«لحمُ الحجر»
طاهر عرابي
دريسدن – 23.08.2024 | نُقّحت 12.09.2026
——-
أيها المشردون،
يا لحمَ الحجر،
اتركوا جلودَكم تحت حرِّ الشمس،
ولا تحملوا ذكرياتِ الماضي؛
دعوا ولادتَها هناك،
تتفتّحُ في موضعها،
وتبقى كما تُبقي الأرضُ سرَّها فيكم.
غيّروا تواريخَ ميلادِكم،
واتركوا الميلادَ ينبتُ حيث بدأ،
يتنفّسُ رائحةَ الأرض،
واختاروا أيامًا من الخريف:
ريحًا،
ومطرًا،
وسحابًا،
وغضبًا،
حتى يصيرَ العظمُ فصلًا لا يتبدّل.
وتنكّروا لكلِّ ما يذكّرُ بالفجيعة،
فستصبحون أجملَ من رمادٍ ينهضُ من بركان،
عُراةً من الكآبةِ وتشتّتِ النفوس،
حاملين ما تبقّى من تحفِ الوجود.
عيشوا في أصدافٍ تحميكم،
واهربوا من هذا العُقمِ المقدّس؛
فما عاد للصدى صمتٌ يسمعُه أحد،
وعلى صدى أحزانكم يتعثّرُ الألم.
في الغرفِ المفتوحة
تسكنُ بهجةٌ مدجّنة؛
هي لهم…
بعد فواتِ المهابةِ البشريّة.
لقد أحرقوا خلفكم الأرضَ
وينابيعَ الماءِ العذب؛
لا وردَ يتفتّح،
ولا براعمَ تنهضُ من الرماد.
الحقولُ كثبانٌ
من رملِ الانفجارات،
والجذورُ تستحي أن تمدَّ نفسها
ليرتفعَ منها ساقُ الشجر.
الماءُ يكرهُ الخشب،
والسوسُ وجدَ بقاءً أزليًّا،
ولا شيء يُغري العصافيرَ
في جوفِ القذائف.
ولا خبزَ
إلا واحترقَ صاحبُه
قبل أن يمسكَ الرغيف.
قرقعةُ الأواني الفارغة
سمفونيةُ الفجيعة.
أيها المشردون،
لا تخشوا انهيارَ القيم؛
فقد اعتدتُم الفراغَ الروحي
وتيّارَ الإنكار.
لستم وحدَكم ضعفاء؛
نحن أشدُّ ضعفًا
في صياغةِ الألم.
يتفتّتُ الغيظُ كغبارٍ تالف.
وصعودُ الملحِ إلى الأفئدة
يخرجُ مع الدموع،
مقهورًا مثلنا.
لا تخجلوا من فضيحةِ العالم؛
أنتم الآن أنقياء،
ولكم اختيارُ البياض
في قوسِ قزح.
دعونا نخافُ معًا
من سقوطِ النارِ فوق القمر،
ومن تبعثرِ الممسكين
بشعاعِ الشمس.
فالملاجئُ علبُ سردين،
والغضبُ يتنفّسُ اللونَ الأرجواني
ليظهرَ في قناعٍ
من سماحةِ الواقع.
الطرقاتُ مهدَّدةٌ
بالالتواءِ ونكرانِ الهدف؛
فإلى أين نذهبُ
لنبلغَ التاريخ،
ولو بحرفٍ ذي ضوءٍ
يحدّدُ الاتجاه
في زحمةِ الضباب؟
أوقفوا الحرب؛
لقد تغيّرنا،
وأضعنا الطريقَ إلى الحب.
كيف نحبُّ،
وقد فقدَ الجسدُ أطرافَه؟
المتلهّفون للبقاء
عليهم أن يسجدوا فوق رؤوسهم،
ليروا قربَ الأرض
من وجوههم،
ويقتنعوا أن الحربَ
جعلت الأرضَ محروقة.
انظروا…
واشمّوا رائحةَ الجنون.
ماذا يعني أن نكونَ
عناقيدَ عنبٍ
معلّقةً على أعمدةِ الدخان؟
لم نعد نخشى التحوّلَ
إلى فصيلٍ بشريٍّ يخطّطُ للرحيل
قبل أن يُعمّرَ الأرض.
خسرنا الرهانَ على ما نملك،
ولم نعد نفكّرُ بربحِ أيِّ شيء.
من يربحْ معركةً…يخسرِ الحياة.
الأصواتُ الجميلة
لا تنبعُ من هديرِ البراكين؛
هناك لا يُسمعُ إلا القرف.
موظّفو النكبات
يتقاعدون على موائدِ الخديعة،
ويركبون يخوتًا
فيها ملذّاتُ اليأس.
ولطماتُ الأمواج
تذكّرهم بآثارِ الثلج
فوق الجثث.
قل وامضِ، يا شريد:
ما أجملَ أن نتراجعَ
نصفَ خطوة،
لنمضي ألفَ خطوةٍ
نحو النهار.
لم نفجّرِ الأرضَ لنزرعَ صنوبرًا،
بل فجّرنا الدموع،
وعزّينا الأحياءَ بالصبرِ المُرّ.
وما أبشعَنا في السِّلم،
وما أبشعَنا في الحرب،
حين نُهيّئُ للجريمة
بأزياءٍ جديدة،
وقلوبٍ من سراب.
نبني دولًا
لنرسمَ ملامحَ الأعداء،
ثم نتذكّر…ولا نعتبر.
غرسوا، وشرّدوا،
وحمَوا غرسَتهم،
حتى باتت
توبّخُ وجوهَهم.
ثم تقاعدوا…
يتلفّتون
في بحيرةِ المجرمين.
ط.عرابي - دريسدن