الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

« الغبار والضمير» ✮✮✮ 🖊 الشاعر طاهر عرابي

« الغبار والضمير»
طاهر عرابي
دريسدن، 15.02.2021 | نُقّحت في 01.09.2026
———
أنا المُوزَّعُ بين حقيبةٍ
وسفرٍ لا يُشبهني،
كأنني ظلُّ أمنيةٍ
وُلدتْ… وبقيتْ في المهد.

إلى أين يسافرُ السفرُ
لو تركتُه يركب زورقًا،
وقلتُ له: ارحلْ…
أنتَ طليقٌ
كغيابٍ دخل فُوَّهةَ الزمنِ الرمادي،
واتركني مُهيّأً لنجاتي…
ولو على سطحِ كوخٍ فارغ.

سأزرعُ في الحقيبة زعترًا بريًّا،
وأتركها في مكانٍ
نسيتْه الجهات،
ولاذتْ بالفرار من المعرفة،
وتركتْ خلفها غبارَ الحقيقة.

حتى المدنُ السعيدة
لم تمنحني سوى نداءٍ مؤجَّل،
وأنا أبحثُ عنّي
في انحناءة غيم،
أو بين حجارةٍ
ترضع الطمأنينة من حنين الجذور.

ملكُ المتاهة يعرفني،
والخطرُ يسكنني،
كأنني قدرٌ بلا ملامح.
صيفي قنديلُ زيتٍ يحترق فيه الضوء،
وشتائي انتظارٌ لغيمةٍ تعرف وجع التشريد.

خارجَ الوطن أعيش،
وفيَّ يختبئ الوطن؛
فلا غرابةَ بين العنق والعينين،
ولا مجرى التنفّس،
فكلانا يتشكّل
من كينونة الوفاء.

قلتُ للطريق:

يا رفيقَ الخراب،
أتأوّهُ فتُثيرُ الغبار،
وأبكي حظّي
فتمتدحُ الجدار!

رافقني كما أنا:
ظلًّا على رصيفٍ مُهترئ،
حلمًا تأكلُه الخطى،
أو حجرًا
لا يُجيد سوى الصمت منذ أن تشكّل حجر.

أأنتَ أيضًا منفيٌّ
مثل ملامحي؟
مَن صنعكَ
وهرب إلى السماء؟
مَن علّقكَ على الأمل،
وتركني أتأرجحُ فيك؟

تُواسي مَن عبَر،
وتقهرُ مَن ظنَّ نفسَهُ
أطولَ منك،
وأرحمَ منك.

تغارُ على الاتجاه…
وأنتَ ملكُ التقاطعات.

فكيفَ نتّفقُ
على جدليّةِ الغبار؟

دفعني الطريقُ
خارجَ الطريق…

إلى غابةٍ
ماتَ فيها الورد،
وصارَ جذرُهُ مأوًى للنمل.

العصافيرُ كتبتْ أسماءَها
على الأعشاش،
ورحلتْ دونَ وداع.

قالتْ للأفاعي:

اسكنوا الأعشاشَ في الشتاء،
وتلحّفوا ببقايا الزغب،
فلا شيء يستحقُّ العودة.

سنعودُ…
وفي مناقيرِنا
تجربةُ الحياةِ في الغربة.

احرسوا الوطن،
فالوطنُ
أكبرُ من تبدّلِ الفصول.

وأنا…

أحدّقُ في الهباء،
كأحمقٍ شبهِ شاعر،
يفتّشُ عن ورقةٍ خضراء
تقولُ له:

أنتَ حيٌّ
بما يكفي لتشتاق.

فاشتقْ لغبارِ الوطن،
واجعلْهُ وحلًا.

اصنعْ إناءً،
واجمعِ المطرَ قطرةً قطرة،
وازرعْ ما جمعتَهُ في رحيلك،
بينَ الشعرِ وتحتَ الأظافر.

الحياةُ تتسلّقُ
مَن يُهديها درسًا في البقاء.

سنرى بذورَك تنمو…

وأنتَ
سيّدٌ ارتقى الآفاق.

عندَ ولادتي،
لم يفكّر أحدٌ
إن كنتُ سأغدو غنيًّا بالحزن،
أو عفيفًا في الخسارة.

وُلدتُ مسحوقًا كئيبًا،
فيه الضميرُ
أعفُّ من قداسةِ القيم.

أحملُ فلسطينَ في قلبي
كوصيّةٍ
لم تُفتحْ بعد.

أمّي وأبي…
غابا في الزفيرِ الأخير،
ولم يرجعا.

كانَ الحزنُ يخشاهما،
وكانَ الوطنُ
ينكمشُ في حدقتينِ
من لؤلؤتين،
في محارِ الجمجمة.

فقلتُ:

الضميرُ هو ما تبقّى
في عطرِ الورد،
وفي صدري…
في خطواتٍ
لم تُعدّها لي أمّي،
لكنّها رأتْ في الضميرِ
ملامحَ الوصول.

فقالت:

كلُّ الرحيلِ رحلة،
والوصولُ
أشبهُ بعقربِ الساعة.

فلا تُعدَّ الخطوات،
ولا تلتفتْ للزمن…

ضميرُك عنبرُ الأيام،
فلا تغفل…

فلكَ المقام.

وداعًا، أيّها الطُّرُق…

حقيبتي صارتْ
مزرعةً للمسافات.

زُوّارُها عادوا.

والسماءُ تتّسع،
ولا يقلقُ الأفقُ
من ضجيجِ العائدين،
وترنيمةُ الحياة… عودة.

(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق