💠"الْحَرْقَةُ: جَنَازَةُ الْأَمَلِ عَلَى الْيَابِسَةِ"
"لَيْسَتْ "الْحَرْقَةُ" سِوَى نَتِيجَةٍ لِلْفَقْرِ وَالْبَطَالَةِ وَالْيَأْسِ فِي الْأَحْيَاءِ الْمُهَمَّشَةِ، حَيْثُ يَجِدُ الشَّابُّ نَفْسَهُ مُخَيَّرًا بَيْنَ مَوْتٍ بَطِيءٍ عَلَى أَرْضِهِ وَمَوْتٍ سَرِيعٍ فَوْقَ الْمَاءِ. إِنَّهَا لَا تُغْرِقُ الْأَبْنَاءَ وَحْدَهُمْ، بَلْ تَحْرِقُ قُلُوبَ الْأُمَّهَاتِ وَالْآبَاءِ، وَتُنْزِفُ طَاقَةَ الْمُجْتَمَعِ وَتُغَذِّي دَوَائِرَ الْجَرِيمَةِ. وَمَا دَامَتِ الْأَسْبَابُ قَائِمَةً لَنْ تَتَوَقَّفَ الزَّوَارِقُ. لِذَلِكَ فَالْحَلُّ لَا يَكُونُ بِالتَّحْذِيرِ وَحْدَهُ، بَلْ بِاجْتِثَاثِ الْجُذُورِ: بِتَوْفِيرِ الشُّغْلِ وَالْكَرَامَةِ وَإِعَادَةِ الْأَمَلِ، حَتَّى يَشْعُرَ الشَّابُّ أَنَّ مُسْتَقْبَلَهُ دَاخِلَ وَطَنِهِ لَا خَارِجَهُ."
*****
💠الكاتب: الكيلاني بوستة
___ 🔷 ___
فِي أَطْرَافِ وَلَايَةِ مَنُوبَةَ، حَيْثُ يَتَرَاكَمُ الْإِسْمَنْتُ عَلَى التُّرَابِ وَيَتَرَاكَمُ الْهَمُّ عَلَى الْأَكْتَافِ، يَقَعُ حَيُّ "الْبَدْرِيَّةِ" التَّابِعُ لِمِنْطَقَةِ "دُوَّارِ هَيْشَرَ". مَنْطِقَةٌ شَعْبِيَّةٌ نَائِيَةٌ، تَضُمُّ تَجَمُّعًا سُكَّانِيًّا كَبِيرًا، غَالِبُ أَهْلِهَا يَعِيشُونَ عَلَى الْكَفَافِ. لَمْ تَكُنْ مُشْكِلَتُهَا فِي قِلَّةِ الْأَيْدِي الْعَامِلَةِ، بَلْ فِي انْعِدَامِ الْعَمَلِ نَفْسِهِ، وَفِي النُّزُوحِ الْهَائِلِ إِلَيْهَا مِنَ الْأَرْيَافِ التُّونِسِيَّةِ الْمُهَمَّشَةِ. هُنَاكَ، يَتَخَرَّجُ الشَّابُّ مِنَ الْجَامِعَةِ إِنْ حَظِيَ بِهَا بِلَقَبٍ وَاحِدٍ لَا يَتَغَيَّرُ: "مُعَطَّلٌ عَنِ الْعَمَلِ". وَإِذَا أُتِيحَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ وَجَدَ نَفْسَهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ مَعَ فَقْرِ عَائِلَةٍ لَا يَنْتَهِي. فِي "دُوَّارِ هَيْشَرَ" الْفَقْرُ لَيْسَ حَالَةً، إِنَّهُ إِرْثٌ يُوَرَّثُ.
فِي هَذَا الْفَضَاءِ تَرَعْرَعَ سِتَّةُ شُبَّانٍ جَمَعَتْهُمُ الْجُغْرَافِيَا ثُمَّ وَحَّدَهُمُ الْمَصِيرُ: "عَادِلٌ" وَ"خَالِدٌ" وَ"عَامِرٌ" وَ"سُفْيَانُ" وَ"أَشْرَفُ" وَ"فَهْدٌ". غَادَرُوا مَقَاعِدَ الدِّرَاسَةِ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لِاخْتِلَافِ أَعْمَارِهِمْ، وَلَكِنَّ السَّبَبَ كَانَ وَاحِدًا: بُيُوتٌ مُحَطَّمَةٌ اقْتِصَادِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا، وَخِصَاصَةٌ لَا تَرْحَمُ. انْحَرَفَ أَغْلَبُهُمْ فِي طَرِيقِ الْحَيَاةِ. مِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ السِّجْنَ بِسَببِ السَّرِقَةِ وَ"الْبَرَاكَاجَاتِ" وَ"النَّطْرَةِ"، وَمِنْهُمْ مَنْ سُجِنَ بِسَبَبِ الْإِدْمَانِ عَلَى الْمُخَدِّرَاتِ.
أَمَّا "عَامِرٌ" فَكَانَ الِاسْتِثْنَاءَ الَّذِي لَمْ يَشْفَعْ لَهُ اجْتِهَادُهُ. نَالَ "الْإِجَازَةَ التَّطْبِيقِيَّةَ فِي الرِّيَاضِيَّاتِ" وَسَارَعَ إِلَى كُلِّ الْمُنَاظَرَاتِ الْمَفْتُوحَةِ لِيَشْتَغِلَ وَيُعِيلَ عَائِلَتَهُ الْمُكَوَّنَةَ مِنْ أُمٍّ اسْمُهَا "تُونِسُ" قَدِ اسْتَوْطَنَ جَسَدَهَا مَرَضُ السَّرَطَانِ، وَمِنْ أُخْتَيْنِ "أَرْجَانَ" وَ"بَيْلَسَانَ" تتَابَعَانِ دِرَاسَتَهُمَا فِي الْمُرَكَّبِ الْجَامِعِيِّ بِمَنُوبَةَ فِي اخْتِصَاصِ الْإِعْلَامِيَّةِ. وَكَانَ أَبُوهُ "عَمِّي عُمَرَ" قَدْ مَاتَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ فِي حَادِثِ شُغْلٍ، إِذْ سَقَطَ مِنْ طَابِقٍ أَوَّلٍ فِي بِنَايَةٍ حَدِيثَةِ الْعَهْدِ فَفَارَقَ الْحَيَاةَ عَلَى الْفَوْرِ، وَتَرَكَ لَهُمْ مَتْجَرًا صَغِيرًا لِلْمَوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ هُوَ مَصْدَرُ الدَّخْلِ الْوَحِيدُ. وَلَمَّا لَمْ يَجِدْ "عَامِرٌ" عَمَلًا أَكْمَلَ الْمَاجِسْتِيرَ، ثُمَّ الدُّكْتُورَاهَ، وَعَادَ فَطَرَقَ الْأَبْوَابَ نَفْسَهَا فَوَجَدَهَا أَشَدّ إِغْلَاقًا. وَفِي غُضُونِ ذَلِكَ تَرَاجَعَتْ صِحَّةُ الْأُمِّ فَلَمْ تَعُدْ قَادِرَةً عَلَى الْوُقُوفِ سَاعَاتٍ طِوَالًا فِي الْمَتْجَرِ، وَازْدَادَتْ مَتَطَلَّبَاتُ الْبِنْتَيْنِ. وَقَفَ "عَامِرٌ" حَائِرًا لَا حَوْلَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ، وَبَدَأَ يُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ بِكَلِمَةٍ كَانَتْ تَدُورُ فِي أَزِقَّةِ "دُوَّارِ هَيْشَرَ" كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ: "الْحَرْقَةُ".
وَفِي مَسَاءٍ كَانَ الْهَوَاءُ فِيهِ ثَقِيلًا بِالصَّمْتِ، الْتَقَى الْأَصْدِقَاءُ السِّتَّةُ كَعَادَتِهِمْ فِي "مَقْهَى أَحْمَدَ الْحَبَّاسِيِّ". لَا يُفَرِّقُهُمْ إِلَّا طَبَقُ طَعَامٍ أَوْ سَاعَاتُ نَوْمٍ أَوْ حَاجَةٌ مَعَ الْأُمِّ أَوِ الْأُخْتَيْنِ. تَحَدَّثُوا كَثِيرًا عَنِ الْبَطَالَةِ وَالْخِصَاصَةِ وَعَنِ الْأَعْمَارِ الَّتِي جَاوَزَتِ الثَّلَاثِينَ دُونَ زَوَاجٍ وَلَا بَيْتٍ وَلَا حَتَّى رَاتِبٍ شَهْرِيٍّ. وَفَجْأَةً أَخَذَ "عَامِرٌ" الْكَلِمَةَ، وَكَانَ صَوْتُهُ مَكْسُورًا وَلَكِنْ فِيهِ عِنَادٌ. قَالَ: "أَحِبَّتِي، الْيَوْمَ وَقفَتِ الزَّنْقَةُ بِالْهَارِبِ، وَخَرَّ وَخَرَّ ظَهْرُ الْبَهِيمِ وَفَى. أَنْدَادُنَا تَزَوَّجُوا وَمَعَ عَائِلَاتِهِمْ وَصِغَارِهِمْ فَرْحَانِينَ، وَإِحْنَا اِسْتَنَّى يَا دَجَاجَة حَتَّى يْجِيكِ الْقَمْحُ مِنْ بَاجَةَ. الْيَوْمَ يَا طُورَة يَا فُورَة، مَا ثَمَّةَ كَانَ حَلٌّ وَاحِدٌ لَا غَيْرَ...!!!". وَصَمَتَ قَلِيلًا، وَأَشْعَلَ سِيجَارَةَ "كْرِيسْتَالٍ" وَتَرَشَّفَ مِنْ فِنْجَانِ "قَهْوَةٍ مُشْتَرَكَةٍ".
فَهَبَّ "أَشْرَفُ" مُسْتَعْجِلًا وَقَالَ: "هَيَّا خَبِّرْنَا يَا سَاحِرُ، أَشْنُوَّهُ الْحَلُّ الْوَحِيدُ؟ وَاصِلْ، تَكَلَّمْ!!". فَضَحِكَ "عَامِرٌ" وَرَدَّ عَلَيْهِ بِهُدُوءٍ: "يَا رَاجِلُ صَبْرًا جَمِيلًا. صَبَرْتَ عُمْرَكَ عَلَى الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْمِيزِيرِيَا، وَمَا صَبَرْتَشْ تَسْمَعْنِي بِعَقْلِكْ!! يَا سِيدِي الْأَمْرُ بِبَسَاطَةٍ، وَأَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَطَلَّبُ قُوَّةَ الشَّخْصِيَّةِ وَالْقَرَارَ الْحَاسِمَ وَالشَّجَاعَةَ مَعَ السِّرِّيَّةِ التَّامَّةِ. عَلَاشْ مَا نْفَكِّرُوشْ فِي 'الْحَرْقَةِ'!!؟".
وَمَا إِنْ نَطَقَ بِالْكَلِمَةِ حَتَّى انْفَجَرَتْ ضَحِكَةٌ جَمَاعِيَّةٌ ارْتَجَّ لَهَا الْمَقْهَى، إِلَّا "عَادِلًا" الَّذِي كَانَ جَالِسًا وَالدُّمُوعُ تَنْزِلُ مِنْ عَيْنَيْهِ. رَبَّتَ "خَالِدٌ" عَلَى كَتِفِهِ وَقَالَ لَهُ: "عَلَاشْ تَبْكِي يَا صَاحْبِي؟ رَاكْ رَاجِلْ وَالرَّاجِلُ مَا يَبْكِيشْ. هَيَّا قُلْنَا أَشْبِيكْ...". فَأَجَابَ "عَادِلٌ" وَهُوَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ: "أَنَا أَيْضًا فَكَّرْتُ مُنْذُ مُدَّةٍ فِي الْحَرْقَةِ، لَكِنْ مِنْ نَاحِيَةٍ مَا عِنْدِيشْ فُلُوسْ، وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى خَايِفْ مِنَ الْمَوْتِ فِي الْبَحْرِ لَوْ يَغْرَقُ بِنَا 'الشَّقْفُ'. وَالِدَيَّ كِبَارٌ فِي السِّنِّ وَأَنَا وَلَدُهُمُ الْوَحِيدُ، إِذَا فَقَدُونِي كَيْفَ سَيَكُونُ حَالُهُمْ بَعْدِي...!!؟".
فَتَدَخَّلَ "خَالِدٌ" وَقَالَ بِصَوْتٍ فِيهِ سُخْرِيَةٌ: "بَاهِي أَنَا مَعَ فِكْرَةِ 'الْحَرْقَةِ'، وَالْفُلُوسُ مِنْ أَيْنَ!!؟". وَأَيَّدَهُ "سُفْيَانُ" وَ"فَهْدٌ" قَائِلَيْنِ: "إِنْتَ يَا 'عَامِرُ' تَنْقَعُ مِنْ وَرَاءِ الصَّحْنِ. لَا يَزِي الْفُلُوسُ مَا ثَمَّاشْ، وَزِيدْ مُمْكِنٌ الشَّقْفُ يَتْقَلَّبُ بِنَا فِي الْبَحْرِ وَيَتْعَشَّى بِنَا الْحُوتُ، وَإِذَا تْشَدِّينَا يَرْجِّعُونَا لِلْحَبْسِ مِنْ جَدِيدٍ. تُوَّةَ هَذِهِ حِكَايَةٌ تَقْتَرِحُهَا عَلَيْنَا؟ يَاخِي نَاقِصِينْ مَآسِي!!؟". وَخَيَّمَ بَعْضُ الصَّمْتِ قَطَعَهُ مَجِيءُ "الْقَهْوَاجِيِّ" يَطْلُبُ حَقَّ الْقَهْوَةِ وَيَطْلُبُ مِنْهُمُ الْمُغَادَرَةَ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ تَأَخَّرَ. وَعَادُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَى بُيُوتِهِمْ دُونَ قَرَارٍ نِهَائِيٍّ، وَكَأَنَّ الْأَمْرَ يَحْتَاجُ إِلَى جَوَلَاتٍ أُخْرَى مِنَ النِّقَاشِ.
وَبَعْدَ أَيَّامٍ الْتَقَوْا مَرَّةً أُخْرَى فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ. وَكَانَ يَبْدُو أَنَّ الْفِكْرَةَ قَدْ أَخَذَتْ وَقْتَهَا فِي الرُّؤُوسِ فَاسْتَقَرَّتْ. بَادَرَ "سُفْيَانُ" وَهُوَ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا وَقَالَ: "يَا 'عَامِرُ' إِنَّ مُقْتَرَحَكَ رَأَيْنَاهُ فِي تَوَاصُلٍ بَيْنَنَا عَيْنَ الصَّوَابِ. الْيَوْمَ حَبِّينَا نْقُولُولْكْ: مُرَافِقِينْ...". فَقَاطَعَهُ "عَامِرٌ" مُسْتَغْرِبًا: "سُبْحَانَ مُغَيِّرِ الْأَحْوَالِ!! كَيْفَاشْ غَيَّرْتُمْ رَأْيَكُمْ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ؟ أَنَا عِنْدَمَا طَرَحْتُ مُقْتَرَحِي لَمْ أُقَدِّمْ حُلُولًا. كَيْفَاشْ يَقَعُ جَمْعُ تَكَالِيفِ 'الْحَرْقَةِ'؟ وَلَمْ أُقَدِّمْ حُلُولًا لِكَيْفِيَّةِ التَّنْفِيذِ. هَلْ جِئْتُمْ وَمَعَكُمْ أَيْضًا حُلُولٌ لِهَذِهِ الْأُمُورِ!!؟".
فَرَدَّ الْأَخَوَانِ "فَهْدٌ" وَ"عَادِلٌ" فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ: "نَحْنُ لَدَيْنَا الْحَلُّ. هَذَا الْحَلُّ يَتَطَلَّبُ الشَّجَاعَةَ وَكِتْمَانَ السِّرِّ وَالْاِلْتِزَامَ. وَأَيُّ طَرَفٍ مِنْ بَيْنِنَا يُفْشِي السِّرَّ سَيَكُونُ مَآلُنَا السِّجْنَ...". وَتَفَرَّقُوا فِي آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى اتِّفَاقٍ ضِمْنِيٍّ بِأَنَّهُ لَا بَدِيلَ، وَأَنَّ الْفَشَلَ فِي التَّنْفِيذِ سَيُدْخِلُهُمْ فِي مَصَائِبَ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا.
وَفِي أَحَدِ الْمَسَاءَاتِ أَخَذَ "فَهْدٌ" وَ"عَادِلٌ" سَيَّارَةَ "إِيسُوزُو" مِنْ وَالِدِهِمَا بِحُجَّةِ الذَّهَابِ إِلَى "صَفَاقِسَ" لِمُقَابَلَةِ صَاحِبِ شَرِكَةٍ لِصِنَاعَةِ الْكَوَابِلِ. أَخَذُوا مَعَهُمُ الْبَقِيَّةَ وَتَوَجَّهُوا إِلَى حَفْلِ زِفَافٍ فِي أَحَدِ أَرْيَافِ "الرُّوحِيَّةِ" التَّابِعَةِ لِوِلَايَةِ "سِلْيَانَةَ". رَحَّبَ بِهِمُ النَّاسُ وَقَدَّمُوا لَهُمُ الْعَشَاءَ وَمَا لَذَّ وَطَابَ، وَرَقَصُوا مَعَهُمْ عَلَى أَنْغَامِ "الزَّكْرَةِ" وَ"الْقَصْبَةِ" وَ"الطَّبْلِ" حَتَّى مُطْلَعِ الْفَجْرِ.
وَفِي غَفْلَةٍ مِنَ الْعَائِلَةِ الْمَنْشَغِلَةِ بِالضُّيُوفِ، دَخَلَ "عَادِلٌ" وَ"فَهْدٌ" وَ"خَالِدٌ" "الزَّرِيبَةَ" وَأَخَذُوا عَددًا مِنَ الْأَغْنَامِ وَوَضَعُوهَا فِي السَّيَّارَةِ الرَّابِضَةِ فِي مَكَانٍ آمِنٍ وَمدروسٍ. ثُمَّ عَادُوا فَقَدَّمُوا التَّهَانِي وَغَادَرُوا مُتَوَجِّهِينَ إِلَى "أَرْيَانَةَ" لِبَيْعِ الْمَسْرُوقِ فِي سُوقِهَا الْأُسْبُوعِيِّ الَّذِي يَنْتَصِبُ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي.
وَفِي الطَّرِيقِ وَهُمْ يَعْبُرُونَ مَنْطِقَةَ "بُرْجِ الْعَامِرِيِّ"، كَانَتْ دَوْرِيَّةٌ أَمْنِيَّةٌ لِلْحَرَسِ الْوَطَنِيِّ قَدْ نصبَتْ كَمِينًا بَعْدَ تَبْلِيغٍ عَنْ سَرِقَةِ أَغْنَامٍ. فَأَوْقَفَتِ السَّيَّارَةَ وَأَمْسَكَتْ بِالشُّبَّانِ السِّتَّةِ. كَانَ أَغْلَبُهُمْ مَعْرُوفِينَ لَدَى الْأَمْنِ، وَالسِّجْنُ يَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَهُ.
وَهَكَذَا لَمْ يَرْكَبُوا الْبَحْرَ وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى "الشَّقْفِ". لَمْ تَكُنِ "الْحَرْقَةُ" سَفَرًا، بَلْ كَانَتِ احْتِرَاقًا آخَرَ عَلَى الْيَابِسَةِ. اِحْتَرَقَتْ قُلُوبُ الْأُمَّهَاتِ فِي "البَدْرِيَّةِ"، وَتَبَخَّرَ الْأَمَلُ عَلَى طَاوِلَةِ "مَقْهَى أَحْمَدَ الْحَبَّاسِيِّ"، وَبَقِيَ السُّؤَالُ مُعَلَّقًا فِي هَوَاءِ "دُوَّارِ هَيْشَرَ": إِلَى مَتَى سَيَبْقَى الشَّابُّ هُنَا مُخَيَّرًا بَيْنَ مَوْتٍ بَطِيءٍ تَحْتَ الشَّمْسِ، وَمَوْتٍ سَرِيعٍ فَوْقَ الْمَاءِ؟
_انتهت_
💠 تعريف بالكاتب:
كِيلَانِي بُوسَتَّة 🇹🇳
شَاعِرٌ وَمُفَكِّرٌ تُونِسِيٌّ. يَكْتُبُ فِي قَضَايَا الْإِنْسَانِ وَالْهُوَامِشِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ بِلُغَةٍ وَاقِعِيَّةٍ مُتَأَمِّلَةٍ، تَجْمَعُ بَيْنَ وَجَعِ الْوَاقِعِ وَسُؤَالِ الْمُسْتَقْبَلِ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق