الجمعة، 3 مايو 2019

من واقع الحياة / بقلم الكاتبة سياده العزومي

من واقع الحياة

           مأساة أم(كاملة))
بإرهاقٍ أجلست هيكلها على المقعد أمام محل الملابس الذي أعمل فيه، خارت قواها بعد أن ملأت صدرها بشهيقٍ خرج مسرعًا، تفوح منه رائحة الأسى والحزن، إنها سيدة في الثمانين من عمرها، غارت عيناها في هيكل وجهها، بالكاد لا ترى غير الدموع تتدحرج بين قنوات تجاعيده، والفم فاغر يرتجف دون إرادةٍ منها (بحكم السن وتساقط الأسنان)، تكف الأنفاس لثوانٍ ثم تلتقطها، تلهث، العرق البارد ينصب منها صبًّا، قلت لها: أتريدين ماء؟
قالت لي: أما زال هناك خير؟!..
- نعم يا أمي .. بر الوالدين بعد التوحيد بالله والجنة تحت أقدام الأمهات.
دنوتُ منها بعد أن سمعتُ صوت فكرها واستنشقت طيب روحها، أخذت يدها لأقبّلها، ارتجفت.. واقشعرت مشاعري، ظننت أني آذيتها؛ سرعان ما جذبت يدها كأنما صاعقة كهربية ألمَّت بها، ردَّت مسرعة لتخفف من شدة وطأة الفزع الذي أصابني:
- آسفة ابنتي !! فإن هيكلي يؤلمني، أشعر ببرودة بداخلي، رغم وهج شمس حياتي الحارق.
ازدادت رقة مشاعري وتساقطت دمعة عذبة في وجداني، جلستُ القرفصاء أمام مقعدها بين يديها، ووضعت يدي برفقٍ على ركبتيها، لمستُ برودة ورعشة مشاعرها، نظرتُ إليها بعينً فاضت بالحنين ويملؤها أنفاس التمني، وقلت:
- ليت أمي على قيد الحياة!!.
مدَّت يدها المرتجفة التي تشكلت بملامح هيكلها العظمي، ووضعتها فوق رأسي قائلةً:
ـ ابنتي! البر لا يموت.
ثم أخذت نفسًا عميقًا، وخرجتِ الكلمات من أعماقها مكسورة الخاطر قائلةً:
-البر لا يموت بموت الوالدين، ما فائدة وجود الوالدين على قيد الحياة، والبر مات ودُفِن في أعماق نفوس أبنائهم، ادعي للجميع بالرحمة والمغفرة.
اتسعت عيناها قليلاً!!.. ومن بين الجفون المنتفخة متساقطة الأهداب نظرت إليَّ نظرةً تملؤها الحسرة والأسى ، وكأن بها حِمَلاً ثقيلاً يقرض وجدانها، تود أن تبوح بجزءٍ منه، ولم تجد بين الخلائق أحدًا يسمعها أو يشعر بها، ووجدت معي فرصتها الوحيدة أو الملاذ الوحيد على وجه هذه الأرض؛ لتبوح له (هكذا صوَّر لي خيالي)، قصَّت دون طلب، وإن لم تفعل لطلبت منها..قالت:
لم يراود خيالي كامرأة ريفية ولِدت بين الأرض والنهر، أن تلقيني الأيام في شوارع المدينة الصاخبة عاريةً لا سند ولا ظل لي، أعيش على الكبَر حياة الرحيل، وأنا علي قيد الحياة، بعد أن بلي جسدي واضمحلت قواي ، وأزيز الآلام في أعماقي كتسرّب ريح من بين زجاج نافذةٍ مكسورة في يومٍ عاصفٍ، استنشق ملوثات المدينة، أراقب صناديق قمامتها، وحين غفلت الجميع، وهم دائمًا في غفلةٍ حتى عن أنفسهم، بعد أن سجنتهم المدنية المزيفة في صراعاتها، وعلى استحياءٍ حتي من نفسي أنبش فيها لعلّي أجد بعض اللقيمات التي تقيم صلبي، وتهدئ من عواء جوعي، أعف بها نفسي عوضًا عن أن أمد يد السؤال، حتى  ظن الجهلاء أني غنية من التعفف، فماذا تفعل امرأة فلاحة ولِدت وتربت بين الأرض والنهر غير التوكل على الله وغرْس الأرض.. زرعتُ يومًا في حديقة المدينة الصاخبة بين حشائشها بعض عيدان الفجل والجرجير؛ لعلي أجد ما أضعه في لقيماتي، جادت أرض الله الطيبة بالخير..
وذات يومٍ، حدث ظرفٌ طارئ لصاحب المشتل على يمين مدخل المدينة، قصدني أن أبقى فيه حتى ينتهي من أمره، وعندما قضى الأمر طلبتُ منه أن يعطيني من أجري وعرقي شجرة تفاحٍ، ويكرمني فيها، أخذتُها وزرعتها في الحديقة بجوار الحي، ظللتُ أعتني بها، أدفع عنها عبث الأطفال والمتنزهين، أراقبها، وكلما كانت تكبر كان يكبر معها حلمي، رأيت في خيال نفسي شوارع المدينة قد امتلأت بالأشجار المثمرة: البرتقال، التفاح، الليمون، المشمش، اليوسفي.. أثمرت الأشجار بكل نافعٍ وطيبٍ، حُفت الحدائق بالنخيل وتساقط منه الرطب، ومن بين المظلات الزهور فاح عطرها، وتعطرت المدينة به، حتى جاءت الطامة الكبرى، استيقظتُ من حلمي على عامل الحديقة يقتلع شجرة التفاح من جذورها، وأشعل فيها النار، وكأنما اقتلع روحي من جسدي، وأشعل النار فيَّ، تشاجرتُ معه شجارًا عنيفًا.. وشى بي عند رئيس الحي، فأمر بحرث حدائق المدينة كلها ومعها عيدان الفجل والجرجير، حرق حلمي وقطع شجرتي وحرث الحشائش، فلم أجد ما أضعه في لقيماتي غير دموع الحسرة والندامة، لم تعد الحياة عندي غير أن أشرب من كأس الندم كل ليلة، حتى يسكر قلبي من همه وحزنه، يغفل ندمًا أنني خلعتُ جلباب مسقط رأسي، وهاجرتُ إلى المدينة عاريةً لا سند ولا ظل لي مع أبنائي، الذين ما عادوا أبنائي!!، سرقت المدينة برّهم، أو ربما ألقوه في ذاكرة النسيان مثلما ألقوا الكثير من العادات والتقاليد بالجري وراء حداثة المدينة المزيفة.. هواء الريف كان يؤنس وحشتي، وطيب الأرض كان زادي ودوائي، الليل سكني والنهار معاشي، تبدل الحال من حالٍ إلى حالٍ، وما أصعب أن يتبدل بك الحال وأنت على مشارف الرحيل من هذه الحياة، تعجز أن تلملم أطراف أحداث يومك!!، نهارك تخطو عليه وكأنما تخطو على لهيب معدنٍ منصهر، وليلك تؤنس وحشته بالوقوف علي أعتاب ذكريات الماضي، تهب عليك أرواح فارقت أجسادها الحياة، وما زالت تعانقك نسيم مودتها، تسرق نفسك في الخيال إليها، حتى يغلق مر الواقع  مداركك، أو عن عمد تغلقها بنفسك، ما أصعب الحياة وقد استخرجتْ لك شهادة وفاة وأنت على قيد الحياة، تتلمس خطا أيامك في صمت يدوي في الأعماق، ليتني لم أخلع جلباب مسقط رأسي وأترك الريف، ولِدت ونشأت بين الأرض والماء والهواء، فكيف لي أن أحيا بين المباني والمكاتب وكل شيءٍ مسعر؟! لو كنتُ هناك في مسقط رأسي لبنيتُ على ضفاف نهره من عيدانه كوخًا استظل به في نهاري والتحفه في ليلي، وأوقدتُ منها على طعامي مما تنبت أرضه الطيبة، أو مما اصطاده من نهره، لكن هذا ما جناه اختيار عاطفتي وأبنائي فلذات كبدي علينا!!.
فاضت مشاعر الأسى والحزن منها، تقلصت على وجهها، حطمت دموعها أغلال الجفون المنتفخة، جرت بين قنوات خديها قائلةً:
- وافقتُ على بيع بيتي في الريف؛ إرضاءً لطلب أبنائي بعاطفة الأمومة التي تريد أن تسعد أولادها، مثل التي أحبت فاشلاً، ضحت بكل شيءٍ من أجل أن  تتزوجه، كتبت على نفسها وأولادها وأحفادها حياة الضياع والفساد.
ثم ألقت من صدرها زفيرًا ملتهبًا طويلاً،  كاد يلفحني في وجهي، ورغم ذلك اقتربت منها وسألتها:
ـ أمي ما دخل أبنائك فيما حدث ويحدث لك؟!
وكأن قلبي يعرف ماذا ستقول، حزنت حزنًا شديدًا، أخذتُ التقط الأنفاس في صمت وأخرس صوتها، لكن.. يعلم الله أنني أردت أن تنفِّس عما بداخلها، قالت لي:
ـ إن أبنائي فلذات كبدي وحياتي أصروا على أن أبيع بيتي في الريف وأهاجر إلى المدينة الصاخبة؛ فهي مليئة بفرص عمل لهم، حياة وخدمات أفضل ومستقبل لأحفادي أحسن.. بعت داري رغم اعتراض الجميع، فلم أسمع إلا صوت نبض قلب الأم التي تتمني الرضا والسعادة لأبنائها فلذات كبدها، اتفق معي أبنائي أن يشتروا شقة للإقامة فيها ويعملان في أحد المصانع، وما أن  بعت الدار وأعطيت لهم المال حتي تغير الحال من حالٍ إلى حال، تغير كل شيءٍ، فلم أعد أرى الدنيا مثلما عرفتها، لم أعرف العيب في عين نفسي أم في الدنيا، أعيش غير مصدقة لأحداث يومي، وما أراه وأسمعه، حتى  أصبحتُ لا أكاد أتعرف على فلذات كبدي ـ أبنائي ـ، عوضًا عن شراء شقة قاموا باستئجارها ودفعوا مقدمة سيارة أجرة، وتعرف ابني الكبير على فتاة من المدينة وكل يومٍ يستضيف أخاها وأصدقاءه، ونحن في ضيق ذات اليد وضيق المكان..
وذات يومٍ، أعددتُ الطعام، وأراد أخوها أن يسهر سهرةً مع الشباب رفاقه، وإذا بابني يطلب من أخيه الأصغر، أن يأخذنا (أنا وأخته ) إلى البلد؛ للمبيت عند أي قريبٍ لنا، ركبنا طريق العودة إلى الريف، وأنا أجهل عنوان مقصدي، ولا أعرف أين أذهب أو أي باب أطرقه، ظللتُ وابنتي وولدي الصغير نتجول حتى غطى الليل الحياة، ذهبنا إلى أخت زوجي ـ رحمة الله عليه ـ، ادعيت أننا كنا ننهي بعض الأوراق وتأخرنا، مكثنا عندها حتى الصباح، لم تنم عيني هذه الليلة، ظللتُ أبكي طوال الليل حتى أذان الفجر، مرت أحداث حياتي أمامي في شريط سينمائي، وقفت الذكريات على أعتاب أبواب حياتي يوم عرسي والسعادة التي غمرت حياتي، ولم تنطفئ يومًا.. لقد رزقني الله بزوجٍ صالحٍ حنون، نستيقظ مع الفجر،  نستنشق نسمات البكور، ونجمع بركاته، ويكسونا رذاذ  الضباب المبارك،  ويغسل أرواحنا، نتوكل على الله، نغرس.. نروي.. نجني الزرع، والله يجود علينا من كرمه وفضله، وإذا اشتد وهج شمس الظهيرة أو ظروف الحياة القاسية، نستظل تحت طراوة أشجار عائلة الريف الهادئة، تلطف من حالنا، وتشد أزرنا، وكيف مرت الأيام بين يسرٍ وعسرٍ ورضا، والسعادة التي غمرتنا عندما رُزِقنا بالابن الأكبر ثم أخته وأخيه..
عدنا في اليوم التالي إلى المدينة الصاخبة، وإذا بابني فلذة كبدي ينهرني ويسألني لماذا رجعتم وتشاجر معنا!.
ظلت الأيام تباعد بيني وبينه، فليس هناك رقيب ولا كبير يخافه ويخجل منه في المدينة، بعدما مات الخوف من الله في ضميره، ووصل الأمر به - ابني الكبير أول ما رأى قلبي- أن يضربني فوق رأسي بنعله، وكتب على نفسه وأولاده الشقاء، ولو تغاضيت عن تصرفاته وسامحته ودعوت له بالهداية والصلاح، فهل الله سيسامحه؟!.. ضربات نعله فوق رأسي ما زال يؤلمني، وينزف منه وجداني، كلما تذكرته، وللصدق لا أنسي ما جنت يداه أبدًا، عالقًا جرحه في كياني، ظهرت على حياته ملامح غضب الله عليه.. جرفه شقيق خطيبته إلى تعاطي المخدرات، وأصبح ينفق عليها كل ما يجنيه عرقه؛ إرضاءً لأهواء شيطانه، اسودّ وجه حاله، واسودّت الأيام في وجهه!!..
وأما ابني الصغير، فقد جعل قرار موافقتي على بيع داري قلبه جافيًا، وأصبح يكره الأم وقلبها الحنون، مرت الأيام وكبرت كراهيته مع كبَر عمره، وأعلنها صراحةً لأخيه، أنه لن (يشيل الليلة لوحده) بلغة عصر الجفاء والمصالح لغة (شيلني وأشيلك).
أما ابنتي الوحيدة صديقتي ورفيقة عمري التي أخاف عليها أكثر من نفسي، فعندما تقدم لخطبتها ابن المدينة الذي أحبَّته، فرحت وحلقت في السماء من السعادة، ولبست الدنيا لقلبي وفكري ثوب ستر البنت والاطمئنان عليها في بيت زوجها، وسعدنا بحب أمه وأبيه له ووقوفهم بجواره، وجهادهم في إنشاء بيت وتكوين أسرة لابنهم،  لكن كنا
لا نعلم أن أحوال شباب المدينة تختلف عن الريف، وكنا لا نرى منه إلا ما يريد هو أن نراه، فما لبث أن أسفر عن وجه تربيته الخاطئة، وكانت المفاجأة المفزعة أنه يتعاطى ما يسمونه بالبرشام، وأن والديه أردا إصلاح حاله ومعالجة أمره بزواجه، فما كان علينا إلا أن طلبنا الطلاق منه بعدما أنجبت طفلاً، وزاد الطين بلة!!، وعلى الرغم من أن الجمعيات الخيرية أعطتها راتبًا يعينها على تربية ولدها، لكن ماذا تفعل جنيهاتٌ أمام متطلبات عصرٍ أصبح التعامل فيه بالمئات، ركبت فلذة قلبي قاطرة العمل ليل نهار، تجول الأسواق والبيوت، تبحث عن لقمة عيش بالحلال، كُتِب عليها وعلى حفيدي حياة الشقاء والعذاب!!..
أما أنا فبعدما خلعتُ جلباب ميلادي ونشأتي ووقفت عاريةً، سكن داء المدينة وصخبها روحي وجسدي، وتمدد بداخلي ووصل إلى أبنائي وأحفادي إلى أجلٍ يعلمه الله، كُتِب الشقاء علينا جميعًا بموافقتي على قرار بيع داري في الريف والقدوم إلى المدينة، ولا أملك إلا أن أقطف ذكريات الماضي علاجًا أسكِّن به أزيز الألم الذي يقرض وجداني، أصبحتُ أعيش على المسكنات بعدما تفشى فيَّ أمراض المدينة المزمنة الذي لا علاج له، أرى الحسرة واللوم بعض الحين في أعينهم، خصوصًا ابنتي صديقتي ورفيقة عمري، تخفي أنينها وراء قلبها الحنون مع أنها رأت رؤي العين وعلمتْ علم اليقين أنني وضعتُ نتاج موافقتي على بيع داري في يد أخيها الأكبر من باب قلب الأم الحنون على أولادها ومصالحهم، وتركتُ لهم حرية التصرف في الأمر برمته كيفما شاءوا..
أما أحفادي الذين لم أترك لهم غير تاريخٍ أسود، فسوف يلعنوني من المهد إلى اللحد؛ فأنا الجدة التي باعت بيتها وخلعت رداء مولدها ومَنشئها وهاجرت إلى المدينة الصاخبة عاريةً، فلم يعد لي حيلة إلا أن أغمس أنّات مشاعري ليل نهار في دموعي التي لا تجف ولا تنضب، وأدعو الله أن يسترد عطيته وهو راضٍ عني!.
انهمرت دموعي دون إرادة مني وأنٍّت مشاعري، هربت، لبستُ رداء الحجة أن أجلب لها كوب ماء، اتخذت الحائط سترًا، حتى لا يرى أحدٌ نزيف دموعي، بيدي كتمتُ صراخ الأنين داخلي، خرجتُ فلم أجدها،  تركتُ كوب الماء، أسرعتُ أبحث عنها بقلبٍ كاد يقفز من بين ضلوعي، لمحتُها وسط الزحام، جريتُ نحوها لكن وجدتُها سيدة أخرى لها نفس ملامحها، ثم رأيتها أسرعت إليها، فإذا بها سيدة أخرى تشبهها.. استمر الحال على هذا المنوال أيامًا عدة، وجدتُ معظم الأمهات شبهًا لها في الهيئة والحال.. عدتُ من البحث ألملم دموعي وأخفي مشاعري في قلبي، أكفكف دموع إنسانيتي، وأضرب كف حالٍ بحال في رأسي تعجبًا وألمًا.. وأردِّد: لا حول ولا قوة إلا بالله، دعوتُ الله أن يتلطف بنا في زمن عقوق الوالدين.. وتستمرالحياة
دمتم بخير أحبتي
مازلت أكتب لكم
وسأظل بإذن الله تعالى أكتب لكم ولنضع بصمتنا معاً على وجه هذه الحياة
سياده العزومي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق