«المجداف الاخير »
طاهر عرابي
دريسدن – 28.07.2022 | نُقّحت في 20.09.2026
———
لم أُدخِل أحدًا إلى ذاتي،
وأخشى أن تتبعثرَ في نفسٍ غير نفسي.
لم أجد في العشقِ نبوءة،
تعثّرتُ في فسحةٍ سمّوها حبًّا،
وقسّمتُ روحي
لمن يهوى،
ولمن أحبَّ ضوء النهار.
وحين انتهيت،
وجدتُ الفراغَ يحتويني ويقول:
«وحدك… لا شيء ينذر فيك.»
سيدتي،
في العتمةِ يطولُ الانتظار،
ويخمدُ القلب،
وتتلاشى الأحاسيسُ تحت الأصابع.
ما أصعب أن نملك،
ولا ندري كيف نُمسك بالمشاعر!
كان لزامًا عليّ أن أصرخ،
فآثرتُ الصمت،
متمسّكًا ببلاهةٍ أنيقة،
ومشيتُ مزهوًّا كفقاعةِ هواء
على سطحِ بحيرةٍ
لا تدري مَن الذي يتنفّسُ فيها.
أخرجيني من لهفة التأخّر
في حضرة الخلود،
وقفي بقامتكِ
لأرى قامتي…
وأستقر.
بالأمسِ جلستُ أُسجّل أفضلَ عشّاقي:
من شجرٍ، ووردٍ، وعصافير،
بحبرٍ فيه للذكرى ألوانُ الحبار.
لكنّي لم أفطنْ لأحدٍ سواكِ،
فارتجفَ القلم،
وثارَ على الورق،
وكأنّي لم أكتبْ حرفًا،
وكأنّ حروفَ الحبِّ
لا تهوى الأشعار.
كم أنا سخيفُ الهوى بغفوتي،
وأظنّها انتصارًا.
وأرجو منكِ قبولَ الاعتذار.
سأترك الماضي معلّقًا،
كغسيلٍ تُجفّفه الشمس،
وتغسله الأمطار.
سمعتُ صوتًا يقول:
«سنرتجف ونبرد في الشتاء القادم.»
فخبّأتُ جمرةَ قلبي،
وتصبّبتُ عرقًا يشبه النار.
إنّي أمرُّ بأيامِ العمرِ محتارًا،
أخشى أن أسقطَ في عينيّ متمرّدًا
على الجمال،
وعلى كلِّ ما يوحي بأنّ فيه اختبارًا.
أم أنكِ ألغيتِ كلَّ المسافات،
وجلستِ قربي،
لترحلي معي في زورقِ الأقدار؟
كلماتُ حبّكِ هي المجداف،
وموجُ دمعي من الفرح
يطفو على كلِّ البحار.
لهوتُ كثيرًا،
حتى أصبحتُ عاشقًا
لأعشاش العصافير المهجورة،
أنامُ بها مملكةَ الطفولة.
سيدتي،
سنبدأُ غدًا…
وليس لنا سواه.
تعبنا من أحاديث الانتصار على الوهم
تحت الأمطار،
وفي أحلك الليالي.
لم أجد في الدنيا وسيلةً للسفر
أجملَ من الحُلم،
ومن زورقٍ محمولٍ على راحةِ اليدين،
يميلُ كما نشتهي،
ويرسو حين تتقاربُ الشفتان،
وتتشابكُ الرموش،
لتُخفي غموضَ العين.
بقي لنا من العمرِ ما يشبه الحنين،
والأيامُ تولدُ في الصباح،
وتموتُ في بيوتٍ يلفّها الحزن.
أمّا أنا وأنتِ،
فقد وُلِدنا بساطًا لعرشِ الحياة،
وما زلنا هنا،
ونريد أن نبقى… هنا.
لا شيء يدفعنا للفرار
سوى خوفٍ قديم،
وحديثِ التافهين عن البهجة.
ذاك جرمٌ يعذّبنا،
ويجرّنا إلى عذابٍ
لا يعرف الانتهاء.
لكنّنا باقون،
وهم راحلون،
ويتساقطون.
ما أبشعَ أن يكون الحرامي حارسًا
على وسائدنا،
وفنجانِ القهوة،
ووصيًا على حلمٍ نراه بحرية!
ما زال هناك وقتٌ للبداية.
خذي إكليلًا من ياسمينِ الشّام،
وقلادةً من بُذورِ الزيتون.
نحبُّ الحياة،
لأنّنا نحبُّ الحياة.
ألفُ معركةٍ مرّت بسلام،
حتى لو خاننا التاريخ،
وماتَ ألفُ طفلٍ لم يبلغ الفطام.
سنبدأُ غدًا…
كما بدأنا أول مرة،
حين اكتملَ فينا رهانُ الحياة،
وتلذّذتِ الروحُ بعذبِ الكلام.
إلى الأمام…
فلا خيارَ لنا
إلّا أن ننتقم من الانتقام.
ط. عرابي – دريسدن