الخميس، 25 يوليو 2019

مدرسة التفعيلة أو الشعر الحر ج14/ بقلم د.غالب القرالة

د.غالب القرالة
مدرسة التفعيلة أو الشعر الحر –ج14--
يُعدُّ الشعر الحر من أكثر مظاهر التجديد الذي حدثت للشعر في العصر الحديث، وقد كانت بدايته على يد نازك الملائكة في قصيدتها الكوليرا وبدر شاكر السيّاب في قصيدته هل كان حباً، وقد استطاع أعلام هذه المدرسة الوصول إلى آفاق بعيدة المدى في سماء الشعر العربيّ، وكان شعرهم قد انتقل من نظام الشطرين في القصيدة إلى نظام القوافي المتعددة والشطر الواحد، حيثُ اعتمدوا على بحر الكامل والهزج والمتدارك في نظم قصائهم.
ومن أعلام هذه المدرسة محمود درويش، خليل حاوي، نزار قباني، بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، سميح القاسم ومحمد الفيتوري.
و يُعتبر الشِعر أحد مجالات عالم الأدب والكلمة، وأحد أهمّ الأساليب الأدبية التي يُعبّر من خلالها الإنسان المُثقف أو الموهوب عما يدور في داخله، وما يعتمل في صدره من أحاسيس ورغبات، باستخدام الوصف، وترتيب المعاني، ونظم القوافي، وهناك أنواع كثيرة للشِعر تختلف باختلاف اللغة والثقافة؛ ففي اللغة العربية هناك الشعر العمودي؛ وهو أساس الشعر العربي والأصل الأول الذي انبثقت عنه أنواع الشعر الأُخرى، ويكون مُكوّناً من مجموعة أبيات؛ ويتألف البيت الواحد من المقطع الأول وهو الصدر، والمقطع الثاني وهو العجز، ويخضع هذا النوع من الشعر لعلم العروض الذي يتطلّب وجود وزنٍ وقافية، وهناك الشعر الحرّ ؛ وهو الشعر الذي تخلّص من الوزن والقافية، والشعر الشعبي
ويعرّف الشعر على أنه كلامٌ موزونٌ مقفّى، دالٌ على المعنى، ويكون غالباً أكثر من بيت، وهناك تعريفٌ آخر لمفهوم الشعر: وهو الكلام الذي قصد من تقفيته ووزنه قصداً أوليّاً، أما ما أتى منه عفو الخاطر من كلمات لم يُقصد بها شعراً فلا يقال لها شعراً، حتى وإن كانت موزونة. أما التعريف الذي ذكره ابن خلدون للشعر، حيث قال في معناه: "هو كلامٌ مفصّلٌ قطعاً قطعاً متساويةٌ في وزنها، متّحدةً في الحرف الأخير من كلِّ قطعة، وتسمّى كلُّ قطعةٍ من هذه القطعات عندهم بيتاً، ويسمّى الحرف الأخير الذي تتفق فيه قافيةً، ويسمّى جملةً الكلام إلى آخره قصيدةً وكلمة، وينفرد كلُّ بيتٍ منه بإفادته في تراكيبه، حتّى إنّه كلامٌ وحده مستقلٌ عن ما قبله وما بعده، وإذا أُفردَ كان تاماً في بابه في مدحٍ أو نسيبٍ أو رثاء".
ومن الصور الجمالية للواقع المرير في عصرنا الحاضر المعبر عنه بالشعر قول :
دخل أحد الطلاب مطعما ، فوجد أستاذه الذي درسه .. يعمل طاهياً في المطعم ، فصورها من خلال هاتين القصيدتين .. قال فيهما :
ماذا أقول و قد رأيت معلمي
في مطعم الخضراء يعمل طاهيا
يا ليتني ما عشت يوماً كي أرى
من قادنا للسعد أصبح باكيا
لما رأني غض عني طرفهُ
كي لا أكلمُه ، و أصبح ...... لاهيا
هو مُحرجٌ ، لكنني ناديتهُ
يا من ( أنرت الدرب ) خلتك ناسيا
فأجاب مبتسما و يمسح كفهُ
أهلا بسامي مثل اسمك ساميا
إن كنت تسأل عن وجودي ها هنا
فالوضع أصبح بالإجابة كافيا
قطعوا الرواتب يا بُني و حالنا
قد زاد سوءاً بعد سوءٍ خافيا
الجوع يسكن بيت كل معلم
و البؤس درساً في المدارس ساريا
إن لمتني عما فعلت مصارحاً
فإليك أطرح يا بُنّي ... سؤاليا
إن عُدت للتدريس أين رواتبي؟
أو كيف أُطعم يا رعاك ... عياليا
أو كيف أدفع للمُؤجر حقهُ ؟
إن جاء يطلبني و يصرخ عاليا
أو كيف أشرح للعيال دروسهم
و أنا أفكر كيف أرجع ماشيا
أو كيف أُعطي من تميز حقهُ
وأنا أفكر .. ما عليَّ و ما ليا
الكلبُ أصبحَ سَيٍّداً
و اللٍّصُّ ... أصبحَ ... قاضِيَا
وَ أنا المُعَلٍّمُ .. لَمْ ... أعِشْ
في العمر .. يوماً ... سالِيَا
أفنيتُ عمري في العمل
ما كُنتُ .... يوماً.... عاصِيَا
إن غِبتُ .. يوماً .. مُرغَماً
رَفَعَ ... المُدِيرُ ..... غِيابِيَا
و مُوَجِهي ... إنْ زارَني
ما كانَ .... يوماً ... راضِيَا
سَرَقَ اللُّصوصُ رواتبي
شَلُّوا ... حُقوقي.. وَ مالِيَا
بِنْتي .. تَموتُ مِن الأَلَم
و الإبنُ .. يَمشي حافِيَا
مِن أجلِ أطفالي .. أبيع
عَيني .. وَ قَلبي.. راضِيَا
يا .. مَن ستقرأ قِصتي
أرسِل... إليٍّا ... الشارِيَا
فالعلمُ أصبحَ ... هَيٍّنٌ
و الجهلُ ... أصبحَ .. عالِيَا
من ذا ... يلوم ... مُعَلِماً
إن صار ... يعمل .. ساقِيَا
أو عاملاً ... في .. ورشةٍ
أو في.. المطاعِمِ ..طاهيَا
أو إن .. رآهُ ... بِمسجِدٍ
ماداً... يَديهَ ... وَ باكِيَا
ويقول الشاعر عامر زردة :
يحمل ابنته ( دام الهنا ) ليدفنها
قتلتها طائرات روسيا في تلبيسة حمص:
( دام الهنا ) أدمى فؤادي ذا الكفن
ذقنا الهوان كحنظل طول الزمن
رباه ضاقت كل أرجاء الدنى
فينا وصرنا في الضرام وفي المحن.
وقول للشاعرة فاتن محمد الكردي تقول :
نعشُ الهجرِ
يا عذولي دعكَ من لومي كفى
ذا فؤادي ينزفُ الشّوقَ دما
خانني من ذلّني في حبّهِ
كيفَ يرضى من هوى أن يَظلِما
قد فتنّي غادرٌ يلهو بنا
أبكمُ الاشواقِ لا لن يرحما
ها دموعي ثابرت بي زُخرُفا
صحنُ خدّي بات مجرى مُتخما
جفّ ماءُ العينِ حُزنا حسرة
من جراحٍ قطّعتني أحزُما
اعتلى قلبي أنينٌ كاسرٌ
يقطع النّبض... فصدري أظلما
ذبتُ من فرطِ الهوى هل من دوا
بي حنين عاصفٌ لن يُهدما
حزّ في روحي رحيلٌ متعبٌ
سيلُ اشواقٍ تنادي مجرما
هاتِ نعشّ الهجرِ واكسر عزّه
في مزاري كنتَ عبدا معدما
صبوتي قد أعلنت شوقاً أتى
زائراً كم يبتغي لو َّ ارتمى
في بحور ٍ من هُيام ما اكتفى
يرتوي من شهدِ ثغرٍ مفعما
يا حبيبي عُد وليفا مولَعا
بلسمي كن موطني كن ملهما

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق