الجمعة، 4 يناير 2019

نسمات الجنوب / بقلم الأستاذة منية بن الإمام

نسمات الجنوب

تعدو السيارة و تطوي الطريق طيا و سائقها لا يلتفت لا يمنة و لا يسرة في هذه الصحراء القاحلة وحيدا في هذا الفضاء الرّحب و هذه السّماء الزرقاء و هذا اللاّشيء الذي لا يشبه في ذاته إلاّ نفسه.
تعدو السيّارة بركّابها تنافس سرعتها و تتمايل حسب المنعرجات و المنعطفات و الأنظار تتوه في الرّمال و المرتفعات التي تحاذي الطّريق على الجانبين. لا حياة في هذا الجنوب و لا أثر للإنســـان إلاّ في لائحـــات توعويّة "لا تسرع أبي نحن في انتظـــارك" و كأنّ كاتبها ليعلم حقّ العلم أنّ معتنقي هذه الطريق لا من حلّ لهم سوى السّرعة إلى المجهول ! أو معلّقات خاصّة بالمنطقة "انتبه مرور جمال" و الجمل هنا دابّة ضخمة تمشي بسرعة السلحفاة و تتبخطر في محيطها الطّبيعي و لا تهتمّ لهذه الآلات السّريعة التي تعكّر صفو حياتها في هذه الرّمال المنبسطة على مساحات شاسعة بالجنوب .
إنعرجت السيّارة فجأة و اتّخذت طريقا ملتوية و هي تصعد هذا الجبل و تصعد بلا انقطاع و قوّة خيولها لا تخذلها لتعانق الجبال و السّماء التي لم تكن أزرق منذ ذاك اليوم الشّتوي الصّاحي و الصّافي و الصّامت إلاّ من هدير المحرّك. و فجأة لاحت بوادر بناءات باهتة بلونها التّرابي الطّبيعي و غدت منسجمة أيّما انسجام مع لون الصّخور و الرّمال. أوقف السّائق السيّارة، ترجّل واضعا يديه خلف ظهره و بدأ رحلة الصّعود إلى قمّة الجبل و عيناه تخترق كلّ شبر من هذه الأرض الطيّبة. لسمير ذكريات بهذه الرّبوع و هو وفيّ لزيارتها كلّما أتيحت له الفرصة. فقد أحبّ الصّحراء و وقع في غرامهأا ذات ربيع من بضع سنوات خلت و ولّت. و منذ ذلك الوقت و هو يتوه بين شطآن مدينته ثمّ لا يلبث أن يقرّر السّفر وحيدا إلى هناك محاولا أن يجد نفسه التي تضيع منه في زحام الحضارة و نفاق الجمع الذي يحيط به. يأتي سمير إلى تمغزة و يصعد الدّرجات المؤدّية إلى ضريح وليّ صالح فوق أعلى الجبل ثمّ ينزل بحذر إلى الشلاّلات و يغسل بمياهها وجهه و يديه و يروي العطش الذي يظلّ يسكنه طيلة شهور. هنا في أقصى الجنوب الغربي للخضراء و بين هذه الجبال المتعانقة يحسّ الرّجل بتفاهة الإنسان أمام الطّبيعة الرّحبة بانعدام وجوده و بلاهة اعتقاد يقول أنّ الإنسان محور الكون. كلّما حاصرته المدينة يتيقّن سمير أنّ رحلته آن أوانها  أنّ عليه حزم أمتعته للمغادرة. ينظر إلى المياه المتدفّقة من أين؟ لا يعلم، من الأرض أم من الصّخور؟ و لكنّها تتدفّق بغزارة لا تنضبّ كامل أيّام السّنة، ينظر إليها و تتوه عيناه بحثا عن الحقيقة حتّى تدمع من التّركيز فيغلقهما و يكتفي بسماع خرير الجداول المنسابة برفق إلى الأسفل. يكمل نزوله بحذر و ينتظر بعض الأحيــــــــان بعض الزوّار حتّـــى يمرّوا لضيق الطّريــق المؤدّية إلى الأسفل. اكتمل قرص الشمس استدار و اتّخذ من قلب السّمــــاء بيتـــــا و صارت أشعّة منتصف النّهار قويّة و لاذعة فقرّر سمير الاحتماء بالسيّارة المكيّفة حتّى لا تعيقه ضربة شمس عن الانتشاء بروعة ما يرى و يحسّ به في هذا الخلاء المحبّذ إلى فؤاده.
رحلته هذه أتت تختلف عن أخريات سبقت في شيء واحد و هو أنّه لم يأت وحيدا هذه المرّة، اصطحبته صديقة له أو ربّما خيّل إليه أنّها قد تكون حبيبته، اقترح عليها الفكرة فرحّبت بها و لم تتردّد لحظة في مواقفها، بل أبدت فرحتها كطفلة بريئة أعطيت هبة العيد. جاء سمير و معه نسرين و معا نزلا إلى أسفل الخارطة في رحلة البحث عن المفقود لديهما، عن الضائع في حياتهما عن شيء يملأ ذاك الفراغ الفضيع و تلك الوحدة القاتلة. جمعهما الفقد فكان الهروب إلى شيء مختلف عمّا ألفاه أفضل حلّ ارتأياه على أمل لقاء، بسمة و التقاء، على أمل الشفاء من معاناة دامت طويلا لكليهما، على أمل أن يفوز سمير بقلبها و على رجاء أن تقبل نسرين بحبّه و تقنع عقلها الصّاحي على الدّوام بأنّ الرّجل من طينة طيّبة و  يستحقّ أن تعطيه فرصة حتّى يلين قلبها و ربّما يذوب أيضا تحت رقّة همساته.
نقرات خفيفة على الباب سمعتها نسرين فأصلحت من هندامها و قامت تفتح باب الغرفة بفندق أربعة نجوم كاملة لا تنقصها واحدة:
-سلام، ها قد عدت من ترحالي و رائحة الرمال و الشّمس و الصّخر تفوح من جسدي و ثيابي !
كان سمير قد عاد لتوّه من تمغزة و فضّل أن يرى نسرين بغرفتها قبل أن يتأهّب للسّهرة و ينفض عنه غبار الطّريق.
-كلّ الأمل أن تكون قد وقفت في خلوتك بصخورك الصمّاء !
-بلا نهكّم ! أعلم أنّك لست من عشّاق الصّحاري و لكن صدّقيني لو كنت وافقتني لكنت استمتعت بما رأيت و لكنت أسيرة هذه المنطقة.
ثمّ جلس قبالتها على السّرير الذي يتوسّط الغرفة بكلّ غرور و نحدّ: "اشتقت إليك ترين بعيونك ما رأت عيناي و أطمئنّ على مدّخرات قلبي من دقّاته التي تتسارع كما نسيت أن يكون في عزّ عنفوانه !" و وضع يدها على صدره: "هل تشعرين به؟ هل تسمعينه يقرع بابك؟ هلاّ أحببته الآن؟" 
ابتسمت نسرين و بانت أسنانها مصطفّة في انضباط و أناقة تحسد عليها: "ليس لقلبي أي باب ليقرع يا سمير، بل له جرس و جرس عصريّة رقمية ديجتال-DIGITAL- لمسة بإبهام و يستفيق من سباته و إن أراد سيفتح كلّ بوّاباته علي مصراعيها، صدّقني دعنا ننعم بما لدينا الآن و نكتفي بما قد أجيّيك، لا تضغط عليّ أرجوك" ثمّ أضافت: "كيف كانت رحلتك اليوم؟ هل حقّقت إلى ما صبوت؟"
وضع سمير يده في جيبه و أخرج ثلاث حجرات متفاوتة الحجم و الشّكل و اللّون و أخذ كفّها و وضعها كلّها بكلّ دقّة: "هذا ما وجدت هناك، صخيرات و أمّا الرّمال فقد تسرّبت من جيوب سترتي و فرّت إلى الأرض، وحدها هذه الحجرات بقيت، بقيت للذّكرى و أنا أهديك إيّاها".
تململ في جلسته ثمّ سأل نسرين و هو ينظر إلى تلك العيون الممتلئة كلاما و نبضا و ثورة: "لم رفضت اصطحابي إلى الجبل، هل كان حقّا خوفا من المرتفعات أم أنّه خوف منّي؟".
-كفاك كلاما وقم اغتسل و تأهب سأمرّ عليك بعد... و نظرت إلى هاتف بجانبها... عشرون دقيقة لن أمهلك أكثر... بعدها تعرف أين تجدني.
لم تمهل نسرين ما وعدت سمير به، إذ وجدت نفسها في بهو الفندق و أمامها قهوة بدون سكّر و سيجارة تنفذ دخانها الذي لا يكاد يلج رئتيها و تبقى بنظراتها وراء ذاك الدّخان حتّى يختفي و يؤول سرابا و خيالا و في كل مرّة تحاول أن تبصر ما وراءه في عمليّة يائسة للتّأكّد من صحّة و عافية نظرها !
لقد هلّلت بالسفر مع سمير و أعجبت بالفكرة لكن سرعان ما أصابها ملل قاتم منذ ولجت بوابة الجنوب و اكتشفت ذاك التّباين الصّريح و الفاضح بين الشّريط السّــــاحلي و المنــــاطق الدّاخليّة من البــــــــــلاد. اهتزّت مشـــــاعرهـــا و حزنت لانتشــــار الفوضـــى و البناءات المهمّشة. كان الجميع في عينيها أجمل و أحلى و أنظف و لم تكن لتتخيّل أنّ البؤس له أشكال مخيفة و ضارية. قضت ساعات و هي تكتشف جهة دوز بالسيارة و كلما أعجبت ببناءة من بعيد، نجدها تخفي كمّا من الأشياء و الخردة و الفواضل. كيف يمكن أن يصل الإهمال و اللاّمسؤوليّة إلى هذه الدّرجة من الخطورة. كانت تنتظر أن ترى بلدة مختلفة عمّا ألفته في السّاحل بهندستها المعماريّة و تاريخها الحضاري و تقاليدها و رغم أنّ مهرجانها السّنوي يدرّ على المنطقة الخير الكثير فإنّ المنطقة لا تبدو مرتوية بهذا النّبع.
يبدو أنّ جورج أورل George Owrell كان على حقّ عندما قال:
"some animals are more equal than others" بكتابه"Animal Farns" الذي جعل فيه من الخنزير حاكما على كلّ الحيوانات.
يبدو أنّ المصلحة العامّة للمواطن ليست أولويّة المسؤولين هناك و أنّ المخرّبين يزداد عددهم ليفوق المصلحين بكثير ! تتأسّف نسرين و تنفذ دخانها و هي تائهة في أفكارها و خيلاتها تودّ لو كان لها جناحين فتطير بعيدا عن هذه الأجواء الخانقة و هذه المدينة التّائهة بين الحضارة و الجذور، هذه المدينة المملّة النّائمة ! كيف طاوعت سمير و قبلت المجيء إلى هنا، ليتها ما فعلت و بقيت في بيتها و في دفء فراشها و أوراقها و قلقها. ترشّفت قهوتها و رفعت رأسها لتجده أمامها عابسا لائما.
-ألم يكن لك قليلا من الصّبر لتنتظريني؟ ما بك؟ لم كلّ هذا التوتّر؟
و جلس سمير بجانبها يلامس فخذها بأطراف أصابعه في محاولة للجسد ليقلّص توتّرات الجسد الآخر !
-اسمع، غدا صباحا نغادر لم تستطع هذه الواحات بكلّ تعاليها و جمالها و طيبها أن تمحو واجهات التّعاسة لهذه المدينة. و إلى أن يأتي الصّباح و يهلّ فجر يوم جديد هيّا بنا إلى الملهى أو حتّى إلى –البار- علّنا نجد زبائن أكثر قلقا منّا و نتلهّى بسماع أهاتهم !
-"أحبّيني" قالها سمير و هو لا يشعر بوقع كلمته على نسرين، خرجت من فيه بسرعة القدر الذي لا يؤخّر و لا يقدّم شيئا و بقي ينتظر، ينتظر ردّة فعلها، ينتظر إجابة و كأنّه في حضرة القدّاس و كأنّه ينتظر الغيث في هذه الصّحراء ! و نسرين صامتة و قد لفّها برود غامض و اصفرّ وجهها و تجمّدت عبارات وجهها و أخذت نفسا عميقا قبل أن تلتفت إليه بكلّ ثقة جاد صوتها قويا واضحا:
"نحن هنا أصدقاء، مجرّد أصدقاء، صحيح أنت رجل طيب و لكنّك منكسر بتجربتك الأخيرة و تبحث عن ملاذ و عن نسيان و عن أنثى تلهيك عن جراحك. أو تضنّ أنّي مجرّد أنثى؟ لا تغضب منّي إن كنت معك. و مع هذا أودّ لو تعطي لنفسك فرصة لترى الحياة بدونها أوّلا ثمّ بدوني ثانية. عشّ لنفسك فقط. عشّ ثمّ قرّر ما تريد؟ ! فإن كان قلبك لي فسيدلك على الطّريق و إن كنت مجرّد إمرأة فستعبر هذه الطّريق بدون أن تلتفت إايّ. و في هذا كلّه أبحث عن حماية لنفسي أكيد، و لكن أيضا حماية لك. فأنا أزداد تصلّبا عندما يكون قلبي رهيفا. لا يحقّ لي الخطأ و لا حتى التعثر مرة أخرى. أرجوك فكّر مليّا في ما قلته و دعنا نلهو قليلا بدون أن يتعكّر صفو هذه الأمسية الجنونيّة لك ماض مثقّل بالأحزان و لست أرفق حالا منك. هيّا لننسى همومنا و دعنا نرقص.
رقصت نسرين إلى الفجر و تمايلت بجسدها و أطلقت العنان إلى المرح و الضحك المسجون داخل روحها منذ سنين و رمت بكلّ الثّقل عن كاهلها. كانت قد قرّرت أن تعيش ليلة من ليالي الحلم الممنوع فكان لها ذلك ! و تعالت صيحاتها و نكاتها و التفّ حولهما بعض البائسين مثلها فشكّلوا فريقا لهزم القلق و التّوتّر و ضدّ المفروض و الممنوع و الموؤود علنا وضدّ الوهم و الالتزام و المسؤوليّة و توسّطت نسرين الجمع و هي تقول و ضحكاتها تغلب على صوتها ليخرج الكلام منقطعا و كأنّها تحت تذأثير شراب أو مخدّر:
هيّا أعطوني آذانكم سألقي عليكم قصيدا من إلهام هذه الأرض الطيّبة:
تعلّق قلبي بنخلة
كعرجون طيب
حان قطافه
و كلّما تذوق تمرة
صار وجهي صبحا
و لسان لي يقطر حلاوة
و بين كل رطبة و رطبة
صار العسل بريقي
و قد كذبت النحلات
بين الرمال و الواحات
يتوه الفؤاد
و تتعثّر القرارات
كيف لي أن أحبّك
و في ذات العين لا أبصرك و لا أراك؟
ضلال السعفات
أحاطت بي
فارتعد جسدي بردا
وخارجه يلفح الحرّ وجهي
و تحرقني جمرات
بين الإرتواء و الظمإ
لحظة هي ذاتها
إن أنا أحببت
وهما رأيته فيك
و رسمت لك عيونا
لم تكن إلاّ سرابا
كيف للنّخيل أن
يتعانق و يعلو
و كيف لك أن تحبّني
و لقلبي تهفو
و لا ترتفع
بل على الأرض
سوية نسقط؟
تعالى هتاف الجمع و صياحهم و تهليلهم "الله الله ما هذا؟ أهو سحر الجنوب؟ أم أنّك شاعرة؟" و قال لها سمير: "أرأيت لم تكن الرّحلة عديمة الفؤاد ها أنّ الصحراء و الواحات ألهمتك و فجّرت طاقة لك كانت غائبة عنّي ! "
عندما أفاقت نسرين في اليوم الموالي كانت قد نسيت  قالتها و كلّ بيت أنشدته، عصرت ذاكرتها لتتذكّر مطلع القصيد أو حتّى معناه بدون جدوى. ربّما كان النّسيان نعمة من نعم الله، ربّما لو لم ننس، لكنّا أكثر شقاء و تعاسة و رمت بالغطاء لتتأهّب إلى رحلة العودة، إلى المهد و هي أكثر أملا في الحياة و في الغيب الذي ما وثقت فيه يوما. و حزمت حيبتها و تلفتت في كلّ أنحاء الغرفة تتفقّد حاجياتها فوجدت الكاميرا بدرج الخزانة و تذكّرت أنّها جلبتها لتؤرخ هذه الرّحلة و أنّها وارتها عن أنظارها حتّى لا تسجّل تجربتها هذه. كانت نسرين قد قرّرت أنّها ستعتمد على ذاكرتها فقط هذه المرّ لتجترّها و لن تعوّل على الرّقمي. في أعماق أعماقها كان إحساسها بخصوصيّة هذه السّفرة و سرّيتها قد دلاّها على الإحتماء و منع أيّ تفصيل خارج كيانها.نظرت إلى الكاميرا و وضعتها بين أمتعتها و قد صارت شبه متأكّدة أنّ السّاعات التي مرّت ستلج الأرشيف بسرغة البرق و أنّ رياح الجنوب لن تلبث أن تهبّ لتمحو الآثار و تنظّف المكان لتكمل من جديد ما توقّفت عنه ذات يوم من السّنة التي انقضت 2008
منية بن الإمام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق