الاثنين، 14 سبتمبر 2026

من وحي الجدران القديمة ✮✮✮ 🖊 ✍️ د.طارق حميدو

من وحي الجدران القديمة 💙🤍

 ✍️ د.طارق حميدو

وأحيانًا يكفي أن تمرّ رائحة تشبه رائحته
أو يجيء صوت من بعيد يشبه صوتًا قديمًا
فتفتح الذاكرة أبوابًا ظننا أننا أغلقناها منذ سنوات.

نعود فجأة إلى شارع لم نمشه منذ زمن.
إلى نافذة كانت تطل على صباحاتنا.
إلى مقعد جلسنا عليه ونحن لا نعرف أن تلك اللحظة ستصبح يومًا ذكرى.

نشتاق إلى تفاصيل صغيرة لم نكن ننتبه إليها وقتها.
ضوء الشمس على الحائط.
صوت خطوات في الممر.
رائحة القهوة.
ضحكة عابرة.
ووجه كان وجوده يجعل المكان أكثر دفئًا.

الغريب أننا لا نشتاق إلى الأشياء وهي كما كانت.
نشتاق إليها كما حفظناها في قلوبنا.

فالذاكرة لا تحفظ المكان كما هو.
إنها تحفظ إحساسنا به.

ولهذا قد نعود إلى المكان نفسه فلا نشعر بشيء.
ننظر حولنا ونقول:
هنا كانت أجمل أيامنا.
لكننا لا نجد الأيام.
نجد الجدران فقط.

لأن الذي نفتقده لم يكن المكان وحده.
كان الزمن الذي عاش فيه المكان.
وكانت أرواحنا التي كانت تسكنه معنا.

ربما لهذا نخاف العودة.
نخاف أن نكتشف أن المكان لم يتغير وحده.
نحن أيضًا تغيّرنا.

كبرنا.
فقدنا أشخاصًا.
تبدلت أحلامنا.
وخفتت أشياء كانت في قلوبنا مضيئة.

فنظل أحيانًا أوفياء لصورة قديمة.
نحرسها من الحقيقة.
ونتركها في مكانها الجميل داخل الذاكرة.

وكلما اشتقنا إليها
لا نذهب إليها بأقدامنا.
نذهب إليها بقلوبنا.

نغمض أعيننا لحظة.
فتعود الرائحة.
ويعود الصوت.
وتعود الضحكة.
ويعود نحن…

نعود كما كنا.
قبل أن يمرّ بنا العمر.
وقبل أن نعرف أن بعض الأماكن لا نعود إليها أبدًا.

لأن أجمل ما فيها
أنها بقيت كما تركناها في قلوبنا.

فالحنين ليس أن تشتاق إلى مكانٍ مضى.
الحنين أن تشتاق إلى نفسك حين كان ذلك المكان وطنًا لك.

أصل الأماكن مش حيطان
ولا شوارع ولا عنوان
دي لحظة عاشت جوانا
وبقت مع الأيام إنسان

يمكن أنا مش وحشني المكان
قد ما وحشني أنا زمان
وحشني قلبي لما كان
لسّه بيصدق في الأمان

 ✍️ د.طارق حميدو

الرحيل من غير موعد ..✮✮✮ 🖊 الشاعر رائد كُلّاب

الرحيل من غير موعد ..

سكنت الفؤاد بعشق عاصف واختفت.. 
همست بأرق..
الروح تألمت
وتأوهت.. 
وعلى ألحان الشوق أُحرقت.. 
والمقل أغدقت بالودق.. 
من غير صوت أسمعت..
تضمر الحب بحياء وتدّعي أن القلب ما نبض.. 
والعين بحر أمواجه تدمّرت.. 
والقلب رسم من ورق.. 
... 
لله درّك من حسناء..
تبزغ من عينيها أبجدية الغزل .. 
طفلة تخطو على جمر صبابة الشغف.. 
هي كلّ المنى بدعاء الغسق.. 
 منذ الرحيل وهي الطيف اللعوب على أوراق الحبق.. 
من سحرها حروفي ما غفت.. 
... 
الويل لي من لوعة الشوق وضراوة الوصل   .. 
الرحيل من غير موعد كشهقة برزخ مزدجر.. 
... 
بقلمي رائد كُلّاب
قراءة قصيدة "عابرة لا تجيد الرحيل" للشاعر الدكتور حسين عبدالله الراشد 
محمد هالي

القصيدة:
عابرة لا تجيد الرحيل

عابرون، لكننا في العمق
لسنا بعابرين،
وجدنا فمكثنا،
وتحدثنا فأنست القلوب ببعضها
نعم، نحن غرباء بالدم،
لكننا قرباء بالوصل،
فبعض القرابات لا يصنعها النسب،
بل تصنعها الأرواح حين تجد
في الطريق من يشبهها.

للحروف التائهة هنا وهناك،
عودي إلى محاجر الأحداق،
فلقاء النظرات يحث اللحظات على البقاء.
وحين تتكلم العيون،
تصبح الحروف زائدة عن حاجة القلب،
ويغدو الصمت حديثا
لا يسمعه إلا من عرف لغته.

اقترب وحدثني،
ما بال قلبك ساكنا؟
قل لي:
كيف كان حديث نبضك حين التقى نبضي؟
وكيف كان عناق روحك للكون
حين اعتليت تضاريس حنيننا؟
وهل كان الحنين طريقا إلي،
أم كنت أنا الطريق إليه؟

مهلا سيدي،
فما أنا سوى عابرة،
أقتطف أطيب الثمار وأرحل،
فلا يدهشكم القدوم،
ولا يفزعكم الرحيل.
فالطرق علمتنا أن لكل لقاء موعدا،
ولكل حضور احتمالا للغياب 
لكن بعض العابرين
لا يجيدون العبور،
يرحلون،
ويبقى منهم في القلب
ما يجعل الغياب
شكلا آخر من أشكال الحضور.
د. حسين عبد الله الراشد
.

القراءة:

لقد أصبح الشعر المنثور هو القيمة المميزة في هذه الآونة، بل أصبح هو القالب السائد في كل المواقع و الصفحات الأدبية، و في شبكات التواصل الاجتماعي، و المطبوعات المنشورة في عدة دواوين شعرية، لكن هذا الكم الهائل المتوفر حاليا يشوبه الكثير من الغموض إذ نجد القليل من قصيدة ترقى الى مستوى الفن الشعري المطلوب في هذه الآونة ، و في الغالب نجد نثرا يحسبه صاحبه شعرا، بل هو مجرد أوصاف نثرية تقطع على شكل جمل يعتقد أنها تمثل الشعر، و الحال أن الشعر هو فن يتشكل بالحروف، و يمثل لغة قادرة على وصف الوقائع، و الأحداث، كلغة غنية بالرموز، و بها يتجسد كفن ، أو يمثله، يشبه فنان الرسم أو الرقص ، أو الموسيقى أو المسرح، و بما ان قصيدة النثر فنا قلما تجد قصائد تحضى بطابع الفن الذي يمثل تجريدات الانسان المتعالية جدا، فإن قصيدة "عابرة لا تجيد الرحيل" تمثل هذا المنحى من حيث كونها قصيدة النثر من خلال الدلالات الرمزية التي تحيل اليها ، و طبيعة الصور التي تتشكل داخلها ، بل حتى النسج الحرفي التي تمت به صياغة القصيدة تجعلها في قمة الشعر الجديد، مما يجعلها تثير شهية الناقد للغور في مضمونها، و في الإحالات التي تصبو القصيدة في تبليغها ، سواء من حيث عمق العنوان، أو من حيث المضمون الفكري الذي يشكل جوهر القصيدة ككل، و لكي نصبو الى ما يسعى الشاعر تبليغه سنحاول رصد جوانب مهمة من هذا المضمون الشعري المهم.
 تضعنا فلسفة الوجود ضمن احتمالات تفجرها أسئلة عميقة تحيل إليها مضامين القصيدة لتكون زادا لأجوبة تتلعثم في وضع اللمسات على ما ترغب القصيدة التصريح به، و لعل المفارقة التي جعلها "حسين عبدالله الراشد" كمقدمة أساسية "عابرون، لكننا في العمق لسنا بعابرين" تعجل بوضع الكائن بين خاصية الوجود و اللاوجود في آن واحد، على شاكلة أسئلة الوجود الذي طرحتها الفلسفة اليونانية خصوصا فلسفتا بارميندس و هيراقليطس، هذه الأسئلة العميقة الطرح بلغة القصيد تحل بمعادلة صارمة تنزل بلغة الصدفة "وجدنا" لكن برابط العطف "ف" أضافت لهذا الوجود المكوث في خاصية ما، و كأن هذا الوجود يتسم بنوع من الخلود ، هذا الأخير ترسخ بنوع من الألفة التي لم تتم الا بالتحدث، هذا اللقاء التواصلي هو الذي صنع التآزر ، و الحديث هنا لم يظهر بوضوح شكله و لا مضمونه لكنه حديث انبجس كلحظات تواصل لابد منه:
"نعم غرباء بالدم،
لكننا قرباء بالوصل"
ليفجر هذا الوصل نوع العلائق الجديدة التي تتوسع ، و لا تتحد بالقرابة ،و النسب ، بل هي مفتوحة الى ما لا نهاية من المحددات ، و هنا تحاول القصيدة ان تحدد عمق الوصل الذي يرغب به الشاعر بأن يتحدد كعلائق جديدة فيما بين البشر ليكون التجسيد على الشكل التالي:
"فبعض القرابات لا يصنعها النسب،
بل تصنعها الأرواح حين تجد
في الطريق من يشبهها"
هكذا إذن يكون الوصل الجديد عاما ،و شاملا ، و كأن العلائق التقليدية تنهار أمام ما جد من أشكال تتجدد باستمرار، و لعل الصدفة هي الأقوى من تلك الاحتمالات يجسدها الدكتور حسين عبدالله الراشد في: 
"للحروف التائهة هنا و هناك"
تظهر القصيدة فيما تريد تبليغه كأحد أعمدة الاصل، و هو الوجود بين العبور و اللاعبور بحيث العلائق تنتعش بالتحدث، لا يرتبط بالدم، بل بالوصل الذي لا تحدده الانساب، ينعشها الشبه، و لو كان هذا الشبه مجهولا بعيدا ، وبلغة الأمر  يتجه خطاب القصيد الى نوع مباشر من الوصل إنه يخاطب انثى
"عودي الى محاجر الأحداق
فلقاء النظرات يحث اللحظات على البقاء،
و حين تتكلم العيون،
تصبح الحروف زائدة عن حاجة القلب،
و يغدو الصمت حديثا
لا يسمعه إلا من عرف لغته"
و بهذا تكون القصيدة قد انتقلت من اللامحدد إلى المحدد ، فتكون الأنثى تؤثث المباشر ، و تحدد الرؤى "محاجر الاحداق" "لقاء النظرات"  "تكلم العيون"  من اشكال التواصل الجديد في القصيدة تجعل مما كان في السابق مختلفا، فتغدو العاطفة شيئا آخر كشكل من الحنين تتجسد فيها كل الهواجس الباطنية تعمل بشكل مختلف، بحيث تتحرك مادية "العيون" 'الاحداق"  لم يعد للحواجز أية قيمة ، فقط:
"تصبح الحروف زائدة عن حاجة القلب
و يغدو الصمت حديثا
لا يسمعه الا من عرف لغته"
 و هنا يغدو المباشر جانبا مهما من حيث المباشرتية، خصوصا اذا كانت العلائق بين ذكر و انثى.
إن الشاعر حين يبلغ الخطاب ،و شكل التواصل، أراد أن يقلبه على عدة وجوه،  و لعل الوجه الأصعب حين تخاطب المرأة الرجل على شكل امر اقرب الى التنفيذ، 
"اقترب وحدثني""
لتتدفق الأسئلة على شكل أحاسيس عميقة ، كأنها  محبسة ضمن سكون قبل الاندفاع :
" ما بال قلبك ساكنا؟
كيف كان حديث نبضك حين التقى نبضي؟
و كيف كان عناق روحك للكون
حين اعتليت تضاريس حنيننا؟
و هل كان الحنين طريقا الي،
أم كنت أنا الطريق إليه؟"
أسئلة محرجة بلغة العواطف، لا ترغب في الأجوبة، بل هي استفزاز لمعرفة شكل الوصل المفترض، و بهذا تكون لغة المرأة قاسية من حيث عدم الاطمئنان على نوايا الرجل المفترض، ليس بشكل اعتباطي ، بل من اجل تحريك ما هو غامض ليصبح واضحا، إنه خطاب معلق ضمن الحيرة، و عدم الوضوح، لتستدرك هذا الاستفزاز القاسي بل تلطفه بقليل من الهدوء
"عفوا سيدي"
هذا الهدوء بمثابة نقد لما تجرأت به الأسئلة
بنوع من التأني ،و بهذا تعمل على انهاء تعجرف الأنا، لتسقط من برجها العالي، و تعترف 
" فما أنا سوى عابرة،
أقتطف أطيب الثمار و أرحل""
فلم تعد الأنثى تتسم بالتعالي ،بل أصبحت هادئة، تؤمن بما هو ممكن التحقق، ما دام أن الحضور يحتمل الغياب، فكل ما هو حادث معرض للزوال 
"فلا يدهشكم القدوم،
و لا يفزعكم الرحيل،
فالطرق علمتنا أن لكل لقاء موعدا
و لكل حضور احتمالا للغياب"
ففي الاستدراك تظهر عمق العلائق على كافة المستويات، بين أحاسيس مختلفة فالوصل ينجلي وفق كل جانب من النوع ، بل  هناك استثناءات تحدث ضمن هذه العلائق،عندما لا يتفوقون في الوصل فيحدث الإخفاق، مما تغلق الأبواب نظرا لعدم إجادتهم العبور، فيرحلون في صمت،  لكن العلائق لا تعفيهم من الحضور من حيث الباطن العميق لأن العاطفة لا تمحيهم من الوجود بل يحدثون فراغات تؤلم لا محالة:
"ما يجعل الغياب
شكلا آخر من اشكال الحضور"
  يغلب على مضمون القصيدة الجوانب الوجدانية بقالب إنساني مميز، مما يجعلها تتشكل ببني شاعرية ، يمكن تقسيمها الى ثلاث مستويات: أولها يحدثنا الشاعر عن أثر العبور على الهواجس الداخلية للإنسان، من حيث التكوين البيولوجي الخاص بالإنسان من حيث كونه يترسخ كذات أكثر منه موضوعا فهذا العقل الذي منحته الطبيعة له جعلت منه كائنا طبيعيا قادرا على كبث تلك المشاعر بل تبقى تؤثر فيه لفترات طويلة ،و هذا ما يجسده الشاعر بالعبور الذي لم ينتهي نتيجة الوصل، هذا الأخير يشكل البصمة الاساسية التي تمنع العبور، إنها البصمات التي بنيت من خلال أرقى شكل للقاء الغير، و معرفته، و الذي اعتبره ميرلوبنتي اول انفتاح على ذات أخرى من خلال استعمال اللغة، و هنا تكون اللغة بمثابة انفتاح العقل على ذات أخرى تكن لها الاحترام ، من هنا يتعقد العبور نتيجة 
"وجدنا فمكثنا، 
وتحدثنا فأنست القلوب ببعضها"
فهذا الحديث العاطفي سيحول دون الانقطاع عن ذاك الآخر، فشكل اللغة، و شكل التواصل القائم سيمنع العقل من النسيان، مما يجعل بصمات الدم لا قيمة لها أمام قوة الوصل الانساني الأرقى، فيغيب النسب فتتجشع العاطفة لترقى الى شكل الانسان الذي تتحدث معه، فقط يغلب الميل  الذي يصنع ارتياح الذات أمام قوة اللغة كشكل من أشكال التواصل الاجتماعي، مما  يجعل المقطع الأول من القصيدة  يركز على البعد الانساني الطبيعي بعيدا عن التحيز الى القرب العائلي أو العشائري " النسب"، فتغلب الحميمية على كل المحددات الأخرى، فتنتصر الطبيعة على الثقافة:
"فبعض القرابات لا يصنعها النسب،
بل تصنعها الأرواح حين تجد
في الطريق من يشبهها"
تتجسد هذه الخصائص الطبيعية العميقة في شكل التواصل التي تغيب فيه اللغة فيحضر شكل آخر من التواصل هو أقرب إلى الرمز من المباشرتية، إنها لغة الباطن لغة "الصمت" و "الاحداق" و "لقاء النظرات"، و "لغة العيون" هذه اللغة الصامتة هي تواصل آخر ينم على أن لغة الحب هي اللغة الأسمى لا تحتاج الى كلمات، أو خطاب يحدد شكل التواصل، لغة فطرية غريزية تجسد الجانب الحيواني في الانسان، على شكل البقاء الدائم في هذا الوجود، في المرحلة الثانية من القصيدة ينتقل بنا الشاعر الى التواصل اللغوي العادي و المباشر، هو خطاب مستفز يحرك ذاك الصمت العميق المتضمن في الذات تريد أن تنقلها من الباطن أي من الكمون الى الوجود الفعلي ، و يظهر هذا التأنيب من خلال وضع أسئلة تحرك الحسي لكي يعرب عن الكامن الغامض، فتتحرك لغة النطق عوض لغة الصمت:
"اقترب وحدثني،
ما بال قلبك ساكنا؟
قل لي:
كيف كان حديث نبضك حين التقى نبضي؟
وكيف كان عناق روحك للكون
حين اعتليت تضاريس حنيننا؟
وهل كان الحنين طريقا إلي،
أم كنت أنا الطريق إلي؟"
بهذا المباشر يختفي الصمت ، و يطلب مما هو غامض أن يعبر عن ما كان غامضا في لغة الحب، لغة الوجدان العاجزة على تثبيت موضوع الذات، أو تجسيد الوصل التي تطمح إليه الذات الغيرية التي ترغب في الحضور، أو التقبل  بعيدا عن رموز الصمت العاجزة عن توضيح طموح الذات المقابلة، هذه الأسئلة المستفزة تتبعها  الرغبة في الوضوح ، تجمع بين ذاتية الحبيب، و موضوعة، خصوصا أن هناك تواصل قد حدث، و هذا الأخير خلف أثرا عميقا في كلتا الذوات، إنه حب أصبح متبادلا يطمح فقط الى التجلي و المباشرتية ، مما جعل من التواضع و الانحناء شكلا آخر لتجسيد ذاك الحب العميق الذي طفحت به الذوات، "مهلا سيدي" ، مما يفرض على الصمت بأن ينكشف بلغة الصوت، و الكلمات،  فيفرض على الكامن أن ينبثق على شكل انكشاف، ليصل الى الكمال الحقيقي بين المثير و الاستجابة، فتتعرى كل المتناقضات بين العبور و الغياب، و يبقى الأمر متعلق بشكل الحب، و طريقة الوصل، هل ينتصر الصمت أي لغة الأحداق ، و العيون، و لغة النظرات، أم لغة الصوت و الكلام؟ إشكال يقاربه الشاعر بالكيفية التي يتكامل بها الوصل بين الذات و الموضوع بحيث لا يتوقف جانب دون آخر، لأن الأثر حدث في الصمت خلق انطباعا ما، حدثا ما، ليضعنا في عمق جواب السؤال نفسه: 
"لكن بعض العابرين
لا يجيدون العبور،
يرحلون،
ويبقى منهم في القلب
ما يجعل الغياب
شكلا آخر من أشكال الحضور."
هكذا تعبر القصيدة النثرية على الصراع الخفي بين الحبيبين، هو صراع تجسد من خلال وصل ما، تتظافر فيه  الذات مع الموضوع، و لكي يتسنى لهما الاستمرارية لابد أن يكتمل ما هو ذاتي مع ما هو موضوعي، و أي خلل في جهة من هاتين الجهتين لم يكتمل هذا الحب، فقط يبقى الأثر حاضرا في ذاك العبور، فيصبح الحبيب حاضرا رغم الغياب، لأن لغة الصمت لم تجد التعبير المناسب لتجسيد ما هو عميق في الباطن. لتكون القصيدة قد جسدت بالفعل رؤيا عن الحب، و كيفية اكتماله، إنها رؤيا لما هو حادث في العلائق البشرية بامتياز، ليجسد بالفعل قول أدونيس: "أن نكشف وجه العالم المخبوء ، أن نكتشف علائق خفية ،و أن نستعمل لغة و مجموعة من المشاعر و التداعيات الملائمة للتعبير عن هذا كله – تلك هي بعض  مهمات الشعر الجديد، و هذا هو امتيازه في الخروج من التقليدية" ( زمن الشعر ص: 9) على هذه الشاكلة بنيت قصيدة الدكتور حسين عبدالله الراشد، وجسدت شكل العلائق الوجدانية العاطفية من خلال التكامل الصريح بين ذاتية الانسان و موضوعه.
محمد هالي
"حين حضر الملل"

دخل عليّ اليوم.  
لم يطرق الباب.
الملل ليس فراغاً.  
الملل مادة.  
كثيفة، لزجة، تلتصق بجدران الروح من الداخل، وتكتم أنفاس العقل. 
ونحن نهرب منه كمن يفرّ من وباء.  
"تقليب الفراغ." أغنية. رسالة. أي ضجيج.  
المهم ألا نجلس معه ولو لبرهة.
تعال إذن أقصّ عليك ما حدث:
في العشر الثواني الأولى: ضيق.  
إحساسٌ بأنك ستضيع إن لم "تفعل" شيئاً.  
ومن العاشرة إلى الثلاثين: يبدأ العقل يصيح  
"تذكّر فواتيرك، أخطاءك، ما لم تقله"  
كأنه لا يريد لك راحة.  
يريدك مشغولاً... ولو بجلد نفسك.
وبعد الدقيقة الأولى... حدث الغريب.  
خفت الصخب.  
وبدأت الأفكار الكبرى تتسلل. 
رويدا، رويدا. 
تلك التي دفنّاها تحت ركام "أنا مشغول".  
فكرة كتاب.  
فكرة اعتذار مؤجل.  
فكرة قرار أخّرناه سنين.  
فكرة سجدة طال انتظارها.
فهمت حينها:  
الملل هو غرفة العمليات التي يدخلها عقلك، حين لا مخدّر.
نحن نخافه لأنه يعرّينا.  
بلا إشعارات... من أنت؟  
بلا مهام... ماذا تشتهي حقاً؟  
بلا جمهور... عمّ تفكر؟
لذلك ما من اختراع عظيم وُلد في اجتماع.  
وُلد في لحظة كهذه.  
نظرة في السقف.  
مشي بلا هدف.  
انتظار حافلة تأخرت.
وهذا قانوني الجديد:  
"لا تقتل الملل. استنطقه." 
اسأله: لم أتيت الآن؟  
ماذا تهمس لي وأنا مشغول دائماً؟
وفي الختام فهمت...  
أن الحياة ثمانين بالمئة منها لحظات كهذه. "ملل" 
غسيل. طريق. انتظار. روتين.  
إن قتلت الثمانين... قتلت عمرك.  
وإن جالسته...  
اكتشفت أنه لم يكن عدوّك.  
كان باباً.  
ووراءه أنت الحقيقي.
فإذا حضر الملل في المرة القادمة...  
لا تهرب.  
اجلس.  
وانظر ماذا سيخرج منك  
حين لا يراك أحد.

بليغ حمود سعيد ذمرين

قلق الفصحى....✮✮✮ 🖊 الشاعر سليمان شاهين/أبو إياس/

...................... قلقُ الفصحى  ...................
أينَ منِّي  مُنتَدىً أو مُلتَقَى
                           يجعلُ  الفُصحى  له   مُنطَلَقا
و بها    يزهو   و تزدادُ   به
                            و بِمَنْ     يُعزَى    إليه     أَلَقَا
أينَ  منِّي  ملتقىً  ذو  مِرَّةٍ
                            لا يُعاني    خَشيَةً   أو   فَرَقا
ويَميزُ   الغَثَّ   ممَّا   جاءَهُ 
                            من  سَمينٍ   يَتوخَّى   الوَرقا
يُبعِدُ  الغَثَّ   ولا يقفو  لهُ
                           أثراً   يوماً   ويُدني    المُوثَقا
ويُسَمِّي كُلَّ شيءٍ  بِاسْمِهِ
                           لايُسَمِّي  السِّيدَ  سَبْعاً  مُطلَقا
يُوقِفُ الحمدَ على الأَجدَى ولا
                           يَذكرُ الدَّجْنَ   ويَنسَى   الفَلَقا
لا يُداجي أو يُحابي إنَّما
                           دائماً   يَحدُو  الأحَقَّ  الأَحذَقا
يبتغي الإتقانَ والإحسانَ إذْ
                           يَنْشُدُ  الشِّعرَ  الأشَمَّ   الأشْهَقا
ليس يخشى لومةً من لائمٍ
                          حين  يُقصِي مَنْ  يراهُ  أخفقا
ليس   يهتمُّ   بِعَتْبٍ   جائرٍ
                           أو  يُبالي     نَزِقاً     أو    نَزَقا
كم قصيدٍ قد تَدَنَّى مُستوىً
                            عاد   بالتَّكريم   يوماً  مُرفَقا
ومضى يَفخَرُ من قد صاغه
                            أنَّه    ذَلّل    ظهرَ     المُرتقى
يحسبُ  الدَّربَ  إليهِ  يَبَساً
                            لا مَهيلاً    أو   صعيداً    زَلَقا
ليت شعري ماالذي يدعوإلى
                           أنْ  يُسَوَّى   بالسَّويِّ   الأخرقا
كَثُرَ الإخلالُ في الشِّعر وقد
                            قَلَّ مَنْ  مِنهُ   تَدَارَى   واتَّقى
يحسبون الشِّعرَ سهلاً  دَربُهُ
                           وهْوَ يُعيِي  اللوذَعيَّ  الأشدقا
يجهلون النَّحوَوالصَّرفَ وإنْ
                            يركبوا  بحراً  يخافوا  الغَرَقا
ولَكَمْ مِنْ مُنتدىً  يزهو  بهم
                            دونما وَعيٍ وكم  مِن  ملتقى
أضحت الفصحى تعاني رَنَقاً
                            قد  يُجَلِّي عن  لَمَاها  الرَّونَقا
لكِ يا فُصحى على ذاك وذا
                           أن   تُراعي    وتُحِسِّي  القَلَقا
يابني الضَّاد أعيذوا ضادكم
                           وابذلوا في الذَّود عنها العَرقا
وأقيموا حولَها من فكركمْ
                          وجنى  الأقلام   حصناً (أبلقا)
......................... 
سليمان شاهين/أبو إياس/
ذو مِرَّةٍ : قوي لا يخاف
السِّيدَ : الذئب
الفَرَق : الخوف
المُوثَق: المُحكم
الأشهق : الأعلى
المَهيل : المتحرك المتداعي
الصعيد الزلق :التراب الذي ينزلق المرء به
الأخرق : الجاهل الأحمق
الأشدق : المفوه البليغ
الرَّنق : الكدر  ، والرونق : البهاء
الأبلق : حصن السموءل بن عادياء الشّهير

ما أجمل الصباح 30 !بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي

ما أجمل الصباح 30  !
بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي 

   صليت الفجر ، وقفت على الشارع أنظر شمالا ويمينا ، والصبح مازال لما يسفر عن وجهه المضيء ، انتظرت أكثر من نصف ساعة ، لعلي أعثر على مركبة تقلني إلى أقرب مطعم شعبي . وصلت إلى مطعم شعبي مزدحم بالعمال البسطاء ، تناولت وجبة لذيذة ، وألذ ما فيها وجودي بين أولئك البسطاء ، المتوكلين على الله ، وأعظم ما يميزهم ، أنهم يحملون على أكتافهم ، وبأيديهم أدوات العمل ، ينتظرون من يأخذهم لعمل ما ، فيحصلون على أرزاقهم ، الذي تكفل بها خالقهم ، في الوقت الذي يموت الكثير جريا وراء مكاسب آنية تودي بهم إلى الهلاك غير المسوغ ، وكأنهم غير مؤمنين ، بأن الله قد تكفل بأرزاق من خلق . غير أن الأجمل من ذلك كله ، ذلك الجو الصباحي الملبد بالغيوم ، الذي يشبه وضع البلاد إلى حد كبير ، وعندها تذكرت قول البردوني : 

لكنها رغم بخل الغيثِ ما برحت ** حبلى وفي بطنها قحطان أو كرب

ألا ترى يا أبا تمام بارقنا ** إن السماء تُرجى حين تحتجب

    إذ كانت السماء ترشنا ببعض القطرات ، يقع بعضها علينا ، وٱخر يختلط بالطعام ، فيتذوقه الطاعم بحلاوة ألذ من حلاوة الشهد والعسل ، فضلا عن نكهة أزكى من نكهة الكاذي والحبق والفل والياسمين ، إنها نكهة المطر ، الذي لم يلامس خبائث الأرض والإنسان بعد !

صور من أوراق متناثرة .. ✮✮✮بقلم الشاعر علي حسن

صور من أوراق متناثرة    .. بقلمي علي حسن
على غيرِ العاده عاد السيد المدير مسرعاً
إلى غرفة مكتبه
لِيرلكه بِقدمه بِاستعجاب 
مُستعجِلاً في خطواته المريبة
لِيقف بِالقربِ من أطراف مكتبه
ويلتفت بِنظراته الحادة المألوفة عند الجميع في
موقع عمله
وبلغة فظة
يلتفت حوله
يرقب سكرتيرته ويلاحق نظراتها الهادئة عن المألوف
لِيشيرَ إليها بإصبعه أن
تخلُصَ إلى لَملَمَة أوراقها المتناثرة هنا وهناك
وكأنما شيء ما حصل
ويُبادِرها إلى أن أُتركي مما أنتِ فيه الآن
لِتنتهي من عملك هذا 
لِتلتحِقي بي إلى الغرفة المجاورة
المخصصة لِحضور الإجتماع
ويسألها بِغضب ألم أقل أن تنهي العمل بِسرعة
من متناثرات الأوراق
بماذا تُشغِلي نفسك
تقفي شارِدَة في تنسيق أوراقكِ
الشاردةِ على أطراف المكتب ولا تكترثي 
أم أنكِ أصبحتِ مُغرمةً إلى هذه الدرجة أم  .. أم  ؟
لِتلامِسَ ثورةُ اليد التي تُداعِبُ الحروف والكلِمات
معتقةٌ بِرائحةِ غُبارَ العمل إلى هذا الحد
بِجَد أنتي لفتي نظري إليكِ
وحتى أني أخذت لِنفسي بِعضٌ من الوقت
لأراقبَ سيدَة المكان،
التي راقَ لها أن تلهوا عن الإستماع وعدم الإهتمام
وإلى ماذا تكون النهاية الجادة في الترتيب 
وإلى هذا الهدوء المُلِح،
إلى عدم لفتِ النظر والتلبية لِلحضور إلى
الطاولةِ المستديرة
والمشاركة على عجل في تشكيل جلسةِ الحضور
والإستمتاع بِحلقةِ الإستماع والإجابة على كل التساؤلات
وفي الختام وقفت في تساؤلٍ غريب
عذراً يا سيدي لعلّكَ تُدرِكُ أنك قد تجاوزتَ حدود وقتي
وأرهقتم أنفسكم كما أنا تُرهِقني أوراقكم العفِنة
أرهقتموني بِالإستماع إلى ما هو خارج حدود الموضوع
وأنصرفت لِتُنهي كلامها غير آبهةٍ بما يدور خلفها
إلى لَملَمَة ما تناثر من الأوراق الغير عادي
وتأخذ حقيبة كتفها وتخرج دون أن تلتفِت خلفها
ودون أن تكترث لما دار،
وتُغادِرَ المكان مودِعةً سيلُ الأوامر إلى غير رجعة
لعلّها لم ترقى لوكنها تحملُ ما يأهِلُها من دراستِها
لِتكون قد تجاوزت حدود الحضور والعبودية
إلى حياة الحرية ..
إنتهت
         .. علي حسن ..