الأحد، 23 أغسطس 2026

نور الهدى ✮✮✮ 🖋 أ. محمد العبدلي

نورُ الهدى.
الأرضُ والأَفلاكُ والأَكوانُ
 والجانُ والإِنسانُ والأَزمانُ

 مُستبشرونَ بِمولِدِ النُّورِ الَّذِي
 لَولاهُ سادَ  الظُّلمُ  والطُّغيانُ

 وُلِدَ السَّنا  فتنورت  أَكواننا
 فبهديهِ    للعالمينَ   أَمانُ

 يا أَحمدُ المُختارَ، هديُكَ للورى
 قَد عمرت  بضيائهِ  الأَوطانُ

 ميلادُكَ الميمونُ بُشرى رحمةٍ
 للخلقِ  قد  أَهداهُمُ  الرَّحمنُ

 قد جِئتَ بِالدِّينِ الحنيفِ كرامةً
 للكائناتِ  فعمَّهَا  اطمئنانُ

 طَهُرت بِكَ الدُّنيا وزالَ ظلامُها
 وبنور   عدلك  دائمًا   تزدانُ

 أَرسى بِكَ الرَّحمنُ  نُورَ هدايةٍ
 تَسمُو   بهِ  الأَرواحُ  والأَبدانُ

 يا مَن حوى الخُلقَ العظيمِ كرامةً
 والصدقُ  في  أتباعه  عنوانُ

 صلَّى عليكَ اللهُ يا خيرَ الورى
 ما لاحَ فَجرٌ  وانثنت  أَغصانُ

 بقلمي محمد العبدلي.

لست يوسف
مذ أن خط القلم شعرا في الكتب
عنون في الصدر طلل الحبيب
هي الحياة على العهد تدأب
كؤوس من قرب الأنس شراب
و ليل شارد معلق بأنياب الذآب
و أنا كغيري لي في الأطلال ندوب
إن نسيت أصلي ذكرتني الدروب
و للحبيبة في الروح عتاب
كعتاب يوسف حين أغرقه القريب 
فهل من حبل ينتشل بقايا لب
ليسير على خطى من سكن الجب
فتأكل السِّمانُ العجاف ليغدو الأتي حلوبا
هي الدسائس كسهام الحرب
تعلوا كصقور تنشر الخراب
إن أصابت حصدت قلوبا
و أسقطت عن عرش الخلق بابا
و إلم تنل أعادت الرمي صيبا

ألفت موج السقم من كل حذب
حتى ألبسني التلاطمُ ثوب الطبيب
تلك يد الله في خلقه فلا عجب
أن بعض الألم ارتقاء في صدر الغيب 
كل الدنيا راحلة الى الزوال فهي سراب
نُرَسُّ خلف البريق بعد أن بنبنا له محرابا
ثم ينعينا و فينا يرثل الخطاب
عش ما شئت على الأرض أيها الغريب 
فلك يوم تسكن فيه التراب. 

لست يوسف و لم أسكن يوما جبا
و لم أزرع سنابل لأحصد الحَب
إنما محض قلم تعب فكتب
فكان اللسان و اللب
و دمعَا سقى ثراكِ يوم أن أعلنتِ الغياب
و ها هو العود أراه مال ليسكن التراب
فأفتحي ذراعيك لأني على عجل سأدق الباب

لحسن بومزوغ
                                                                      
الدار البيضاء
المغرب

**حبيبتي ألا تسمعي** 🖋 الشاعر عيفار الجمل

**حبيبتي ألا تسمعي**  

حبيبتي ألا تسمعي  
هيا برفقٍ تعجلي  
أنا في مرسم الأشواق  
تقتلني خيفتي  

أخط صوراً هي في محياكِ الأبجدي  
فيها نسيمٌ يهفو  
يداعب أشجار غربتي  
وبحراً وسفناً تحمل عطركِ حبيبتي  

أنا في خطي الأحبة  
غريقٌ لِلهفتي  
دعي نشيد الهجر  
إني شهيد لوعتي  

تحسسي في الوصل شيئاً ينفعني  
لا تنظري غروباً بل شروق موعدي  
أنا في بحر عينيكِ  
غريقٌ مقيد اليدي  

أشتهي أهداباً ترمي رماحها  
تتمنعي  
حبيبتي لا تمنعي  
شفاهكِ شهداً يرتجي  
فيه المنى  
فيه شفاء كما قالت أطبتي  

وأنا هنا أمامها  
تخط ريشتي لوحتي  
هل خيوط الوصل مشتهاة حضرتي؟  
هل تناست كيف كنا نغماً للسهدِ؟  

هنا ضفائرها نسيجٌ لأفكار غدي  
هي عطر ألواني وهمس غنوتي  
كل النساء حبيبتي هن ألوان معطفي  
أما عيونكِ أنتِ هي شمس رسمتي  

حبيبتي لا إلى الوصل أمد يدي  
بل ريشتي تخط في وصلكِ لوحتي  
ابدئي بخيط الحب شوقاً  
وأراكِ تتنهدي  

عليّ عجلاً نحو غروبكِ  
تراقصي دمعتي  
رويداً رويداً لا تغربي  
تمهلي  

حبيبتي أنا شهيد ريشتي  
فلا تتعجلي  
**عيفار الجمل**

بقلم الشاعر فرحات نزيه

يتبع للجزء الأول

  وعيُ ديناميةِ الأنا الفنية في إنتاج الإبداع الشعري الجديد 

    بحث في سيكولوجية الشاعر، والنسيان، وسيميائيات   
               المحيط، والتحول والتجريب الشعري 

بقلم: فرحات نزيه
شاعر الحب والسلام الروحي 

الجزء الثاني: 

حين تقول الأنا الخفية: «اكتب»
الكتابة العفوية بين المحيط الخفي وانبثاق القصيدة

تمهيد 

إذا كان الجزء الأول من هذا البحث قد انطلق من سؤال الأنا الفنية المتحولة، ومن صراعها بين الذاكرة والنسيان، والاستنساخ الذاتي والتجريب، فإن هذا الجزء ينتقل إلى منطقة أكثر خفاءً: 

ماذا يحدث قبل أن يعرف الشاعر ماذا يريد أن يكتب؟ 

فالشاعر قد يجلس إلى الورقة دون مشروع واضح، ودون موضوع محدد، ودون خطة، ثم تخرج كلمة، تتبعها أخرى، ثم صورة، ثم بيت، فإذا بالقصيدة قد بدأت تتشكل.
وفي أحيان أخرى تأتي القصيدة دفعة واحدة، أو يأتي بيت بعينه فيكون مركز ثقلها، ثم تتكاثر حوله الأبيات وكأنها تبحث عن مكانها الطبيعي. 

وهنا لا يعود السؤال: 

من كتب القصيدة؟ 

بل يصبح: 

من الذي قال للشاعر: اكتب؟ 

هل هي الأنا الواعية؟ 

أم الأنا العفوية؟ 

أم أن هناك طبقة أعمق من الذات تعمل في صمت، تجمع ما التقطته العين ولم يعقله العقل، وما أحسه القلب ولم تستطع الذاكرة تسميته، وما مر في الحلم ثم اختفى عند اليقظة؟ 

من هنا نقترح مفهومًا إجرائيًا هو: 

الأنا الخفية 

وهي ليست ذاتًا منفصلة عن الشاعر، ولا كيانًا غيبيًا ندعي إثبات وجوده، وإنما تسمية نقدية لذلك الجانب غير الواعي أو غير المصرح به من التجربة، الذي قد يسبق القرار الواعي بالكتابة ويؤثر في تشكل النص. 

أولًا: الكتابة العفوية... هل هي غياب للأنا؟ 

حين يقول الشاعر: 

«كتبتها عفويًا، ولم أفكر في شيء.» 

فإنه يصف تجربته كما عاشها.
ولا ينبغي للنقد أن يناقضه. 

فالشاعر بالفعل قد لا يكون فكر في الوزن، أو السيميائيات، أو علم النفس، أو نظريات الشعر.
لكن عدم التفكير الواعي في هذه الأشياء لا يعني أن النص جاء من فراغ.
فالشاعر يحمل في داخله سنوات من القراءة، ومئات الصور، والأصوات، والتجارب، والأمكنة، والأحزان، والأفراح، والألفاظ.
كل ذلك يمكن أن يعمل في لحظة الكتابة دون أن تستدعيه الذاكرة استدعاءً مباشرًا. 

ومن هنا: 

العفوية لا تعني غياب الأنا، بل قد تعني تراجع الأنا الواعية عن مراقبة الأنا العميقة. 

وهذا فرق أساسي. 

فحين تتحرر الكتابة من الرقابة الشديدة، قد تظهر عناصر لم يكن الشاعر قد قرر استخدامها. 

ثانيًا: الأنا العفوية والأنا الواعية 

يمكن التمييز إجرائيًا بين مستويين: 

الأنا الواعية 

تخطط، وتختار، وتراجع، وتحذف، وتزن، وتقارن، وتسأل عن الصواب والخطأ. 

الأنا العفوية 

تلتقط، وتندفع، وتربط بين أشياء متباعدة، وتستجيب للإحساس قبل أن تحوله إلى فكرة مكتملة. 

لكننا لا نضعهما في حالة صراع دائم.
فالإبداع قد يكون نتيجة تعاونهما. 

الأولى تفتح الباب.
والثانية تدخل. 

ثم تعود الأولى بعد ذلك لتنظر فيما حدث. 

ومن هنا: 

قد تبدأ القصيدة بالعفوية، لكنها لا تنتهي بالضرورة عندها. 

ثالثًا: «اكتب» بوصفها لحظة الانبثاق 

هناك لحظة غامضة في التجربة الإبداعية لا يعرف الشاعر دائمًا مصدرها.
فقد يكون جالسًا، أو يمشي، أو اثناء سفره، أو يستمع إلى صوت، أو يرى منظرًا، أو يستيقظ من حلم، وفجأة يشعر: 

اكتب. 

ليست بالضرورة كلمة مسموعة. 

قد تكون اندفاعًا داخليًا.
وقد تكون صورة.
وقد تكون شطرًا.
وقد تكون كلمة واحدة. 

لكنها تفتح الباب. 

وهنا يمكن أن نقترح: 

«اكتب»هي اللحظة التي تنتقل فيها التجربة من حالة الكمون (بضم الكاف )إلى حالة التشكّل. 

الشاعر لا يعرف دائمًا من أين جاءت البداية، لكنه يعرف أنها جاءت. 

رابعًا: هل «اكتب» هي الأنا الخفية؟ 

يمكن أن نطرح الفرضية دون أن نحولها إلى حقيقة قطعية: 

ربما تكون «اكتب» إحدى العلامات التي تظهر عند انتقال الأنا الخفية إلى سطح الوعي. 

فالذي كان متناثرًا في الداخل يصبح فجأة قابلًا للقول.
وقد لا يعرف الشاعر لماذا اختار هذه الصورة أو ذلك الرمز.
وهنا تكون القصيدة قد بدأت قبل أن تبدأ الكتابة نفسها. 

بدأت في: 

الذاكرة، والمحيط، والحلم، والانفعال، والتجربة.
ثم ظهرت على الورق. 

خامسًا: المحيط الخفي 

لا يقتصر محيط الشاعر على ما يراه بعينيه. 

فهناك محيط ظاهر:
الشارع، البيت، المدينة، البحر، الجبل، الناس، الأحداث. اليومية واللحظية 

وهناك محيط خفي:
ما تركته هذه الأشياء في النفس دون أن تنتبه إليه الذات لحظتها. 

قد ترى العين شجرة.
ولا يحدث شيء في الوعي. 

ثم بعد سنوات تظهر الشجرة في قصيدة.
وقد يسمع الشاعر صوتًا عابرًا ولا يتوقف عنده، ثم يجد إيقاع ذلك الصوت وقد تحول إلى موسيقى شعرية.
وقد يعيش موقفًا عاديًا، لكنه يترك أثرًا لا يظهر إلا بعد زمن. 

ولهذا: 

ليس كل ما يدخل الذات يمر أولًا عبر الوعي. 

سادسًا: العين التي ترى ولا تعقل 

يمكن أن نتصور طبقة من الإدراك تعمل قبل التفسير.
العين ترى.
لكن العقل قد لا يمنح ما رأته معنى في اللحظة نفسها.
ومع ذلك لا يعني هذا أن الصورة اختفت.
قد تبقى في الذاكرة البعيدة، أو في الخيال، أو في الإحساس.
ثم تأتي لحظة شعرية فتعود.
وهنا تصبح القصيدة أشبه بعملية استرجاع لما لم نعرف أننا احتفظنا به. 

سابعًا: القلب الذي يحس ولا يسمي 

وكما أن العين قد ترى دون أن يعقل العقل، فإن القلب قد يحس دون أن يجد الاسم المناسب لإحساسه.
قد يشعر الشاعر بالحنين دون أن يعرف إلى ماذا.
وقد يشعر بالاختناق دون أن يعرف سببه.
وقد يشعر بالفرح أمام منظر بسيط.
وقد يمر به حزن لا يستطيع تفسيره.
ثم تأتي القصيدة فتمنح الإحساس اسمه. 

ومن هنا: 

أحيانًا لا تكتب القصيدة ما نعرفه، وإنما تكشف لنا ما كنا نشعر به دون أن نعرفه. 

ثامنًا: الحلم بوصفه محيطًا خفيًا 

الحلم منطقة شديدة الخصوبة للبحث في الكتابة العفوية. 

قد يرى الشاعر في حلمه مكانًا، أو شخصًا، أو رمزًا، أو يسمع عبارة، وربما يعيش مقطعًا شعريًا كاملًا، ثم يستيقظ فلا يستطيع استعادته.
وقد لا يبقى إلا إحساس غامض.
لكن ذلك الإحساس قد يظهر لاحقًا في قصيدة. 

وهنا لا نحتاج إلى القول إن الحلم «مصدر غيبي» للنص، وإنما يمكن النظر إليه بوصفه فضاءً تتفاعل فيه الذاكرة والصورة والانفعال والخيال بعيدًا عن التنظيم الواعي المعتاد. 

ولهذا: 

قد ينسى الشاعر كلمات حلمه، لكن يبقى الحلم في القصيدة. 

تاسعًا: الأنا غير الواعية 

من هنا نقترح التمييز بين: 

الأنا الواعية 

والأنا الخفية أو غير الواعية. 

الأولى تعرف أنها تكتب. 

أما الثانية فقد تعمل قبل أن تعرف الأولى ماذا تريد. 

الأولى تقول: 

سأكتب عن الوطن. 

والثانية قد تأتي بصورة نخلة. 

الأولى تقول: 

سأكتب عن الحب. 

والثانية قد تستدعي نافذة قديمة. 

الأولى تريد قصيدة دينية. 

والثانية قد تأتيها بصورة نور أو طريق أو ماء. 

وهنا لا تكون الصورة مجرد اختيار منطقي، وإنما نتيجة تفاعل طويل بين التجربة والذاكرة والمحيط والخيال. 

عاشرًا: الأنا الآمرة بالكتابة 

يمكننا الآن الوصول إلى مفهوم أكثر تحديدًا: 

الأنا الآمرة بالكتابة 

وهي ليست «أنا» مستقلة، وإنما اسم نقدي للحظة التي تتحول فيها الطاقة الداخلية إلى دافع ملحّ للكتابة. 

إنها لا تقول للشاعر دائمًا: 

اكتب عن كذا. 

بل قد تقول فقط: 

اكتب. 

ثم يبدأ الشاعر، ويكتشف أثناء الكتابة ما الذي يريد أن يقوله.
وهنا تصبح الكتابة نفسها عملية اكتشاف. 

الحادي عشر: الشاعر لا يختار القصيدة دائمًا 

قد يقرر الشاعر كتابة قصيدة وطنية، فتأخذه اللغة إلى الحب.
وقد يبدأ قصيدة عاطفية، فتتحول إلى تأمل روحي.
وقد يريد مدح شخص، فتتحول القصيدة إلى حديث عن الحياة.
وهذا التحول لا يعني فشل الشاعر في الالتزام بموضوعه. 

بل قد يعني أن الأنا الخفية أعادت توجيه التجربة. 

فالنص قد يعرف طريقه أثناء الكتابة أكثر مما يعرفه الشاعر قبلها. 

ومن هنا: 

قد يبدأ الشاعر القصيدة بفكرة، ثم تنتهي القصيدة بفكرة لم تكن في ذهنه. 

الثاني عشر: القصيدة العاشقة والروحية والوطنية 

الأنا الخفية ليست محصورة في موضوع واحد. 

فقد تستدعي: 

القصيدة العاشقة.
القصيدة الروحية.
القصيدة الوطنية.
القصيدة الدينية.
قصيدة الطبيعة.
قصيدة الموت.
قصيدة الحياة.
القصيدة السياسية.
قصيدة المديح. 

وهنا تصبح الأنا الخفية أشبه بمجرى تتعدد فيه الروافد. 

لكن الروافد ليست منفصلة تمامًا؛ فقد تتحول قصيدة الحب إلى روحانية، والوطن إلى صوفية، والطبيعة إلى تأمل، والموت إلى سؤال عن الحياة.
فالتصنيفات التي نضعها نحن قد تكون أقل صرامة مما توحي به عملية الإبداع نفسها. 

الثالث عشر: حروف متناثرة في الزمان والمكان 

وهنا نصل إلى العبارة التي يمكن أن تصبح إحدى ركائز هذا البحث: 

تستدعي الأنا الخفية الشاعر ليلتقط حروفها المتناثرة في المحيط الزمني والمكاني، وفي الواقع المرئي والخفي، روحًا ومادة. 

فالحرف قد يكون في مشهد.
وقد يكون في ذكرى.
وقد يكون في حلم.
وقد يكون في صوت.
وقد يكون في صمت.
وقد يكون في إحساس. 

والشاعر هو الذي يلتقط هذه الشظايا ويمنحها ترتيبًا لغويًا. 

ولهذا يمكن القول: 

الشاعر لا يخترع كل حروف قصيدته من لحظة الكتابة؛ بعض حروفها كان مبعثرًا في حياته قبل أن يعرف أنه سيحتاج إليه. 

الرابع عشر: من الحرف إلى القصيدة 

يمكن تصور العملية هكذا: 

محيط
إدراك
أثر خفي
كمون ( بضم الكاف )
انفعال 

«اكتب» 

التقاط الحرف
الصورة
البيت
القصيدة 

وهذا يعني أن القصيدة قد تكون نهاية عملية طويلة بدأت قبل الكتابة بزمن. 

الخامس عشر: لماذا تأتي أفضل الأبيات طوعًا؟ 

يقول بعض الشعراء إن أفضل أبياتهم تأتيهم دون تخطيط. 

وهذه ملاحظة تستحق التأمل. 

فالبيت الذي يأتي فجأة قد يكون ثمرة تراكم طويل لم يكن الشاعر واعيًا به كله. 

تراكم 
اللغة.
والقراءة.
والتجربة.
والذاكرة.
والإيقاع.
والإحساس. 

ثم يحدث الاندماج. 

فتظهر النتيجة وكأنها لحظة مفاجئة.
ولهذا لا تكون المفاجأة بالضرورة دليلًا على أن البيت جاء من لا شيء.
بل قد تكون دليلًا على أن عملية طويلة وصلت فجأة إلى عتبة الوعي. 

السادس عشر: هل العفوية ضد القانون الشعري؟ 

ليس بالضرورة.
فالشاعر قد يكتب عفويًا، ومع ذلك تأتي القصيدة موزونة أو ذات إيقاع داخلي.
وقد لا يكون يفكر لحظة الكتابة في القانون، لكنه استبطنه من كثرة الممارسة. 

وهنا تظهر أهمية الفرق بين: 

القانون الذي يفكر فيه الشاعر 

و: 

القانون الذي يسكن في ذائقته. 

فالموسيقي المحترف قد لا يحسب كل نغمة حسابًا رياضيًا أثناء العزف.
والشاعر المتمرس قد لا يستحضر القاعدة العروضية في كل لحظة.
لكنها تعمل في أذنه. 

ومن هنا: 

قد تتحرر الأنا من التفكير في القانون دون أن تتحرر اللغة من أثره. 

السابع عشر: العفوية ليست فوضى 

الكتابة العفوية لا تعني بالضرورة الكتابة العشوائية.
فقد تكون هناك بنية عميقة لا يراها الشاعر لحظة الكتابة.
وهنا يأتي دور المراجعة. 

فالقصيدة قد تولد عفوية، ثم تحتاج إلى وعي نقدي. 

وهكذا: 

العفوية تلد، والوعي يراجع، والتجربة تحكم، والقصيدة تستقر. 

وهذا لا يلغي عفويتها الأولى. 

الثامن عشر: من «اكتب» إلى «اقرأ ما كتبت» 

هناك لحظتان متقابلتان: 

لحظة: 

اكتب. 

وفيها تتقدم الأنا الخفية. 

ثم: 

لحظة: 

اقرأ ما كتبت. 

وفيها تعود الأنا الواعية.
وهنا يحدث لقاء بين ذاتين داخل التجربة: 

ذات كتبت دون أن تشرح نفسها، وذات تقرأ وتحاول أن تفهم. 

وقد يكتشف الشاعر عند القراءة أن القصيدة قالت أكثر مما كان يقصده.
وهذه واحدة من أكثر اللحظات إثارة في التجربة الشعرية. 

التاسع عشر: القصيدة بوصفها اكتشافًا للأنا 

إذا كانت القصيدة تكشف ما لم يعرفه الشاعر عن نفسه، فإن الكتابة تتحول إلى أداة معرفة. 

فيكتب الشاعر ليقول: 

أنا أشعر بهذا. 

ثم يكتشف بعد الكتابة: 

لم أكن أعرف أنني أشعر بهذا. 

وهنا: 

القصيدة لا تعبر عن الأنا فقط، بل تكشف الأنا لها. 
وهذا امتداد مباشر لفكرة البحث الأول حول تحول الذات. 

العشرون: نحو نظرية «اكتب» 

لا نزعم هنا أننا أمام نظرية مكتملة بالمعنى العلمي النهائي، وإنما نقترح مفهومًا نقديًا قابلًا للبحث والمناقشة: 

نظرية «اكتب» 

ومفادها الأولي أن بعض التجارب الشعرية تبدأ بدافع كتابي يسبق التحديد الواعي للموضوع، وأن هذا الدافع قد يكون نتيجة تراكمات نفسية وذاكرية وسيميائية ومكانية وزمنية، تظهر في لحظة الكتابة على هيئة أمر داخلي: 

اكتب. 

وبعد الكتابة تبدأ الذات الواعية في اكتشاف ما انبثق من هذه العملية. 
إنها إذن ليست نظرية في «مصدر غيبي» للقصيدة، وإنما محاولة لفهم اللحظة السابقة على القرار الواعي بالكتابة. 

الحادي والعشرون: من «أنا الشاعر» إلى «أنا القصيدة» 

في البحث الأول قلنا إن الشاعر قد يتحرر من أناه القديمة ليصبح داخل أنا قصيدة جديدة. 

وفي هذا البحث نذهب خطوة أبعد. 

فربما تأتي لحظة لا يقول فيها الشاعر: 

أنا الذي أكتب القصيدة. 

بل: 

أنا الذي أفسح المجال للقصيدة كي تكتب نفسها من خلالي. 

وهذا لا يعني إلغاء الشاعر.
بل يعني أن الشاعر يتحول من مسيطر كامل على النص إلى شريك في ولادته. 

الثاني والعشرون: الأنا الخفية ليست عدوًا للعقل 

ينبغي التنبيه إلى أن الحديث عن الأنا الخفية لا يعني إلغاء العقل. 

فالعقل يعود بعد ذلك: 

يقرأ.
ويحذف.
ويضيف.
ويزن.
ويصحح. 

ويعيد بناء العلاقات بين الصور. 

ومن هنا فإن العملية الإبداعية يمكن أن تكون حركة بين: 

الانبثاق والتنظيم. 

بين: 

العفوية والوعي. 

بين: 

الخفاء والظهور. 

الثالث والعشرون: من المحيط الخفي إلى النص الظاهر 

المحيط الخفي لا يدخل القصيدة كما هو. 

إنه يمر عبر الأنا. 

وهنا تصبح العملية: 

الواقع → الأثر → الذات → العلامة → اللغة → القصيدة. 

فالشاعر لا ينقل العالم.
إنه يؤول العالم. 

ولهذا فإن القصيدة ليست صورة للواقع، وإنما صورة للواقع بعد أن مر في الذات. 

الرابع والعشرون: الخلاصة 

إذا كان البحث الأول قد انتهى إلى أن: 

الإبداع الجديد يحتاج إلى أنا قادرة على تجاوز صورتها السابقة، 

فإن هذا الجزء يقترح أن التجاوز قد يبدأ قبل أن تعرف الأنا الواعية أنها تريد التجاوز. 

قد يبدأ 

من كلمة.
من حلم.
من إحساس.
من صورة عابرة.
من مكان.
من ذكرى.
من صمت. 

ثم تأتي تلك الإشارة الغامضة: 

اكتب. 

فتستدعي الأنا الخفية الشاعر ليلتقط حروفها المتناثرة في المحيط الزمني والمكاني، وفي الواقع المرئي والخفي، روحًا ومادة. 

ومن هنا قد لا يكون الشاعر دائمًا صانع القصيدة من بدايتها، وإنما قد يكون ملتقطًا لإشارات كانت تبحث عن لغتها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه في هذا البحث: 

الشاعر لا يكتب دائمًا ما يعرفه؛ أحيانًا يكتب لكي يعرف ما كان يختبئ فيه. 

و: 

قد لا تكون «اكتب» أمرًا يصدر من الشاعر إلى القصيدة، بل قد تكون نداءً يصدر من القصيدة الكامنة إلى الشاعر. 

وبين النداء والاستجابة تولد القصيدة.
ثم تعود الأنا الواعية، فتقرأ ما كتبته الأنا الخفية، وتكتشف أن في داخلها شاعرًا كان يكتب قبل أن تقول لنفسها: 

أنا شاعر. 

وهنا تنفتح أمامنا المسألة الأكثر إثارة: 

ربما لا يكون السؤال: من يكتب القصيدة؟
وإنما: أيُّ جزء من الذات كان ينتظر أن يُسمح له بالكتابة؟ 

فرحات نزيه
شاعر الحب والسلام الروحي

بِمَشْنَقَةِ أَوْرَاقِي ✮✮✮ بقلم الشاعر: عبد الغني علي سعيد السامعي

بِمَشْنَقَةِ أَوْرَاقِي
/////
قُلْ لِي، يَا سَرَابُ،
كَيْفَ أَسِيرُ فِي دَرْبِ الاِنْتِظَارْ؟
وَكَيْفَ لِي أَنْ أَمْحُوَ طَيْفَكِ
مِنْ خَرَائِطِ الأَحْلامْ؟
وَكَيْفَ أَجْلُو مَلامِحَكِ
مِنْ صَدَى الإِنْشَادْ؟
مَا زَالَتْ بَرَاءَتِي مُعَلَّقَةً
بِمَشْنَقَةِ أَوْرَاقِي،
وَمَا زَالَ ظِلُّكِ
يُزَاحِمُ فِكْرِي،
كَالنَّدَى فِي جُرْحِ الزَّنَادْ.
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ
عَنْ مَتَاهَاتِكِ،
لَعَلِّي أُتْقِنُ فَلْسَفَةَ الغِيَابْ،
وَمَا زِلْتُ أَتْلُو طُقُوسَ الهَذَيَانْ،
وَأَخْتَزِلُ المَسَافَاتِ
نَحْوَ آخِرِ الأَبْوَابْ.
لَعَلِّي أَسْتَطِيعُ مَحْوَ الحَنِينِ
المَنْقُوشِ فِي جِدَارِ القَلْبْ،
وَأَتْرُكُ غَيْمَاتِي
تُحَاكِي حُلْماً فَقَدَ الحَقِيقَةْ،
لِتُوقِظَ مَرَاسِيَ الشَّوْقِ
فِي زِحَامِ اللَّهْفَةْ،
وَتَسْتَنْشِقَ الهَوَى
مِنْ قِرْطَاسِ الذَّاكِرَةْ،
فِي مَحَاوَلَةِ الفِرَارْ
إِلَى مِحْرَابِ النِّسْيَانْ.
لَعَلِّي أَنْسَى جَفَاءَكِ،
وَجُحُودَكِ،
وَأَلَمَكِ المُقِيمَا،
فَأَسْهَرُ لَيْلِي
بَيْنَ الغُرْبَةِ وَالوَقْتِ اليَتِيمَا.
جَاءَنِي الرَّدُّ
حِينَ لَامَسَتْ يَدِي
ظَلَامَ جَفَائِكِ؛
لَيْتَنِي أَدْرَكْتُ بَاكِراً
أَنَّكِ كَالطَّقْسِ فِي تَلَوُّنِهِ:
بَيْنَ غَيْمٍ وَهَطْلٍ،
وَبَيْنَ شَمْسٍ وَعَاصِفَةْ..
هَكَذَا حُبُّكِ يَا قَصِيدَتِي العَاصِفَةْ!
وَهَا أَنَا أَجْمَعُ أَسْبَابَكِ،
وَأَمْنَحُكِ أَلْفَ عُذْرٍ،
أَلْتَقِطُ آثَارَكِ الصَّغِيرَةْ:
ذِكْرَيَاتِكِ،
وَضَحِكَاتِكِ،
لَعَلَّهَا تُعِيدُ رَمَقَ الوَصْلِ بَيْنَنَا،
أَوْ تَزِيدُنَا تَعْذِيباً وَغَرَامَا.
بَاتَتْ أَحْلَامِي تُحَلِّقُ
فِي سَمَاءِكِ،
تَسْتَرِقُ السَّمْعَ عَنْ أَحْوَالِكِ:
كَيْفَ تَعِيشِينَ؟
وَكَيْفَ يَمُرُّ يَوْمُكِ دُونِي؟
ثُمَّ أَيْقَنْتُ
أَنَّكِ كَالأَمْسِ.. لَنْ تَعُودِي.
أَمَّا أَنَا،
فَمَا زِلْتُ أَقِفُ
عَلَى حَافَّةِ الطَّرِيقِ،
أَتَخَيَّلُ طَيْفَكِ
يُؤْمِئُ لِي مِنْ بَعِيدٍ،
لِتُشْرِقَ شَمْسِي مِنْ جَدِيدٍ،
وَأَطْوِي صَفَحَاتِ العَدَمِ
بِرَدِّ الوِصَالْ،
كَمَا يُطْوَى الجُرْحُ
بِآخِرِ الاِنْهِمَالْ.
بقلم الشاعر: عبد الغني علي سعيد السامعي (أبو عاصف المياس)
التاريخ: 23 أغسطس 2026م

مولد خير الأنام ✮✮✮ بقلم ✍️ محمد أنور سرحان

مولد خير الأنام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تَهِلْ علينا هذه الأيام 

ذِكرى مَولد خير الأنام

سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام 

سلاماً عليكَ يا رسول الله 

يا رحمةً مُهداة ونِعمَةً مُسداة للأنام

أَنْزَلَ الله عليكَ الوحي

وأنتَ تَتَعبد في الغار

لتكون هادياً وبشيراً ونذيرا

ونوراً وسراجاً منيراً يضئ دياجير الظلام 

أنذرت الكفار من ويلات عبادة الأصنام 

وَدَعوتهم لعبادة الله الواحد الغفار

لتكون الجنة لهم دار مقام

والنجاة من عذاب النار

حَمَلتَ رسالتكَ بكلِ أمانة 

وَتَحَمَلْتْ الظُلم والأِهانة من الكفار 

حتى أصبح للإسلام مكانةَ

في قلوبِ البشرِ عَبرَ كُلِ العهود والأسفار 

أتممت رسالتكَ على أُمتك بكل اقتدار

وها نحن نَسير على هديك ونهجك 
وَنَتَبِعْ سُنَتَك لِنَنول شفاعتك 

وتَكُون الجنة لنا سكناً ودار 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مولد خير الأنام 

بقلم ✍️ محمد أنور سرحان

*شجن جميل أَضْنَانِي...!✮✮✮ 🖋 سمير بن التبريزي الحفصاوي

*شجن جميل أَضْنَانِي...!
جَمَالٌ فِي لَوْنِ الشَّفَقِ الدَّاكِنِ
بِالغَيْمِ القَانِي... أَضْنَانِي...
هَمْسٌ وَأَنِين...
لحن من عمق الزمن أشجاني 
من ذكرى دروب لقراي
وصدى صوت من أمس
بات يُدَاعِبُ عَذْبَ أَلْحَانِي
يصنع حنيني وأَشْوَاقِي...
كسماء موحشة بالغيم
كغَمامة  تَتَلَاشَى نِصْفَيْنِ...
تَمْتَدُّ عَلَى هَذَا الرَّحْبِ...
تَنْشُرُ فَيْضَ أَحْزَانِي...
وَفِي الأُفُقِ وَجْدٌ وَحَنِينٌ..
بِعُمْرِ دَهْرٍ وَسِنِين...
وَفِي لَوْنِ السَّمَاءِ وَمْضٌ
وَشِهَابٌ يَشُقُّ عُبَابَ العَتَم
طَيْفٌ لَهَّابٌ تَسْرِقُهُ عَيْنِي
كَالسَّهْمِ يَمُرُّ بَيْنَ نَجْمَيْنِ...
وَالبَدْرُ الحَالِمُ بِالنُّورِ...
يُسَافِرُ فِي مَجْرَى النَّهْرِ
نُجُومًا فِي مَوْجِ المَاءِ...
لَمْعًا عَلَى مَدَى الجَرَيَانِ
وَفِي مُقَلِي يَبُثُّ النُّورَ
نَشْوَةً فِي عَيْنٍ حَالِمَةٍ...
رَوْضٌ يَحْضُنُ بُسْتَان
وَالصِّبَا شَوْقٌ وَهُبُوب
عَبَقٌ وَرِيَاحٌ  وَجَنُوب
وَنَسِيمُ الغَرْبِ إِذَا يَسْرِي
يُنْعِشُنِي... وَيُنْشِينِي...!
وَأَصِيلُ الشَّمْسِ أَحْمَرُه
داكن ...قَان...
غُرُوبٌ يَرْنُو لِغُرُوبٍ...!
وَنَسِيمٌ عذب يُدَاعِبُ ذاكرتي
غصن يميس مع زَهْرَ الرُّمَّانِ
جُلَّنَارٌ... وَوَاحَةٌ فَيْحَاءُ...
وَسواد نَخْلٌ قَطْفُهُ دَانٍ...
سحر وَلَيْلَةٌ مُقْمِرَةٌ وَحَالِمَةٌ
نَبْضٌ وَقُلُوب ودروب...!
صُورَةٌ فِي العَيْنِ تَرْتَسِمُ
يُمْسِي البَدْرُ أعلاها وأسفلها...
مِنْ سِحْرِهَا الخلاب بَدْرَانِ...!
يَا هَذَا اللَّيْلُ إِذَا جَنَّ..
يَا سَكَنِي فِي بَاحِ الشَّوْق
يَا بَيْتَ حُزْنِي وَأَشْجَانِي
خُذْنِي لِأُمْسِيَ مُشْتَاقًا
وَامْلَأْنِي...
أُنْسًا... نُورًا... وَأَمَانِي...
يَا أَنْتَ...!
يَا لَحْنَ عتيق أُغْنِيَةٍ ومداد
وَأُمْسِيَةٍ مِنْ أَمْسِي الهارب مني
مِنْ صَيْفٍ مَنْسِيٍّ وَقَصِيٍ...
مواسم جَني وَحَصَاد...
أَشْوَاق تَعْزِفُ أَلْحَانِي
سَمَرٌ  يا أنت وَسُهَاد...
جَمَالٌ فِي لَوْنِ الشَّفَقِ الدَّاكِنِ
وَغُرُوبٌ قَدْ أَمْسَى حَزِينًا
بِالشَّوْقِ أَشْجَانِي وَأَعْيَانِي
يَا لَوْنَ عُشْبٍ قَدْ نَبَتَ
فِي طَلَلٍ مَهْجُورٍ وَثُغُورٍ...
أَزْهَرَتْ بِالصَّمْتِ والحلم...
عَلَى سُورِ وجدر الرُّومَانِ
شرفات وسواقي ومصيف 
وخريف لرصيف مهجور...
وَصَدَى صَوْتٍ مِنْ مَاضٍ وَلَّى
أُغْنِيَةٌ مَنْسِيَّةٌ...وأمسية...
وَصَهِيلٌ... وَخُوَارٌ... وَصِيَاحٌ
وَنَعِيقٌ حمار لِأَتَانٍ...
وَثُغَاءٌ وَنُبَاحُ قد صَمْت
فِي دُرُوبٍ لِقُرَى الأَمْسِ
وَقَطِيعٌ يَعُودُ مِنْ عُشْبٍ
يَجْتَرُّ سَعِيدًا وَشَبْعَان...
وَصَبِيٌّ فِي نوادي قَرْيَتِنَا
لَهْوٌ وَشَقَاوَةُ صِبْيَان...
جَمَالٌ فِي لَوْنِ الشَّفَقِ الدَّاكِن
يُؤْنِسُنِي بِالطِّيبِ وَالشَّوْقِ...
لِرَبِيعِ طُفُولَةٍ وَلَّتْ ومضت...
وَتَوَارَتْ فِي موحش الغَيْمِ...
مَلَامِحُ صُورَةٍ وَأَطْيَافٌ
نَحْلٌ وَفَرَاشٌ وَطَنِينٌ
ذَاتَ رَبِيعٍ قَرَوْيٍّ...
نهر وضفاف
رَوْضٌ وَغَدِيرٌ وَجِنَان...
وَهَدِيلُ يَمَامٍ...
وَحَمَامَةُ أَيْكٍ...
قَدْ طَارَتْ مَعَ نُورِسْتَان
وَحَلَّقَتَا بَعِيدًا فِي الغَيْمِ
عَلَى شِتَاءِ هَذَا الحَاضِرِ
المُوحِشِ بِالخَوْفِ وَالقَلَقِ...!
غَرِيبٌ سَفَرِي فِيهِ كَالْبَحْرِ 
وَمُرْهِقٌ سَفَر في الوَجْدَانِ...!
أُسَافِرُ مَعَ المَوْجِ الهَادِرِ وَالغَادِرِ
يُبَعْثِرُنِي... وَيَجْمَعُنِي...
عَوْدُ البَحَّارَةِ لِلْمَرْسَى...!
ذَاتَ شِتَاءٍ بَارِدِ الغَيْمِ...
وَرِيحٍ بَاكِي النَّوْرَسِ...
يَرْسُمُنِي فِي زَبَدِ المَوْجِ
ذِكْرَى تَتَلَاشَى مَعَ الزَّبَدِ...!
وَتَلْمَلِمُ بَقَايَا أشتات إِنْسَانٍ...!
رَحَلَتْ أُمِّي وَأَخَذَتْ طُفُولَتِي مِنِّي
وَأَخَذَتْ بَقَايَا رَيْعَانِي...!
رَحَلَتْ وَتَرَكَتْنِي أَتَجَرَّعُ مَرَارَةَ يُتْمِي
رَحَلَتْ وَنَسِيَتْ أَنْ تُعِدَّ فُطُورَ ذَاكِرَتِي...!
وَتُكْثِرَ مِنْ مَرَايَا الجِنِّ مِنْ حَوْلِي
لِتُؤْنِسَنِي إِذَا غَابَتْ...!
فَسَفَرُ اليُتْمِ طَوِيلٌ وَغَرِيبٌ يَا أُمِّي...!
أَنَا الحَافِي وَحِيدًا جدا وَبَرْدَان...!
مُتْعَبٌ فِي مَدَى سَفَرِي...
وَصَخْرُ الدَّرْبِ أَدْمَانِي...!
أُمَّاهُ .. هَذِهِ القِصَّةُ الشَّوْهَاءِ
تَأْكُلُ مِنْ عِظَامِ أُغْنِيَتِي...!
وَتُشْبِعُنِي صَمْتًا لِلَّيْلِ...
وَأُنْسِي أَوْغَلَ نِسْيَانِي...!
جِنٌّ سَيَسْجُنُنِي بِخَاتَمِ بَطْشِهِ
لَا الصُّبْحُ يُنْقِذُنِي...!
وَلَا نَايُ الحُزْنِ فِي ذَاكِرَتِي
عَزَفَ كَمَدًا أَلْحَانِي...!
يَا غُرْبَتِي فِي هَذَا الكَوْنِ..!
لَا شَيْءَ يُشْبِهُنِي سِوَاكِ يَا غُرْبَتِي
وَلَا فَجْرُ الحَاضِرِ بِنُورِهِ البَاهِتِ
وَشَّحَ زَهْوَ أَلْوَانِي...!
أَرَى فِي لَوْنِ الشَّفَقِ الدَّاكِنِ
بِالغَيْمِ القَانِي...
غَمامة تَتَلَاشَى نِصْفَيْنِ... تَمْتَدُّ...!
عَلَى هَذَا الرَّحْبِ...
تَنْتَشِرُ عَلَى وَحْشَةِ أَحْزَانِي...!

-سمير_بن_التبريزي_الحفصاوي🇹🇳
✍️✍️