«أكلَ ظلَّه»
طاهر عرابي
دريسدن – 09.08.2024 | نُقِّحت في 04.08.2026
⸻
جاعَ الذي لا يشبع،
فأكلَ ظلَّه، ومضى يتلمّسُ العتمة
حيث لا ظلَّ يتبعه… وينتقم.
ضحكت له أفعى عند مفترقِ الخديعة،
فأكلَ الوهمَ، صامتًا مقهورًا،
ومشى… مذلولًا بلا رفيق.
دخلَ كهفًا،
وتغذّى على سوادِ الظلال،
ولن يفرغَ أبدًا،
حاقدًا… حتى يتعلّمَ الشبع.
نهرته الأفعى بجمود:
“لو كنتُ مثلك،
لمشيتُ أمام الشمس،
لترى ظلًّا لا يفهمك.
ولكنّي أشكرُ قدري… أنني أفعى؛
فقد عرفتُ حدودي،
قبل أن أطلبَ من العالم
أن يعرفني.
كم يغيظني تغريدُ عصفور…
ويؤلمني أنه يسمعُ أجراسي،
فيفرُّ تاركًا حتى السماء!
يا ليتَ الأجراسَ خرساء،
ولي في الحياة…
متعةُ الأرض.
أختارُ لنفسي المرح،
وظلّي مدفونٌ تحتي—
وهذا سحرٌ لا يفهمه جسدٌ جشع.
اذهب،
فالكهفُ لن يفزعَ من جوفك.
لو رأيتَ ظلّي—
أنا الأفعى، يا حسرتي—
لسقيتُه من سحرِ الحياة،
وحملتُ قنديلي
لأصنعَ من ظلّي شاهدًا
على قناعةِ الأفاعي… بوعدِ الامتنان.”
امضِ ذليلًا،
وباركِ الجشع…
لتبقى حزينًا،
كمن رأى الضوء ولم يلمسه،
وأغمضَ عينيه ليبرّرَ الفجيعة،
ساقطًا — لا محالة — في عينيه…
يبحثُ عن الرؤية.
امضِ،
فلا اتجاهَ يحكيك،
ولكن إن حكمتَ نفسكَ بالأخلاق،
فأنتَ تقاومُ الفوضى في ذاتك؛
وحذرُك من طواغيتِ النفس
ليس انكماشًا،
بل وعيٌ بكيف تنتشر…
فانتشر،
لتأمنَ من السقوط
في ضجيجِ العابرين إلى السوء.
بكى الجشع،
وسحبَ ظلَّه من فمه،
فرسمه على الأرض،
وقبّله،
ولمسه بيديه،
كمن يستعيدُ وجهًا
فقده طويلًا.
قال للأفعى—
وهي تجلس فوق كعكةِ جسدها،
وتمدُّ رأسها عاليًا،
وتزهو بنفسها… من الفضيلة:
“سأتذكّرُ جميعَ الابتسامات،
وأستمعُ إلى الهمساتِ الأبديةِ في أعماقي،
وأعلّقُ صوري على أغصانِ الأشجار،
لنتبادلَ أشياءَ أكثر إثارةً من هذه العزلة…
بهذا الجشع،
كنتُ ضعيفًا،
أتأرجحُ بين الغضبِ والملل.
وأنا لستُ إلا رغبةَ البقاء في الرماد،
في الحصولِ على المزيد؛
برّرتُ لنفسي بالطموحِ أحاديِّ الوجه
أن أرتضيَ الفراغ،
وأموتَ ببطء…
أهونُ عليَّ
من تأنيبِ أفعى تراني في سقوط.
لن أرى وجهي في كفّي،
ولم أصقلْ حجرًا
لأرى تشتّتي
بين صراعٍ يلوي صفاءَ النفس.
أين وضعتُ القلمَ والمفكّرة؟
يجبُ أن أخجل،
إذا ظلّتْ خاليةً من الأفكار.
لعلّي أهربُ من حيرةِ كشفِ ذاتي،
فأنا أضعفُ من ظلٍّ…
ولو كان تحتَ الأفعى.
لديَّ ما يجعلني أرى في الجشع…
فكرةَ الهزيمة،
وفي الظلِّ امتدادًا للإدراك؛
فلا ظلَّ دون ضوء.
فأين تركتُ الضوء…
حينما التهمَ الجشعُ ظلَّه؟
كنتُ أظنُّ أنني لا أخسرُ ظلًّا…
بلى،
أريدهُ،
قبل أن يلتهمَه الجشع.”
حتى التحيّة:
“صباح الخير، يا أشجار!”
لم تُكتبْ في دفاتري؟
للقباحةِ وجهٌ
كادَ أن يُزيلني من الوجوه.
دعيني أكتب… أو أرسم.
لقد نسيتُ أن أقولَ لماذا خُلقنا.
ببطء… ببطء،
الحبُّ أولًا، للجميع،
والضعفُ الذي يحيطُ بنا
هو شعورٌ محفوظٌ…
للشياطينِ والفاسدين.
ماذا حدثَ لنا
بين الصباحِ والمساء؟
حتى إنَّ البعضَ منّا
قد أكلَ ظلَّه…
وطلاءَ وجهه،
فصارَ صنمًا حجريًا جامدًا.
والآن…
يحتلُّ مكانًا،
حيثُ كلُّ الأشياء ترحل،
وتُرتكبُ أفعالٌ لا تُغتفر،
ويُسجَّلُ غيابُ الحياة.
نحنُ سنكونُ مجرّدَ ضحية،
إذا اختفى الحبُّ وحدثتِ المآسي،
سنكونُ زمانًا منسيًّا
في مكانٍ منسيّ،
اسمه:
ساحةُ الكراهية.
رقصتِ الأفعى،
منتصرةً على الجشع:
“نغنّي… بهدوءٍ، بهدوء،
كغناءِ الصامتين،
ونقفزُ مثل عصافيرِ الحب.
هذا الصباحُ
يعلنُ الربيعَ عن نفسه،
ويهمسُ بأنَّ الحياة
مليئةٌ بزهورِ الجمال…
دون استثناءٍ لأحد.
صباحٌ يجبُ أن ينتصر!
كيف لا ينتصر؟
وفيه تلمعُ قطراتُ الندى النقيّة،
وتعلو الجبالُ المشرقة،
وتكملُ الينابيعُ عطاءها للزروع.
أليسَ من المؤلم
أن نحيا الحياةَ هكذا،
دون أن ننحنيَ للجمال؟”
ماتَ الجشع،
وعادَ الظلُّ يكلّلُ الجسد.
اذهبْ بعيدًا…
فلا خوفَ عليك
من العتمة…
ولا من الرَّمَد.
(ط. عرابي – دريسدن)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق