............ الجاحظ وعصرنا ..........
قلما يحتفظ الإنسان بشيء من آثار الصبا ؛فإذا عثر على أثر من تلك الآثار وقد وخطه الشيب ؛كان لذلك في نفسه أجمل الوقع.
وإني لكثرة التنقل في الحياة وبعد الشقة في الزمن قد فقدت كثيرٱ من آثار صباي.
ولكني عجبت ذات يوم ، وقد وقع في يدي كتاب لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، كتب على جلدته اسمي بخطي الذي كان في ذلك الوقت. وما رأيت أنه مختلف كثيرٱ عن خطي في هذه الأيام.
لقد فرحت كثيرٱ بذلك الأثر . ورجعت بفكري القهقرى ، وأنا أتساءل: أحقٱ كنا نقرأ الجاحظ في مثل تلك السن ؟!
أغلب الظن أن هذا الكتاب لم يكن من مقررات المدارس في ذلك العهد إنما هو نوع من المطالعات الخاصة التي كنا نغرق فيها خارج الدرس.
ذلك أني لم أنس صفحة من صفحات هذا الكتاب الذي كنت أقرؤه كثيرٱ في ذلك الحين،مع ما كنت أقرأ من آثار الأدب القديم.
والحق أن الجاحظ ـ وقد مضى على وفاته أكثر من ألف عام ـ هو الأستاذ المباشر لأكثر رجال القلم في الأدب العربي المعاصر ؛ لأنه رفع علم التجديد ، وعلم الكتاب أن الأسلوب أداة للتعبير القويم عن النفس والفكر ، لا وشي من اللغو ، ولا بضاعة من الزخرف يراد بها اللهو.!
وإني لموقن أن الجاحظ لو استطاع أن ينظر إلينا من عالمه الٱخر ، لما أنكر كثيرٱ من الأساليب التي ينشئ بها كتاب اليوم أفكارهم .
لقد وصف الجاحظ الغرائز البشرية ، ولنستمع إليه إذ يقول واصفٱ حال الأدب والأدباء والمؤلفين بلغته منذ عشرة قرون :
«إني ربما ألفت الكتاب المحكم المتقن في الدين والفقه والرسائل والسيرة والخطب ، وأنسبه إلى نفسي ؛فيتواطأ على الطعن فيه جماعة من أهل العلم ، بالحسد المركب فيهم ، وإن كان السيد المؤلف له الكتاب تحريرٱ وحاذقٱ فطنٱ ، وأعجزتهم الحيلة سرقوا معاني ذلك الكتاب، وألفوا من أعراضه وحواشيه كتابٱ أهدوه إلى أحد الملوك. !».
ما الذي تغير اليوم من هذه الصورة، وما الذي بقي ؟
من من ريب أن الغرائز البشرية التي وصفها« الجاحظ »لا سبيل إلى زوالها.
فقد استولت على النفوس اليوم أيضٱ، روح الاستعانة بالمثل العليا.
وتملك القلوب والأجسام شيطان المتعة اليسيرة العاجلة !
ما من أحد يريد أن ينقطع إلى علم أو يتوفر على فن.
إنما البعض يتطلع إلى الثمرة قبل الشجرة.!
بقلمي
محمود محمد زيتون
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق