حديقة الحكيم
٩ الصيام
انه اليوم الاخير من شهر شعبان حيث استيقظ الحكيم كعادته مبكرا وتوجه الى مزرعته واخذ يتفقد اشجار الفاكهة واحواض الأسماك بها ثم استقبل مريدوه
باستراحته واخذ يهنئهم ويهنؤه بحلول شهر رمضان المبارك ثم قام احد مريدوه
وقال كلمنا يا حكيم عن الصيام
فانتصب الحكيم هاشا باشا وقال مرحبا رمضان شهر الخير والإحسان شهر الصوم والبركات ثم تلى قوله تعالى شهر رمضان الذى انزل فيه القرأن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان صدق الله العظيم
فرمضان يا ابنائى مرتبط بكتاب الله عزوجل فهو شهر القرآن وشهر العلم وشهر البيان والصفة الأهم فيه يا ابنائى
هى التقوى لأنك عندما تكف عن تناول الطعام والشراب والشهوات وتمسك لسانك حسبة لله تعالى فهذه هى أعلى درجات التقوى لذا قال الله تعالى فى حديثه القدسي كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لى وانا اجزى به فجعل الحق سبحانه جزاء الصيام سر من أسراره سبحانه لعظم هذا الأجر فتخيلوا يا ابنائى لو ان ملكا من ملوك الدنيا وعد أحدكم انه ان فعل شئ ما بدقة واخلاص سوف يقوم بمكافئته بنفسه هل تخيلتم عظم المكافأة فإن عظم المكافأة تكون على قدر عظم المكافئ ولله المثل الأعلى
لذا جعل المولى عز وجل باب من أبواب الجنة الثمانية للصائمين يقال له باب الريان فتخيلوا يا ابنائى انكم يوم القيامة اتيتم باعمال قليلة لم تبلغكم الجنة وبعد أن وقفتم خمسون الف سنة فى يوم القيامة وقد بلغ منكم التعب والرهق مبلغا
عطشى جوعى وقد أظلم كل شئ من حولكم وفجأة تسمع منادى ينادى على فلان بن فلانه ان توجه لباب الريان احد أبواب الجنة الثمانية جزاء لصيامك وقيامك هذا الشهر الكريم عندها سيطير قلبك فرحا ويسبقك لجنة الريان وبعد أن تدخل من الباب تجد امامك انهار وجنان فتشرب وترتوى وتمد يدك لتقطف من ثمار الجنة فيذهب عنك الجوع ثم ترتاح نفسك عندما تشتم رائحة المسك على جسدك الذى ينضح مسكا على شكل عرق بعد شرابك وطعامك!
ثم تطيل النظر فترى امامك جنتان من اجمل انواع الفاكهة والزهور والرياحين وتسمع موسيقى اشجى من ابرع موسيقى بهذه الدنيا نتيجة تلامس نسمات الهواء العليل باغصان الأشجار وأصوات الاطيار
ثم تمد بصرك فتشاهد قصور معلقة من لؤلؤ تجرى من تحتها الأنهار فتسأل لمن هذه فيرد عليك الملك هى لك جزاء لصيامك وقيامك وقراءة القرآن
فتجرى عليها بلهفة شديدة فتجد فى استقبالك احب الناس إلى قلبك فى الدنيا من أهلك وذويك المؤمنين الصالحين وتستقبلك زوجاتك من الحور العين وعلى رأسهن زوجتك الصالحة فى الدنيا وتكون الاقرب لقلبك بعد ان اصلحها الله لك من منغصات الدنيا!
ثم تنظر أسفل القصر فتجد الأنهار تجرى من تحت القصر فتذهب انت واحبابك الى شواطئ تلك الأنهار ويرمى بعضكم بعض باللؤلؤ والياقوت الذى هو حصباء النهر!
ومهما تكلمنا عن الجنة يا ابنائى فلن نصل الى شئ لأنها لم تخطر على قلب بشر
ثم قام احدهم وقال يا حكيم ما تقول فيمن يكف عن الطعام والشراب لكن لم يكف لسانه عن الخوض فى الأعراض!
فغضب الحكيم وقال يا ابنائى الصوم الذى يقبله الله هو صوم جميع الجوارح
وعلى رأسها اللسان ومن لم يمسك لسانه عن الكذب والخوض فى اعراض الناس فلن يجنى من صيامه سوى الجوع والعطش
ثم قام احدهم وقال يا حكيم انا نقضى الليل فى السمر والسهر وننام النهار حتى يؤذن المؤذن لصلاة المغرب!!
فامتعض الحكيم وقال اجل يا ابنائى فانكم لم تفهموا علة الصيام فلقد فرض علينا المولى جل شأنه الصوم حتى نشعر بالجوع والعطش فنشعر بالفقير والمحتاج فيرق القلب عليه بالعطاء اذا الجوع والعطش والمعاناة هى لب هذا الصوم
ولن نشعر بذلك الا بالعمل والعمل الدؤب
المضاعف بنهار رمضان وليله
فرمضان شهر العبادة وعلى رأس هذه العبادة العمل
ثم قام احد الشباب وقال يا حكيم ماذا عن القرأن
ابتسم الحكيم وقال رمضان هو شهر القرأن اجعل لنفسك ورد يومى من كتاب الله حد ادنى جزء باليوم وبذا تختم كتاب الله مرة فى هذا الشهر واجعل هذا ديدنك فى باقى شهور السنة حتى لا تكون من الذين يهجرون كتاب الله
ثم قام احدهم وقال معذرة يا حكيم كم مرة تختم كتاب الله فى شهر رمضان؟
فتبسم الحكيم وقال سأقول لكم يا ابنائى من باب التذكير لا الرياء حفظنا الله وإياكم من الرياء والنفاق وسوء الاخلاق
بفضل الله اختم كتاب الله مرة كل ثلاثة أيام فى اول رمضان ومرة كل يومين فى
العشر الأواخر والله اسأل ان يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال
ثم قام احد الشباب وقال يا حكيم ان بعض الناس يصوم ولا يصلى فعاحله الحكيم قائلا يا بنى لكل باب مفتاح ومفتاح كل هذه الأعمال الصالحة هى الصلاة فهل تستطيع أن تدخل بيتك المغلق بلا مفتاح؟!
ثم قامت عجوز وسألته مبتسمة وقالت يا حكيم كلمنا عن ليلة القدر
فتلى الحكيم قوله تعالى انا أنزلناه فى ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هى حتى مطلع الفجر صدق الله العظيم
لقد جعل الله سبحانه وتعالى يا ابنائى عبادة ليلة واحدة وهى ليلة القدر خير من ألف شهر اى خير من ٨٣ سنة فلو افترضنا ان متوسط عمر أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ستون عاما وان أحدنا من الله عليه بقيام أربعين ليلة من ليالى القدر على مدار أربعين عاما فهذه الأربعين ليلة تعادل ثلاثة الاف وثلاثة مائة عام عباده وهذه هدية أهداها الله سبحانه لأمة سيدنا محمد عليه افضل الصلاة والسلام عوضا عن اعمار الأمم السابقة التى كانت بآلاف السنين!
فاجتهد يا رعاك الله فى هذه الليلة بالدعاء وتلاوة القرأن فليلة القدر ما هى سوى دعوة مستجابة
ثم قام اخر وقال يا حكيم كلمنا عن زكاة الفطر
فقال الحكيم زكاة الفطر يا ابنائى هى الجابرة لهذا الصوم ففرضها المولى سبحانه حتى يجبر بها تلك الهفوات التى تصدر منا أثناء الصيام فنحن بشر ضعيف
وبذات الوقت تدخل السعادة والسرور على الفقراء والمحتاجين وهى تجب على كل نفس حتى الجنين فى بطن أمه ويجب أن تخرج فى الثلاثة ايام الأخيرة من رمضان واخر موعد لها قبل صلاة صبح يوم العيد وبعد الصلاة تعتبر صدقة وليست زكاة
رمضان كله خير يا ابنائى وهو منحة من الله لنا فلا تضيعوا هذه المنحة فسلعة الله غالية ولا يوجد أغلى من جنة عرضها السموات والأرض فصوموا نهار رمضان وقوموا ليله وتسامحوا وصلوا ارحامكم وودوا جيرانكم وتصدقوا قدر المستطاع
فالعمر قصير يا ابنائى ولا ندرى هل يكون لنا نصيب فى رمضان القادم ام ان النصيب سيكون ليد الردى
بلغنا الله وإياكم رمضان ورزقنا فيه أجر الصيام والقيام وكل عام وانتم بخير
والى اللقاء مع ثمرة أخرى من ثمار حديقة الحكيم
د. عبدالحليم هنداوى من كتابي حديقة الحكيم.
الأحد، 5 مايو 2019
حديقة الحكيم / بقلم د.عبدالحليم هنداوي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق