الأحد، 30 أغسطس 2026

"الثمن البارد"   قصة قصيرة

        لم نستفسر او نظهر استغرابنا. كلمات معدودة فقط فتحت لي أبوابًا لم اتوقعها. " في بيت ابي سلام. الساعة الثامنة ليلًا". يبدو انني الوحيد الذي احتاج الى توضيح، بعكس بقية الرفاق. قال أحدهم: "اجلب ما تستطيع يا رفيق. نحن في بداية الشهر.". لم افهم طبيعة هذه الاستطاعة لكن الكلمة الأخيرة أوضحت بان مساعدة مادية لابد منها.
      كنت الوحيد الذي تأخر وكانت محاولتي لأقناع زوجتي أحد الأسباب التي أخرتني. 
- هذه الدنانير. تفضل خذها. وبالإمكان إضافة ما حصلتَه من محاضراتك الإضافية.
- اعدكِ بان ابننا سيكون بخير. الشهر القادم سنأخذه الى الطبيب ولا بأس من تأجيل الامر. وكنت اعلم ان قناعتها بالتخلي عما جمعناه لعدة أشهر لم تكن بالحدث السهل. صغيرنا الوحيد، قد تسوء حالته الصحية ويكون الثمن غاليًا خاصة على زوجة رُزِقَت بمولود جميل بعد انتظار سنين. 
      تمازحني وتدعي انه يشبه أمها بعينيها الخضراوين ووجهها المستدير. وبجدية مصطنعة، أردها قائلًا ان امي هي الأجمل. تصمت لحظة وتقول: الله يرحمها، كانت سندًا لنا وأنها امٌ لا يمكن نسيان فضلها.

       وفي وسط باحة البيت وقفتْ بكل جمالها. بيضاء، متوسطة الحجم. تقدم نحوها "أبو سلام" وبدأ يشيد بمواصفاتها. بعشرين دينار بدأت المزايدة، سرعان ما ارتفع السعر كلما يبدع صاحبها ببيان حسناتها. مسكها بلهفة من المنتصف وسحب يده في محاولة منه لإثارة الحماس والحصول على أقصى مبلغ يمكن الاستفادة منه. بخار بارد أنعش الحاضرين. يدٌ رُفِعَت وصوت متحمس رغم هدوء نبراته: ثلاثمائة دينار. زايد أحدنا: وخمسين. جاوبه آخر: أربعمائة دينار عدًا ونقدًا. صمت مطبق. رفعت رأسي. ثلاثة أطفال يراقبون باستغراب وامرأة عجوز بدت متحمسة. 

     تحسست جيبي. نسيت ان لي ابنًا وحيدًا. يا إلهي!  كيف ستقضي هذه العائلة الصيف الحار. هذا صعب. رد "أبو سلام": لا. لا. هذا سهل. ما هي الا أيام وتسهل الأمور. عائلة رفيقنا الشهيد الآن بأمس الحاجة. طُرِدًت من البيت واستأجرت غرفة في أحد البيوت. زوجة وأربعة أطفال وعجوز مقعدة وكان ضابط شرطة الموانئ في منتهى القسوة. يدفع الأطفال ويصرخ: خونة. نحن في السنة السابعة للحرب ولا مكان لمن يعادي الحزب والثورة. استمرت المزايدة ووصلت لثمن لم أتوقعه. كنت مصرًا على الفوز. نظرت الى رفاقي رافعًا يدي وهمست بالسعر النهائي.
- مبارك لك. انت تستحقها؟
- استحقها؟
- أجل. أهكذا تربينا طيلة هذه السنين؟ لقد اشتريتُها لأهديها اليك. لابد ان تبقى في مكانها أيها المناضل الغيور.
     تراجع "أبو سلام". سكت ولم يجب، لكنه ابتسم بدمعة محبوسة، ادركتُ حينها أن نكران الذات لا يعني ألا تشعر بالألم، بل أن تختار ألم الآخرين على ألمك الخاص. عدتُ إلى بيتي بجيب فارغ، وحين دخلتُ الغرفة، كان طفلي نائمًا بأمان، وكأن ربًا لا ينسى أحدًا قد مسح على جبين الآخرين. صوتٌ رقيقٌ تآلفتُ معه زاد من اصراري وثقتي بنفسي وبرفاقي، فشعرت اننا كيان واحد لا ينفصل: 
- ما نفقده في العطاء، نستعيده في اتساع أرواحنا يا زوجي الحبيب.
- سعادةٌ لا توصف والذي زادها، أن رفاقي قد أفرغوا جيوبهم ايضًا.
                                                          علي البدر

ق.ق.ج. الأمومة ✮✮✮ 🖋 الأديبة فريدة كمال

ق.ق.ج. الأمومة
شوّش الإرهاقُ عقلَها. ففاوض جسدَها، واستنزف ذخائر قوتها، حتى رماها على الفراش.
قررت الاستسلام لسلطان النوم.
تذكّر قلبُها فلذتَها، فبعث فيها روحًا أحيت كل أجزائها، ونهضت بحب.
 __________

  جبن
السكينُ الذي حمله مرتجفاً ليقتل به خصمه، قتله.
__________

  الاتزان
يعمل على بناء عضلاته جيداً، أعطاها كل وقته ليتنعّم بها،
مات بهبوطٍ في السكر.
__________

    أولويات
منغمسٌ بقوة في اللعب مع أقرانه، حتى لا يفوزوا عليه،
رأى أمه تحمل بضاعة أثقلتها،
تركهم وهرع لمساعدتها؛
فالفوز بالبر أعظمُ انتصارٍ.
_____________

     الحكمة
يصرخ على أبنائِه ليتعلموا بسرعة، أصابهم تبلدٌ في الذهن.
___________

    مرحلة انتقال
تشقق طينه الخارجي،
وتشوه شكله، عاش معذباً.
ثم سقط، وظهر تحته شكل أجمل.
____________

       تفاضل
اشتاق الابنُ اليتيم لأيام زوجة أبيه القديمة،
سأله الأب: ألم تكن تضربك؟
قال: نعم، ولكن زوجتك الحالية تضربني ولا تعطيني أكلاً!
_____________

       ضوضاء
لجأ لركن المقهى المظلم يرجو العزلة، فتهامسوا عليه.

     
         بقلم: فريدة كمال

حوار مع صديقي البحر...!✮✮✮ 🖋 سمير بن التبريزي الحفصاوي

*حوار مع صديقي البحر...!
-مَنْ أَنْتَ يَا بَحْرُ...؟
على طول الدهر والعمر
سُؤَالِي فِيكَ حَائِر...!
هَلْ أَمْضِي فِيكَ...؟ 
أبحر و أُغَامِرُ...؟!
غَامِضٌ وَمُغْرٍ أنت يَا بَحْرُ...!
جَمِيلُ الْوَحْشَةِ  القفر...
أَرَاكَ أَعْظَمَ سَاحِر...!!
مترامي الأطراف و النظر...
مُخِيف قَاتِل غَادِر...؟!
أَسْأَلُهُ أنا والرمل والصخر...
سؤال على مدى البصر:
-قلي مَنْ أَنْتَ يَا بَحْر...؟
يُجِيبُنِي الْغَيْمُ وَالْعَتَمُ...
هَدِيرُ الْمَوْجِ وَالنَّوْرَس...
وَصَوْتُ الرِّيحِ فِي الْأُفُقِ:
-إِنَّ الْبَحْرَ قَدْ سَافَر...!!
إِلَى الْآفَاقِ قَدْ سَافَر...!!
إِلَى الْمَجْهُولِ قَدْ سَافَر...!!
سَيَعُودُ حُلْمًا وَأَنْسَامًا
وَمَدًى يَمْلَأُ الْعَيْنَ..
هديرا يُوحِشُ الْقَلْبَ..
فِي مَدَى الصَّمْتِ الْحَائِر
سيعود أَمَلًا يَصْنَعُ الْفَجْرَ
غُرُوبٌ ظَالِمٌ جَائِر...!
وَلَوْنُ الْبَدْرِ فيه أَحْلَام...
وَلَمْعُ النُّورِ لِلْأُفُقِ...
ضَبَابٌ مَفْعَمُ الْعَتَمِ
سراب وَآفَاقٌ مُوحِشَةٌ...!
خَلْفَهَا الْمَجْهُولُ مِنْ وهم...
وَسُؤَالٌ مَدَى الدَّهْرِ حَائِر...
ثُمَّ يَرْجِعُ مَدًّا... يُحَضنُنِي...
يداعبني...بزخات من الموج 
بأحلام...وأنسام...
يَسْأَلُنِي لِمَا جِئْتَ...؟
ثُمَّ لِلْمَدَى يَمْضِي...!
قَالَ الْبَحْرُ: مَنْ أَنْتَ...؟!
وَنَظَرَ فِي وَةحْشَاتِي...
أَجَبْتُ بِصَمْتٍ طُفُولِيٍّ..!
وَسَافَرَ نَظَرِي إِلَى الْأُفُقِ...
إِلَى الْأَشْجَانِ فِي الشَّفَقِ...
وَأَخَذَ مَا مَضَى مِنْ زَمَنِي...
إِلَى أَمْسِهِ الْغَابِر....!
عَبْرَ حَاضِرِي الحائر...!!!
أفقت من غفواتي...
سافرت عيني إلى الآفاق
إِلَى مَدَى زَمَنِي الْآتِي...
وَغُرْبَتِي فِي مَدَى الْحَاضِر
هَدِيرُ الْمَوْجِ أَشْوَاقِي
ضَبَابُ اللَّيْلِ أَحْلَامِي
وَلَمْعُ الْأَنْجُمِ دَلِيلِي وَمِرْسَاتِي
وَدَمْعَةٌ عِنْدَ أَحْدَاقِي
وَنَبْضِي نَوْرَسٌ طَائِر...
ثم سألت وَقُلْتُ: 
-وَمَنْ أَنْتَ يَا بَحْر..؟!
أَنَا الْخَوْفُ...! أَنَا الْوَجَسُ...!
أَنَا صَمْتُكَ الْمُتْعَب...!
أَنَا حِوَارُكَ الْحَائِر...!
أَنَا أَمْسُكَ...! أَنَا هَمْسُكَ...!
أَنَا الْمُسْتَقْبَلُ الْعَابِر...!
أَنَا النَّسْيُ... أَنَا الْمَاضِي وَالْحَاضِر
أَنَا الْأَمَلُ وَالسَّكَنُ...! أَنَا الْوَجَسُ...!
أَنَا الْوَحْشَةُ وَالْكَمَدُ...! أَنَا الشَّوْقُ...!
أَنَا الذِّكْرَى...! أَنَا عَالَمٌ آخَر...!
أَنَا ابْنُ الصُّبْحِ أُغَنِّيهِ وَابْنُ الرِّيحِ...!
سَمِيرُ السَّحَرِ وَالْبَدْرِ...!
أَنَا حَنِينُكَ الْمَاطِر...!
أَنَا الْمَوْتُ الْغَامِضُ عَلَى مَهَلٍ
وَأَحْوِي حَيَاةً فِي مدى بَطْنِي...!
أَنَا رَاحُ الْمُتْعَبِ الْقَلِقِ...
أَنَا مَوَّالٌ وَأُغْنِيَةُ...
ونسمة أصفى وأنقى
متعة النفس و العين
أنا النشوى...أنا حلم...
النَّائِمِ... الْهَائِمِ... السَّاهِرِ...؟
وَصَوْتُكَ حِينَ يَخْرُسُ الصَّوْتُ
وَحُلْمُكَ الْمَنْسِيُّ الْغَابِر
أَنَا النَّبْضُ وَالنَّفَسُ
أَنَا الرَّاحُ لِلْحَائِر.
أَنَا السَّفَرُ والذِّكْرَى 
وَلِلْعُشَّاقِ أُمْنِيَةٌ... وَأُغْنِيَةٌ...
أَنَا السُّؤَالُ الْمُعَلَّقُ دَوْمًا
وَفِي مَدَايَ وِدٌّ بِلَا حَدٍّ
وَفِي مَدِي وَفِي جزري
عَوْدٌ عَلَى بَدْءٍ...ورجع
أَنَا الْمَاضِي وَالْحَاضِرُ
وَفِي مَدَايَ وَفِي أُفُقِي
ضَبَابٌ مُوحِشٌ سَافِر
وَأُغْنِيَةٌ وَأُمْنِيَةٌ وَأَحْلَامٌ...
وَقَصِيدٌ مَا قَالَهُ شَاعِرٌ...!
مَدى غَزَا وِجْدَانَكَ دوما
وَجزرِي تَأْتَه طَائِرٌ...
أَنَا الْمَسْرَى.. أَنَا الْمَعْنَى...
أنا المرفأ والمرسى
وَأَنْتَ زَوْرَقٌ يَاطِر...
فَلَا تَسْأَلْ وَلَا تَبْحَثْ...
فَإِنَّ الْبَحْرَ قَدْ سَافَر....!

-سمير بن التبريزي الحفصاوي-تونس

الحجاب تاجك ✮✮✮ 🖋 كلمات الشاعر أحمد شاهين

الْحِجَاب تَاجِك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خَلِّي الْحِجَاب تَاجِك
دَه وَقَار وِمِن دِيْنِك
مَا تِمْشِي بِمَزَاجِك
لَلْكُلّ هَيْهِيْنِك

هُوَّ الْحِجَاب سَتْرِك
رَبّ العِبَاد أَمَرِك
مَا تِسْمَعِي لْمَخْلُوْق
لَو يُوْم خَالِف دِيْنِك

فِي السَّتْر وَالله عَفَاف
وِحَيَاء وِهَيْصُوْنِك
أَمَّا التَّبَرُّج عِيْب
وَاللهِ هَيْدِيْنِك

أُوْعِي تِمِيْل النَّفْس
وِايَّاكِي شَيَاطِيْنِك
وِاوْعِي صِحَاب السُّوْء
عَ النَّار دِي وَاخْدِيْنِك

عِيْشِي بِيْنَّا عِفَّه وِدِيْن
لَو زَادُوا كَارْهِيْنِك
كُلُّه سَلَف آه وْدَيْن
لَو نَظْرَه مِن عِيْنِك

الدُّنْيَا بَسّ يُوْمِيْن
فَاتْمَسَّكِي بِدِيْنِك
مَهْمَا قَابِلْتِي السُّوْء
فَرَبِّي هَيْعِيْنِك

إِنْتِي اللي لاَبْسَه حِجَاب
عَارْفَه أُمُوْر دِيْنِك
فِي الآخْرَه جَنَّه وِنَار
عَ الْجَنَّه حَاسْدِيْنِك

خَلِّي الْحِجَاب تَاجِك
دَه وَقَار وِمِن دِيْنِك
مَا تِمْشِي بِمَزَاجِك
لَلْكُلّ هَيْهِيْنِك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمات الشاعر أحمد شاهين
------ مصر -- أسيوط ------

أُسرٌ مُفكََكة ✮✮✮ 🖋 الأستاذة عزه ناصف

أُسرٌ مُفكََكة
ضحاياها أطفالٌ مُشرَّدة.       وإنْ كانت لهم بيوتاً مُغلقة
بين عراكِ الأباء ضائعة.     فَعقولهم مُشتتة وحائرة
فقدوا الإهتمام  والتَوْعية.     وقلوب أباؤهم خالية 
ٍِمِنهم مَن هَجر البيْت وباع نفسه للشيطان 
و منهم العاهرات  أو تُجارٌ للمخدرات
أو التقتطهم عِصابات لتجارةِ  الأعضاء 
أو جواسيس للبلاد وضاع مستقبلهم  لعدم الإحتواء والأمان 
ويأتي جيل فاقد القدرة  على الإبداع والعطاء 
ماذا تنتظر مِمَّن فقد الحُب والوَلاء
إلا مَن رحمه الله وحفظَّه مِن الضياع 
تَصدَّع مِن صدورَهم  أهات
تشكو من قلةِ الحُبِ والحنان
واتخذوا الوِسادةَ لهم حُضناً وأمان 
والأباء يهيمون في وادٍ من الصراع
ولا تُحركهم عاطفةً ولا وجدان وفقدت الأبناء الأرحام 
فمعدلات الجرائم كثُرت والأبناء يُعانون مِن انفصام
حَيارى بين مُبالاةِ الآباء ووجود الذات 
وتقطعت أَواصِر الرحمِ والوِئام
المُشكلة ليست المادة  وإنما من نفسٍ لاتشبع ولاترضى
وازدادت لديها الشهوة  وتنصَّلَت مِن الأخلاق الحسنة 
وتاهت الروح البريئه مع الظروف المريرة
أيها الأزواج 
ابناؤكم أمانة في الأعناق ستُحاسبون عليها بالمِثقال
فأنتم لهم قُدوَّة وهم على خُطاكم أَتباع
تنازلوا عن العِند والخصام وليكن بينكم التسامحُ والغفران 
وعلَّموهم التَّضحيه والإيثار لتحيا الأوطان في سلام
بقلم عزه ناصف

ماذا لو ✮✮✮ 🖋 الأديب رائد جبار الذهبي

ماذا لو
كان الوداع الأخير
حين تنطفئ اضواء اللقاء وتتفرق الخطى
على مفترق الطرق
يبقى الحنين سيد المكان
ليعلن الفراق عن حضوره كنافذة تفتح على صمت طويل
حيث تتحدث الذكريات بصوت أعلى من الحضور
هناك .. حيث تتبلد المشاعر والأحاسيس في خضم ذلك المشهد
في لحظة تنتهي فيها كل الاحتمالات وتترك في القلب أثرا لايمحى 

ماذا لو 
كان الوداع الأخير 
واسدلنا الستار على قصة عشق 
دامت طويلاً 
ليموت بعدها الحب و تنطفئ نار اللهفة الى أبعد الحدود 
فتغدو الكلمات لامعنى لها بيننا 
بعد أن يفقد كل شيء معناه 
حين ذاك تنطفئ جذوة التوق  والاشتياق 
وتنطوي حكايتنا باختصار شديد 
كغريبين لا أكثر 
إذ تبتلعنا بعدها الطرقات كخاسرين هزما في حرب ضروس 
كل شيء يدعوا للانكسار والهزيمة 
فبعض الوداعات لاتغلق الأبواب خلفها فقط 
بل تغلق اعمارا كاملة 
لم يعد بين كلينا أي اهتمام .. وسطور النهاية 
رسمت حروفها في توهج وإيضاح 
لنغادر حبا كان استثنائياً ..
ربما ستلتفت خطانا الى الخلف في نظرة أخيرة يشوبها التعاطف 
وفي مشهد يوحي بالانكسار 

ماذا لو 
كان الوداع الأخير 
وأن الغد سوف لن يمنحنا فرصة أخرى 
وأن الغد لن يأتي أصلا 
ماذا سيبقى في الذاكرة
سوى جرح عميق وقلبين ماتا معا ..
حينها سيغدو الغياب ثقيلاً 
وتبوح لنا النهاية بما لم نكن يوما نتمناه
ونحلم به 
وتطارد أرواحنا آلاف الأسئلة والأسئلة 
هل هو حقا الفراق  .. هل نصدق تلك النهايات .. هل نفذ الوقت بيننا ولم يعد هناك مجال لخط رجعة لكلينا 
ربما تكون تلك الحقيقة الوحيدة ..
ولكن قلبي المغرم يأبى الاعتراف بها 
لايود تصديق ذلك .. أو أنه يهرب من فكرة 
الفراق وعذابات الغياب الطويل 

فهل ستمنحنا الأيام فرصة أخرى للقاء 
أو صباح جديد يجمع خطانا أو كلمة مؤجلة يمكنها أن تصلح ماأفسده الصمت 
حيث لاخيار أمام من يحب سوى الإنتظار 
والتأمل 
فنافذة الروح تظل مفتوحة على الماضي 
كلما هبت نسمة حنين لتذكرنا بلحظات عشناها سوية 
لتعود رائحة حضوهم وملامحهم وصورهم 
من جديد 
حتى الذاكرة ترفض أن تصدق أن الرحيل كان أخيراً 
فمن أحببنا أحياء فينا .. كلما اشتاق القلب الى وجه غاب وكلما مر طيف الذكرى وكلما احتاجت الروح الى شيء من دفء الماضي 
ربما كان ابتعادا عن العيون لكنكم لاترحلون 
أبدا من قلوبنا 
فالى لقاء 

رائد جبار الذهبي

حين أكتب، يهدأ العالم ✮✮✮ بقلم الشاعر: أحمد لخليفي الوزاني

حين أكتب، يهدأ العالم

لم أكتب يومًا لأن لديَّ ما أقوله للعالم،
بل لأن العالم كان يقول في داخلي
أكثر مما أستطيع احتماله.

فضفضةٌ في عالمِ الليل،
هكذا ولدت هذه الكلمات.

كلما ضاق الخارج،
فتحتُ ورقةً،
وتركتُ لها مهمة ترتيب الخراب.

لم تكن الورقة بيضاء كما يظن الناس؛
كانت ممتلئةً بأصواتٍ متقاطعة،
بوجوهٍ مرّت ولم تودّع،
بأسئلةٍ لم تجد بابًا للخروج،
وبأشياء كثيرة
كنتُ أخفيها عن نفسي قبل الآخرين.

كنتُ أضع القلم على السطر،
فتتراجع الفوضى قليلًا.

ليس لأنها اختفت،
بل لأنها وجدت أخيرًا
مكانًا تجلس فيه.

أكتب عن الحزن
كي لا يتحول في صدري إلى حجر،
وعن الخوف
كي أراه أمامي صغيرًا،
بعد أن كان يكبر في العتمة.

أكتب عن الذين رحلوا،
فلا يعودون،
لكن شيئًا منهم
يستعيد صوته.

وأكتب عن الذين بقوا،
لأفهم لماذا يكون بقاؤهم أحيانًا
أثقل من غيابهم.

ومع كل صفحة،
كنت أكتشف أن الكتابة
لا تنقذني من العالم...

إنها تنقذني
من النسخة التي يصنعها العالم مني.

وحين أنتهي،
لا يكون الخراب قد انتهى،
ولا تكون الحياة قد أصبحت أكثر عدلًا،
ولا تكون الأسئلة قد وجدت أجوبتها.

لكنني أتنفس.

وهذا، في بعض الأيام،
يكفي.

فربما لم تكن الكتابة
طريقةً لصناعة حياةٍ أجمل،
ربما كانت فقط
طريقتي في ألا أفقد نفسي
وسط حياةٍ تصرّ كل يوم
على أن تجعلني شخصًا
لا أعرفه.

---

بقلم: أحمد لخليفي الوزاني
© جميع الحقوق محفوظة