ الروحَ دون أن تؤذيها.

فتقولُ الأردافُ للظلِّ: 
اختبئ.
ويقولُ الظلُّ للعطر: 
أنا لا أختبئ، أنا أتشكّل.
ويقولُ العطرُ للهواء: 
خذني إليها.
فيحملُ الهواءُ الرسالةَ، 
ثم ينسى أين تنتهي الرسالةُ 
وأين تبدأ المرأة.

وهنا يبدأ المنطقُ الجَدَلِيُّ للعشق:
إن كنتِ الحقيقةَ، 
فلماذا أحتاجُ إلى برهان؟
وإن كنتِ الوهمَ، 
فلماذا يبدو العالمُ كلُّه وهمًا حين تغيبين؟

أنا لا أملكُ جوابًا؛
فكلُّ جوابٍ أمامكِ يتحولُ إلى سؤال،
وكلُّ سؤالٍ يخلعُ ثوبهُ ويصيرُ اشتياقًا،
وكلُّ اشتياقٍ يعودُ إليكِ 
كأنه لم يكن يومًا بعيدًا عنكِ.

ما زلتُ لا أرى في الحياةِ أحدًا سواكِ؛
كأن العالمَ ارتكبَ خطأً لغويًّا 
فأسقطَ أسماءَ النساءِ جميعًا من قاموسي،
وأبقى اسمكِ وحده.

لذلك حين يسألني الليلُ: 
من تحب؟
أقول: 
هي.
وحين يسألني الصباحُ: 
من تنتظر؟
أقول: 
هي.
وحين تسألني المرآةُ: 
من أنت؟
أطيلُ النظرَ فيها، ثم أبتسم:

أنا رجلٌ أضاعَ عينيه في امرأة،
فصار يرى بها.

بقلمي: حلمي ابو حجاب
Helmy Abohegab

★ فى رحاب آية ★
..........................
 قال تعالى :
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦ص)
.................................
كان ( أبا زرعة ) شديد بالخليفة عبد الملك بن مروان خامس خلفاء بنى أمية الذى تولى الحكم سنة ٦٥هـ والذى اشتهر بالعلم والفقه والعبادة والذى أعاد للدولة الأموية هيبتها بعد قلاقل وفتن وهو الذى بنى قبة الصخرة بالقدس .
وقيل عن ( أبازرعة ) أنه جمع طاعة أهل الشام ودهاء أهل العراق وفقه أهل الحجاز 
وفى مجلس للخليفة عبد الملك بن مروان وأبا زرعة قال له : أيحاسب الخليفة .. فتلى ( أبا زرعة ) عليه الآية الكريمة 
قال تعالى :
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦ص)
.................................
احمد ابو سعدة ـ مصر

«طريقٌ لا نراه» ✮✮✮ 🖊 الشاعر طاهر عرابي

«طريقٌ لا نراه»

طاهر عرابي

دريسدن – 06.09.2022 | نُقّحت في 19.08.2026


لقد بلغنا سقوفَ الأحزانِ الثقيلة،
تحاصرنا كطوقٍ
يلتفُّ على رقبةٍ لا ترى،
ولا نعلم
من يختنق.

جرسٌ يدقّ…
ولا نريد أن نسمعه.
نخشى أن يوقظنا،
ولا نعرف كيف نكافئ صبرنا
أو نعتذر له.

نعيش في قلقٍ
نعالجه بالقهوةِ المُرّة،
في تشييعِ راحل،
وبعد المُرّة
قهوةٌ مُحلّاةٌ عند الجيران،
في استقبالِ طفل.

نبحث في مرارة الطقوس
عن عزاءٍ صغير،
ولا نجد
سوى ظلالٍ تتكرر.

نتسلّى بالسجائر،
وبأشياء أخرى تقتلنا،
ونحن ندرك أن الصمت
يشبه صمتَ الجمال العابرة
في الصحراء الكبرى.

نجرّب الأصوات،
ثم نستقر على صدى لا يشبهنا.
لا فائدة من تغيير الرتابة؛
فالكثبان تتشابه،
والبديل… سراب.

هل نحتمل العبور
إلى ما يشبه النجاة؟

أصبحت أكره التفاؤل،
وأقفز في زوابع الدخان الأسود
المنبعث من ثقوب الرفاهية الحمقاء.

نطرّز فساتين الزهو،
والعريس خلف قضبان القش والقصب.

نؤنّب المطر الحاقد؛
يصب مياهه
كأنه يقتص من شراهتنا.
حتى الصقيع
صار يتسلّى بخوفنا،
ويقتحم نخاع العظام.

لم نعد نتفق
مع أشكال البقاء.

جاء حرٌّ شديد
من الإسفلت،
من الشمس،
من الأبنية البراقة.

شربنا ماء البحيرة،
واغتبطنا بجمال الألوان،
ثم تهالكنا على تجديد ما نملك،
كبنطال أزرق
لا يليق بليل أسود.

نبدّله بسخاء التملّق والغباء،
ثم نلوم الخيّاط،
ونغضب من أجسادنا.

أزرار القميص
لم تعد تدل على أناقة،
ونخجل من الآراء،
ومن الهراء الطائش؛
فأفواهنا
فرغت من الكلمات الناضجة.

سقفنا انهار فوق الباب.

فكيف نخرج
بعدما رحلت الشبابيك
ولم نكترث لها؟

كان كل ما نملك
ينذر بالسقوط،
ندافع… دون أيادٍ.

لا ندري أين نتوقف،
أين نشتم.

فالهواء ثقيل
على الأنوف المحترقة،
والغيوم السوداء مرهقة،
تكاد تلامس الأرض.

كرهت الطواف
فوق رمل يعانق الشوك،
والشوك لا يسمع المطر،
منشغلٌ في شحذ دبابيسه.

النحل بدأ الرحيل،
والتفاح صار خشبًا يُؤكل للغيظ؛
يزهر
ولا يهب الأفواه الجائعة
طعمًا منشودًا.

وبذورٌ نسيناها في الصيف،
صارت ملاذًا
يأوي إليه التعب.

تراخى مثلنا…
بسبب الجفاء.

كثر الراحلون فجأة،
وصارت الأوطان
تجربةً عقيمة بلا نبض.

نذكر الحرب السالفة
والحرب القادمة
بكل تهكّم،
كأنها جرس أخرس
من نحاس الخائبين.

نقول:

الرمل يتصدّى…

ونحن
خلف الكثبان.

لا نستطيع فعل شيء.

دخلنا قبورنا أحياء.

والباب
ما زال في مكانه.

نفتح الباب.

ولا نسأل
من أغلقه.

خلفنا
كل هذا الخراب.

وأمامنا
طريقٌ لا نراه.

ط. عرابي – دريسدن
حكم وأراء
نشر ثقافة الفجور والمجون والفساد للإسراع في إنهيار الشعوب وإفساد العباد ما بقي من الإحتلال سوي الذل والمهانة والإبادة. 
بموافقة أمريكية الكيان الصهيوني يقصف المطار السوري إنها الذئاب يا عزيزي مهما تروضت وتعاهدت وتوافقت معها لا عهد لها حتي مع بعضها البعض. 
أعتقد أن فيلم أوديسا سيحصد أغلب جوائز الأوسكار تجمعت فيه كل عناصر التفوق والنجاح فكرا ورمزا وتكنيكا وإحساسا وأداءا فيلم ذو قيمة وإن إختلفت مع بعض أفكاره وإختلاف الثقافات لا يفسد للود قضية بين الحكماء. 
مداخل الشيطان عند دانتي في الكوميديا الإلهية سبعة الطمع الكبر الكسل الشره الشهوة الحسد الغضب ونحن نزيد عليهم سبع الخوف الشديد والنفاق الآثم وحب الشهرة وهوي السلطة وجنون العظمة وصرع البقاء وشهوة الدماء. 
البخيل في المال بخيل في الحب كانت لا تخشي وجوده ولكنها كانت تخشي جحوده. 
بلادة الشعور تورث النفور إن لم تستطع أن تسندني بالفعل أو القول علي الأقل فلتشعر بي. 
قادة الدول الفاسدة ليسوا فاشلين ولا فاسدين يتعمدون الفشل والفساد لأهداف غربية خارجة عن إرادتهم. 
ليس شرطا أن تعبد الشيطان لكي تتبعه إن أديت مهامه وأهدافه وقمت بأفعاله فقد نفذت له المأمول وزيادة عن فنون الفجور والمجون والفساد أتحدث. 
حفنة من المنحرفين تملك السلطة والمال والسلاح والفن والإعلام كافية لنشر فوضي مدمرة قاضية. 
بعض الأسرار محجوبة داخلنا تماما ولا تبوح بها مهما كانت الضغوط والظروف هي التي تمس الكرامة والمكانة أو الخوف الشديد. 
العاشقة المتكبرة تحكم عليك بالبقاء لها مهما كانت الظروف والحالمة لا تحكم عليك بالبقاء لها تحت الضغوط لأنك ببساطة باق فيها مهما كانت الظروف. 
بلغت ذروة الحكمة حين أصبحت لا أحتد عليهم ولا أغضب منهم ولا أفرح بهم ولهم فقط أقرأهم صامتا وحدي مع الآخرين. 
كرامة الملكات والأميرات عزيزة إما الشموخ أو الإنتحار  أو النفي بعيدا عن الرعاع.
جذابة ومثيرة مغرورة محط إهتمام الجميع يتسابقون لنيل رضاها إلا انا فقد قرأتها جيدا كل ما علي أتحاشاها وأتجنبها ولا أبالي بها وأهتم بغيرها ثم مسألة وقت لكي تصبح في قبضتي المحترف. 
           بقلم شريف محمد شحاتة مصر
لقمان و قارون 📖 💰
خسف الله الأرض بقارون
تدلت يده من نعشه خاوية

قبر لقمان دون حكمته
و ظلت الحكمة رشيدة باقية

النعوش و إن تذهبت و ترصعت
بالالماس تفنى مع الأولى الفانية

الحكمة خير رزق من السماء
كما المزن تثمر العقول الواعية

رفضت السماء نذر قابيل
و هابيل يعاني الأحقاد القاسية

فلا يغرنك بالله الغرور 
و تلال الأموال إلى أطلال منسية

و ما أطالت الكنوز من أعمار
و ما رفعت من نفوس متدنية

عباد الله يمشون على الأرض
هونا و سلاما على الجاهلين بكل  الطواعية

الصراط المستقيم طريق الخلود
و على جنباته خوازيق و مشانق متدلية

العباد لا يخشون إلا الله و العبيد 
 يدقون الدفوف و يلعقون الأحذية 

تدلى حبل الله للاعتصام به
و طوبى لمن تعلق به بكل الجدية ☝️

د. اشرف سلامه 
لسان البحر 
١٩/٨/٢٠٢٦
الصندوق الأسود    ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كان في السابعة حين بدأ يذهب مع أبيه إلى المسجد لصلاة العشاء.
كان يمسك بثوبه من الخلف إذا ازدحم الطريق، ويدخل خلفه صامتا. لم يكن يفهم كل ما يقوله الإمام، لكنه كان يحب صوت القرآن حين يهبط في المسجد فجأة، فيسكت الجميع.
في ليلة، سمع آية لم يفهم معناها كاملا، فتأثر وبكى.
نظر إليه أبوه، ومسح على رأسه دون أن يسأله.
بعد الصلاة، وفي طريق العودة، لمح بنت الجيران واقفة خلف شباك بيتها.
توقفت عيناه.
ابتسمت.
ارتجف قلبه للمرة الأولى.
لم يعرف يومها أن الإنسان يمكن أن يحمل في صدره قلبين؛ قلبا يبكي في المسجد، وقلبا يرتجف أمام نافذة.
كبر.
وبقيت النافذة.
كبرت البنت أيضا، ثم اختفت ذات يوم خلف باب بيت آخر.
تزوجت.
ظل يتذكرها سنوات طويلة، لا باعتبارها أول حب، بل باعتبارها أول سر لم يعرف كيف يشرحه لنفسه.
في المدرسة كان هادئا، وفي البيت مطيعا، لكنه كان يحب الهروب إلى الشوارع بعد انتهاء اليوم. يمشي بلا هدف، يراقب الناس، يدخل مقهى، يجلس وحده، ثم يعود قبل أن تسأل أمه أين كان.
كبرت فيه رغبة غامضة في أن يعيش كما يريد، بعيدا عن عيون الآخرين.
ولم يكن يعرف أن هذه الرغبة ستكبر معه.
في شبابه التحق بالعمل.
هناك ظهر رجل آخر.
منضبط، دقيق، يحضر قبل موعده، لا يترك ورقة بلا توقيع، ولا يسمح لأحد أن يهين صغار الموظفين أمامه.
كان يقول لهم:
ـ الشغل أمانة. وحقك ما تسيبوش، لكن خد حقك من غير ما تظلم حد.
كانوا يحبونه.
وكان بعضهم يراه رجل مبادئ.
وحين يخرج من باب العمل، كان شيء فيه يتبدل.
يتسكع.
يسهر.
تتعلق عيناه أحيانا بامرأة جميلة، ثم ينتبه لنفسه فيخفضهما، أو يبتسم في حرج، كأنه أمسك نفسه متلبسا.
وفي إحدى المرات، قال لزميل أصغر منه كان يتحدث عن فتاة:
ـ غض بصرك يا ابني.. العين بتجيب لصاحبها وجع الدماغ.
قالها بجدية كاملة.
وبعد ساعة، مرت أمامه امرأة جميلة، فتبعتها عيناه لحظة قبل أن ينتبه.
عاد إلى بيته متأخرا.
كانت زوجته تنتظره.
ـ اتأخرت ليه؟
ـ الشغل.
قالها بسهولة.
لم يكن يحب الكذب، لكنه كان يعرف كيف يترك من الحقيقة ما يكفي ليبدو صادقا.
زوجته لم تكن امرأة ضعيفة. كانت تعرف طباعه، وتعرف أنه يحبها.
وهو بالفعل كان يحبها.
حين مرضت، ظل بجوارها أياما.
وحين أنجب أولاده، شعر أن قلبه اتسع فجأة.
كان أبا جيدا.
يجلس مع أولاده، يسمع مشاكلهم، ويعطيهم النصائح التي كان يتمنى لو أعطاها أحد له:
ـ متخليش حاجة تغلبك.
ـ صاحب الناس الكويسين.
ـ ما تكذبش.
ـ خليك راجل، وكلمتك تبقى واحدة.
كان يقولها وهو يعرف، في مكان عميق داخله، أن كلمته لم تكن دائما واحدة.
ومع ذلك، لم يكن يشعر بأنه منافق.
كان يؤمن بكل كلمة يقولها.
ربما لأنه حين ينصح ابنه يكون أبا.
وحين يدخل العمل يكون موظفا آخر.
وحين يخرج إلى الشارع يكون رجلا آخر.
وحين يبقى وحده...
لا يعرف أيهم هو.
مرت السنوات.
أصبح في أواخر الخمسينيات.
شعره شابته خيوط كثيرة، ووجهه احتفظ بهدوء رجل اعتاد أن يخفي ما لا يريد لأحد أن يراه.
في البيت كان قديسا تقريبا.
في العمل قيمة وقامة.
وفي الخارج كان يعشق الانفلات.
يفعل.
يندم.
يرجع.
ثم يعود.
وكان كلما عاد إلى البيت، وقبل رأس زوجته النائمة، يشعر للحظات أنه عاد فعلا إلى نفسه.
ثم تأتي الأيام..
ويفتح الباب القديم من جديد.لم يكن يحتاج إلى كثير من الوقت كي يعود.
كانت لديه قدرة غريبة على نسيان الرجل الذي كانه بالأمس.
يكفي أن يجلس مع أصدقاء قدامى، أو يخرج وحده بعد يوم عمل طويل، حتى يشعر أن البيت، بكل ما فيه من مسؤوليات، ابتعد عنه.
كان يحب زوجته، نعم.
لكن الحب عنده لم يكن سجنا.
كان يقول لنفسه:
ـ أنا ما أذيتش حد.
وكان يعرف في داخله أن الجملة ناقصة.
في إحدى ليالي الشتاء، دخلت حياته امرأة لم يبحث عنها طويلا.
كانت متزوجة، هادئة، تعرف كيف تتحدث دون أن ترفع صوتها. لم تكن أجمل امرأة عرفها، لكنها كانت تعرف كيف تنصت.
وهذا ما جذبه إليها.
كانت تنظر إليه حين يتكلم، لا إلى صورته أمام الناس.
معها لم يكن القامة التي يعرفها الموظفون، ولا الأب الذي يستمع إليه أولاده، ولا الزوج الذي يشتري حاجات البيت في طريق عودته.
كان مجرد رجل.
وهذا بالضبط ما أغراه.
بدأت العلاقة بحوار طويل، ثم رسائل مقتضبة، ثم لقاءات متباعدة.
وكان كلما عاد بعدها إلى بيته، يزداد حنانا مع زوجته؛ يشتري لها شيئا تحبه، ويجلس مع أولاده، ويصلي أكثر.
كان يشعر، لوقت قصير، أنه استطاع أن يفصل حياته إلى غرف مغلقة، لكل غرفة مفتاحها.
حتى جاءت اللحظة التي أغلقت عليه الأبواب كلها.
كانت المرأة تحدثه ذات مساء عن صديقة لها.
قالت اسما يعرفه.
اسم زوجته.
لم يتحرك.
ظن أنه سمع خطأ.
ثم بدأت تتحدث عن تفاصيل صغيرة من حياتها؛ مرض قديم، موقف حدث في البيت، مشكلة مع أحد الأولاد.
تفاصيل لا يعرفها إلا أهل البيت والمقربون.
شعر ببرودة تسري في ظهره.
ـ إنتى تعرفيها منين؟
ضحكت:
ـ طبعا. دي صاحبتي.
ظل صامتا.
ـ مالك؟
نظر إليها طويلا.
كان يستطيع في تلك اللحظة أن يكذب، أن ينكر، أن يهرب.
لكنه للمرة الأولى شعر أن حياته كلها تقف أمامه دفعة واحدة:
زوجته.
أولاده.
البيت.
المرأة التي أمامه.
والرجل الذي كان يخرج كل صباح إلى العمل ويتحدث عن المبادئ.
قالت:
ـ إنت متغير ليه؟
لم يجب.
خرج.
في الطريق لم يشعر بالخوف من انكشاف الأمر بقدر ما شعر بالخوف من شيء آخر:
كيف استطاع أن يعيش كل هذه السنوات دون أن يرى نفسه؟
في تلك الليلة لم ينم.
دخل غرفة زوجته، وجدها نائمة.
وقف عند الباب طويلا.
كان يريد أن يوقظها.
أن يقول شيئا.
أي شيء.
لكنه لم يفعل.
عاد إلى غرفته.
وفي الصباح تصرف كأن شيئا لم يحدث.
مر أسبوع.
ثم أسبوع آخر.
وبدأ يحاول الابتعاد.
هذه المرة كان جادا.
حذف رقمها.
توقف عن الخروج.
عاد إلى المسجد أكثر.
أطال الجلوس بعد الصلاة.
وفي ليلة، بكى وهو يسمع الإمام يتلو القرآن.
لم يكن بكاؤه هذه المرة مثل بكاء الطفل.
كان بكاء رجل اقترب من الستين، وفهم فجأة أن الزمن الذي كان يظنه طويلا أصبح قصيرا.
بعد الصلاة عاد إلى البيت.
وجد ابنه الأصغر يتحدث مع أمه ويضحكان.
وقف عند الباب.
ابتسم.
ثم تذكر أباه.
لم يعرف لماذا تذكره في تلك اللحظة.
ربما لأن الإنسان حين يقترب من النهايات يبدأ في البحث عن البدايات.
بعد أيام قليلة، اتصل به أخوه:
ـ أبوك تعبان قوي.
ذهب إليه.
كان الأب في غرفته، مستلقيا، أصغر مما يتذكره.
للمرة الأولى رأى الرجل الذي كان يمسك يده وهو طفل، عاجزا عن رفع يده.
اقترب منه.
فتح الأب عينيه.
نظر إليه.
ولم يقل شيئا.
لكن نظرته كانت أطول من الكلام.
جلس الابن إلى جواره، وأمسك يده.
كانت باردة.
وفي تلك اللحظة، لم يعرف لماذا شعر أن شيئا في حياته كلها يقترب من نهايته.
أغمض الأب عينيه.
ثم فتحهما من جديد.
وقال بصوت متقطع:
ـ تعال.. عايز أقول لك حاجة.
اقترب منه أكثر.
كان ضوء الغرفة خافتا، يترك نصف وجه أبيه في الظل. على الكرسي القريب ملابس لم تُرتب، وبجوار السرير كوب ماء لم يُمس.
حاول الأب أن يرفع يده.
ساعده ابنه.
ظل ممسكا بها لحظات، ثم قال بصوت ثقيل:
ـ كنت عارف إنك ساعات بتصلي معايا  من غير وضوء.
تجمد.
نظر إلى أبيه.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، كأنها آخر سر بينهما.
ـ وشفتك في حاجات كتير..
توقف.
غابت عيناه لحظة، ثم عادتا إليه.
ـ سبتك للزمن يعلمك.
سكت طويلا.
كان الابن يسمع أنفاسه أكثر مما يسمع الكلمات.
ـ لكن.. للأسف.. متعلمتش حاجة.
انخفض صوت الأب.
ـ كنت زيك.. وأكتر.
ابتلع ريقه.
ـ وندمت.
ارتجفت أصابع الأب داخل يده.
ـ الحق نفسك.. الفاتورة كبيرة.
توقف، وأخذ نفسا بصعوبة.
ـ والحساب.. تقيل.
لم يعرف الابن ماذا يقول.
أراد أن يقول: "أنا هتغير".
لكن الكلمة وقفت في حلقه.
فقط شد على يد أبيه.
كانت أبرد.
نظر الأب إليه نظرة طويلة؛ نظرة رجل لا يودع ابنه فقط، بل يودع سرا ظل يحمله سنوات.
ثم أغمض عينيه.
ناداه ابنه:
ـ يا حاج..
فتح عينيه قليلا.
ثم غاب.
عاد.
نظر إليه.
ابتسم.
وترك يده.
بعد دقائق، لم تعد يده تتحرك.
في الجنازة، كان يمشي خلف النعش كأنه يمشي خلف جزء من طفولته.
لم يسمع كثيرا مما قيل.
كان يسمع فقط:
"البقاء لله."
وعند شفير القبر، قال أحد رجال الدين:
ـ ادعوا لأخيكم.. فإنه الآن يُسأل.
رفع عينيه.
نظر إلى القبر.
الحساب تقيل.
تذكر صوت أبيه.
ظل واقفا حتى غاب النعش تحت التراب.
ثم عاد إلى البيت.
مرت الأيام.
في البداية تغير.
صلى أكثر.
جلس مع أولاده.
ابتعد عن أصدقائه.
لم يفتح الأبواب القديمة.
كلما مرت امرأة جميلة، خفض عينيه.
وحين كان يضع رأسه على الوسادة، كان يسمع:
ـ الحق نفسك.
وظن أن الأمر انتهى.
بعد أسبوعين، خرج من العمل متعبا.
كان يريد أن يعود إلى البيت مباشرة.
لكنه وجد نفسه يقود سيارته في اتجاه آخر.
توقف.
ظل جالسا خلف عجلة القيادة.
يده على المفتاح.
وعقله يقول:
ارجع.
وفي داخله صوت آخر:
لسه بدري.
رفع عينيه إلى المرآة.
رأى وجهه.
وجه رجل في الستين تقريبا.
شعره الأبيض.
تجاعيد حول عينيه.
ثم رأى أباه للحظة.
أغلق عينيه.
فتحها.
لم يكن الأب هناك.
أدار السيارة وعاد إلى البيت.
في المساء جلس مع زوجته.
كانت تتحدث عن شيء يخص أحد الأولاد.
استمع إليها.
ابتسم.
ثم أمسك يدها.
نظرت إليه مستغربة.
ـ مالك؟
قال:
ـ مفيش.
وفي الليل، بعدما نام الجميع، جلس وحده في الصالة.
أطفأ النور.
لم يكن يريد شيئا.
فقط أراد أن يسمع الصمت.
تذكر بنت الجيران.
تذكر المسجد.
تذكر أول مرة بكى فيها من القرآن.
تذكر المرأة.
تذكر أباه.
وتذكر نفسه في كل هذه الصور.
رجلًا واحدًا..
أم رجالًا كثيرين؟
ظل السؤال معلقا.
نهض.
دخل غرفته.
وقف أمام المرآة.
حدق في وجهه طويلا.
ثم قال بصوت منخفض، كأنه يخاطب أباه:
ـ أنا لسه هنا.
ولم يعرف هل كان يقصد:
أنه ما زال حيا..
أم أنه ما زال كما كان.
ظل أمام المرآة.
وخلفه، في الظلام، كان البيت كله نائما.
أما هو..
فلم يكن يعرف أي رجل سيستيقظ معه في الصباح.

طارق الحلوانى 
أغسطس ٢٠٢٦