١٤ الحياة
صلى الحكيم الفجر بالمسجد الموجود بمزرعته ثم خرج يستنشق نسمات الصباح الباكر حول الأشجار وفجأة رأى طائر صغير يرتعد مبتلا فحمله الحكيم ووضعه فى راحة كفه
وأخذ ينفض عنه الماء ويجفف البلل ثم ضمه بين كلتا يديه وأخذ ينفث عليه من هواء زفيره الدافئ حتى جف الطائر تماما ودب فيه النشاط بعدما أشرف على الموت ثم اطلقه فانطلق يطير بالسماء ويغرد
فرأه مريدوه فقال له أحدهم جزاك الله خيرا يا حكيم لقد وهبته الحياه فرد الحكيم مسرعا وقال لا يا بنى واهب الحياة هو الله لأن من يمتلك هو من يهب!
أما أنا فقد أحييته أى أخذت بالأسباب التى ربما تحفظ حياته بعد إرادة الله سبحانه وتعالى ولقد قال المولى فى كتابه ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا فاندهش الشاب من دقة الحكيم فى توصيف الكلمات وقال له أجل كلمنا يا حكيم عن الحياة
فابتسم الحكيم ابتسامة رقيقة
وتوجه بوجهه البشوش صوب قرص الشمس المبهج وكأن بينه وبينها توأمة!
ثم قال الحياة هبة من الله سبحانه واهب الحياة والخير والحق والجمال فالحياة يا ابنائي قدسها الله سبحانه أما
الموت فآطلق عليه سبحانه مصيبة الموت
والحياة تعنى الحركة والنشاط والدوران مع الأرض ومع كل شئ حى والتجاوب مع الكون
آما الدعة والجمود فهو أقرب للموات انظر لجسدك أولا الذى خلقه الله سبحانه فى أحسن تقويم كل جزء فيه ينزع الى الحركة والنشاط فالانسان آو الكائن الحى يتكون من لحم ودماء وعظام فالدماء دائما فى حالة دوران بالجسم فيما يعرف بالدورة الدموية الكبرى والصغرى وهى المسؤلة عن تغذية اللحم والعظام والأعصاب والمسؤول عن هذه الدورة الدموية وضخها هو القلب تلك المضغة الصغيرة التى لو صلحت صلح الجسد كله ولو فسدت فسد الجسد كله!!
وخلايا الدم ذاتها فى حالة دوران وحركة دائمة فلو تلكأت تلك الخلايا للحظه وتوقفت بأحد الأوردة أو الشرايين لسبب ما فإنها تغلق هذا الشريان أو الوريد فيما يعرف بالجلطة الدموية التى تؤدى الى كوارث من موت للحم والعظام والأعصاب!!
وهذه الدورة الدموية أيضا تبغض العضو الخامل الكسول
المهمل سواء كان لحم أو عظام
فالكائن الحى عتدما يفقد القدرة على الحركة ويميل الى الإهمال والكسل والدعة والنوم المستمر فترات طويلة ترفض الدورة الدموية أن تزور هذه الأعضاء بقوة ونشاط بل تذهب اليها على استحياء مما يؤدى لضمورها وعطبها!!
ولو خرجنا من جسد الانسان والكائنات الحية الى الآجرام السماوية لوجدنا نفس الشئ فالكوكب والنجوم تدور حول الشمس فى نظام متقن وبديع
فلو توقف كوكب الأرض مثلا عن الدوران لتوقفت الحياة عليه بل واصطدم بألاف الأجرام السماوية مما يؤدى لهلاكه وهلاك الحياة فيه!
والشمس ذاتها التى تدور حولها هذه الآجرام تغلى كالمرجل نتيجة لمئات الألاف من آطنان الغازات التى تتفاعل وتصطدم بداخلها لتعطينا هذه الطاقة الجبارة فلو توقفت هذه الغازات عن الحركة والتصادم بعضها ببعض لانتهت الشمس وسقطت كزهرة خرساء!!
والله سبحانه وتعالى يا أبنائى قدس الحياة بشكل عام وجعل حياة الانسان على قمة هرم هذه القدسية فان رأيت انسان مثلا يحافظ على حياة قطة أو أى كائن حى ثم فى الخفاء يقتل انسان فقل له بوضوح وفى العلن أنت كاذب بل ومنافق فمن يحافظ على الآدنى لا يهدم الأعلى!!
والأديان السماوية كلها يا أبنائى وعلى رأسها الاسلام
جائت بشرائعها كى تحافظ على الحياة وتجعلها أكثر آمنا وأمانا وجاء الاسلام يؤكد على ذلك كخاتم لتلك الرسالات فلا يوجد فى الاسلام حرب مقدسة بل كل الحروب التى قادها رسول الله صلي الله عليه وسلم كانت إما دفاعا عن النفس ورد كيد المعتدى أو دفاعا عن عقيدة الانسان وحريته فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فكما ان حياة الانسان مقدسة فإن حريته أشد قدسية!!
وعندما أمر الله سبحانه وتعالى بإعداد الجيوش لم تكن أبدا ألة قتل مطلق بل مقيدة بشروط على رأسها من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وليس اكثر وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله
هذا أكبر دليل أن الاسلام يقدس الحياة ويحفظها ولا ينشد الموت إلا للحياة!
وعندما قال المولى عز وجل فى كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم صدق الله العظيم
فلو عقلنا الأية جيدا لوجدنا أن الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نعد القوة لا من أجل الموت بل من أجل الحياة!
فكلمة ترهبون أقل فى سلم الجريمة من كلمة تقتلون فكأن المولى عز وجل استخدم الأدنى وهى الرهبة كى يمنع الأعلى بسلم الجريمة وهو القتل!!
حتى وان كان القتيل على غير الاسلام فالحياة مقدسة بشكل مطلق فى الاسلام!!
وقد شدد المولى عز وجل على أن قتل النفس المؤمنة عمدا لا توبة منها أبدا وأن صاحبها خالد فى النار مخلد وملعون حيث قال سبحانه فى سورة النساء الأية ٩٣ بسم الله الرحمن الرحيم ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما
صدق الله العظيم
فالأية واضحة وصريحة وضوح الشمس فى رابعة النهار
وأى أسانيد أخرى او كلام أخر يصطدم بهذه الأية يسقط فورا ويبقى كلام الله راسخ رسوخ الجبال!!
وهذا يؤكد على قدسية الحياة لأنه ملعون من هدم بنيان الله والانسان بنيان الله
والرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يؤكد أن هدم الكعبة حجرا حجرا أهون عند الله من قتل نفس مؤمنة
اتدرون لماذا؟!
لأنه من بنى الكعبة انسان
ومن بنى الكنيسة انسان
ومن بنى حائط المبكى انسان
لكن من بنى الانسان هو الله سبحانه وتعالى فملعون من هدم بنيان الله!!!
والعجب كل العجب من تلك الحملات الصليبية التى حملت الموت للمسلمين عبر التاريخ ويخلعون عليها لباس الدين المسيحى برغم من ان الدين المسيحى الذى يؤمن به المسيحيون يحرم عليهم ذلك
فهذا الصليب الذى يؤمنون به
ويرسمونه على اياديهم المفروض حسب معتقدهم أنه رمز لتضحية الوجيه عيسى بروحه ليتحمل القتل والتعذيب عن كل البشر!!
فكيف بالله عليكم باسم الصليب تبيدون البشرية؟!
الخلاصة يا أبنائى أن الحياة مقدسة عند جميع الأديان بلا استثناء وأن كل من يقتل باسم الدين لغرض دنيوى أقول له أنت كاذب وتمتطى الدين لتصل الى أهدافك الدنيا سواء كان جاه او مال!
فالانسان للاسف يستغل آطهر ما فى الوجود وهى الكتب السماوية لفعل أسوأ مافى الوجود وهو القتل!!
تمعنوا معى جيدا يا أبنائى ستجدوا أكبر تجارة رائجة فى هذا الكون هى تجارتى السلاح والمخدرات!!
وهاتان التجارتان تنتعشان على دماء الانسان!!
فلو وجهنا أموال تلك التجارة الى إعمار الكون لأسعدنا البشرية وما كان هناك انسان بائس أو جائع!!
العلة يا أبنائي تكمن فى بعد الانسان عن منهج الله الذى جاء به فى كتابه العزيز أنه من آحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا ومن أماتها فكآنما أمات الناس جميعا وهذا الكلام كان موجه للأمم التى كانت قبلنا فآولى بنا فى هذا العصر المتعطش للدماء أن نعمل به
نستنتج من ذلك أن الحياة مقدسة عند جميع الأديان السماوية ومن يستهن بها ويمعن فى القتل فقد خرج من جميع هذه الملل والنحل!!
ثم أشار الحكيم الى مريديه قائلا انتشروا يا أبنائى فى فجاج الأرض واعملوا من اجل اعمار هذا الكون لتسعد أنت بحياتك وتكون سببا فى جلب السعادة لحياة الأخرين
فالحياة دائما فى جدة مستمرة ولا تعترف بالعاطل الجامد
وإلى الملتقى على ثمرة آخرى من ثمار حديقتي التى نضجت
بقلمى د. عبدالحليم هنداوى.
الاثنين، 11 نوفمبر 2019
14 الحياة / بقلم د.عبدالحليم هنداوي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق