الاثنين، 16 سبتمبر 2019

الموشحات الأندلسية ج 2 / بقلم د.غالب القرالة

د.غالب القرالة
الموشحات الاندلسية ج 2:
الموشح :
إن الموشحات الشعرية إنما سميت بذلك لأن تعدد قوافيها على نظام خاص جعل لها جرساً موسيقياً لذيذاً ونغماً حلواً تتقبله الأسماع  وترتاح له النفوس وقد قامت القوافي فيها مقام الترصيع بالجواهر واللآلئ في الوشح فلذلك أطلق عليها (الموشحات) أي الأشعار المزينة بالقوافي والأجزاء الخاصة ومفردها موشح ينظم فمعناها منظومة موشحة أي مزينة ولذا لا يقال قصيدة موشحة لأن لفظ القصيدة خاص بأشعار العرب المنظومة في البحور الستة عشر كما جاءت في علم العروض.
أما منشأه فهناك عدة نظريات نوجزها بما يلي :
أولا :
إن اغلب الباحثين من المستشرقين ( مينيندز بيلينو و ريبيرا و جب  بروكلمان و بنكل  وغيرهم )
والعرب ( يوسف اسعد و بطرس البستاني  و د. عبد العزيز ألاهواني وحنا الفاخوري وغيرهم ...)  وعرف بأن فن التوشح انتقل إلى الأدب العربي من خلال الأغاني الشعبية الإسبانية (  الفلامنكو)
والبروفنسانية اللاتينية التي كانت تعرف بالرومانسية من خلال جماعة الرواة والمغنين المعروفين في فرنسا بالتروبادور وجنكلر من العصر الوسيط ( القرن السابع والقرن الثامن الميلادي ) اشتهروا في غالية وإسبانيا إذ كانوا يطوفون البلاد متنقلين من قصر إلى قصر يقصدون الامراء في المواسم والاعياد ويتغنون باناشيدهم الغرامية وقصص الفروسية في مقاطع غير محكمة الوزن ولا تلتزم فيها القوافي التزاما .
اما الأساس الذي يستندون إليه في نظريتهم هو :
لان قصائدهم ( أسوة بالموشحات ) كانت مغناة
مواضيعها تدور في الغرام والفروسية
غير محكمة الوزن ومختلفة القافية
وجود جوانب مشتركة بين الموشحات والمنظومات التروبادورية حيث نجد في مقطوعة من المقطوعات التروبادورية جزء يقابل الغصن في الموشحة وجزء يقابل القفل ..
ومن نقاط الالتقاء أيضا ان ما يقابل الغصن مع ما يقابل القفل يسمى عند جماعة التروبادور بيتا كما هو الحال عند جماعة الموشحات .
إلا أن هذا الرأي خلق عند البعض رأي معاكس آي دفع بالبعض أمثال المستشرق ( ليفي بروفنسال وبنكل وكراتشوفسكي) ومقداد رحيم ومجدي شمس الدين و لا يستبعدوا ان يكون شعراء التروبادور هم الذين تاثروا بالموشحات حيث كانوا قبل ان يعرفوا فن التوشيح ينشدون منظومات شعرية تتجرد تماما من الوزن والقافية ولا تتضمن من الايقاع الا اتحاد الحروف الأخيرة ويدعمون نظريتهم بما يلي :
إن أول شاعر تروبادوري هو جيوم التاسع أمير بانييه الذي كتب أشعاره بين سنة 1100-1270م أي بعد أقدم الموشحات بأكثر من 200 سنة.
ما ذهبنا إليه من التقارب بين الموشحات وأغاني التروبادور كتقابل الأغصان والأقفال .
  نجد إن هذه الظاهرة غريبة على الشعر الاوربي قبل جماعة التروبادور.
ثانيا :
والبعض الآخر أمثال ابن بسام و ابن خلدون و أحمد حسن الزيات و طه حسين و مارون عبود و إبراهيم أنيس ...وغيرهم يعتقدون أن فن التوشيح هو مشرقي المنشأ أي عربي وينسبونه إلى مقدم بن معافر الفريري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني هو أول من كتب الموشح وكان ذلك في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي واخذ عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه  صاحب كتاب العقد الفريد ويوسف بن هارون وعبادة بن ماء السماء إلا أنهم لم يظهر لهم ذكر .. ومنهم من يعتقد أن الشاعر العراقي ابن المعتز  ) هو أول من أنشأ هذا الفن بقوله :
أيها   الساقي إليك المشتكي
قد   دعوناك وان لم تسمع
ونديم   همت في غرته
قد   دعوناك وان لم تسمع
وشربت   الراح من راحته
قد   دعوناك وان لم تسمع
كلما   استيقظ من سكرته
قد   دعوناك وان لم تسمع
ثالثا:
البعض منهم وخاصة د. عبد العزيز الاهواني يعتقد بان الموشحات أعجمية لوجود ألفاظ أعجمية أي خرجات أعجمية وهذا ما سينقلنا إلى عدة احتمالات هل هي أندلسية أم فارسية أم سريانية .. ؟
من يدرس الموشحات سيجد ان كثير من الوشاحين (وحتى غير الوشاحين امثال ابونواس ) يخرجون قصائدهم بابيات لاشهر الشعراء من العرب والاجانب أو الفاظ دخيلة إلا أنها قد تكون مالوفة لديهم . حيث روى أبو فرج الاصفهاني مقطعة من أربعة ابيات لإبراهيم الموصلي يصف بها خمارا ختمها بالبيت الاتي فقال ( إزل بشينا ) حين ودعني وقد لعمرك زلنا عنه بالشين نجد ان الشاعر استخدم مفردات سريانية كعبارة ( ازل بشينا ـ إزل بشينا ) بمعنى اذهب بسلامة وكذلك (اّزلنا . زِلنا ) بمعنى ذهبنا و(بشينا ـ بالشين) بمعنى بالسلامة .
رابعا :
وآخرون يعتقدون أمثال الأستاذ مقداد رحيم إن الموشحات التي نسمعها اليوم مغناة بشكل جماعي ليست أندلسية في طريقة الغناء والألحان بل هي مشرقية . فهي مزيج من الحان مشرقية والحان أندلسية كنسية . ويعتقد الأستاذ مقداد إن الموشحات كانت في السابق يغنيها شخص واحد مع جوقة تردد بدلا من جوقتين ... كما يعتقد أن الموشحات مرت بثلاث ادوار وما وصلنا منها كانت بالدور الثالث أي متكاملة.
خامسا :
هناك من يذهب أمثال المستشرق فيليكروسا بان الموشحات العربية قد تأثرت بالموشحات العبرية
سادسا :
أما الأستاذ سلمان علي التكريتي يقول : ولا نغالي إذا قلنا ان الموسيقى السريانية بواسطة الكنيسة الشرقية قد تمكنت من فرض فنية ترانيمها الشرقية على عموم أوربا عن طريق مدرسة الرها ونصيبين  وان الموسيقى الأندلسية والموشحات الأندلسية هي موسيقى الكنيسة الشرقية التي انطلقت من وادي الرافدين وبلاد الكنعانيين والفينيقين وشبه الجزيرة العربية ويعتقد الأستاذ سلمان علي بان الموشحات الأندلسية في المشرق العربي ( سوريا و العراق, ,  لبنان و الأردن و مصر قد تأثرت تأثيرا واضحا بايقاعات الغناء الشعبي من ناحية وتأثيرات الموسيقى التركية من ناحية ثانية فافتقدت الموشحات الأندلسية في المشرق العربي ميزتها التراثية الأصلية لكننا نجد العكس في المغرب العربي ( تونس و المغرب و الجزائر) إذ ان الموشحات الأندلسية صارت هي الأساس الذي يستلهم منه الغناء الشعبي لان الموشحات في الاصل كانت هي الغناء الشعبي والتقليدي في ان واحد والدليل على هذه الاصالة والنقاء هو قربها ومشابهتها لاداء الغناء الكنسي المشرقي الذي ما زال يؤدي على شاكلته على مر القرون ومنذ ظهوره وخلال تطوره باسلوب مار افرام .
سابعا :
إن الموشحات هــــي مشرقيـــة الأصل ذات جذور كنسية سريانية  فهذا الفن وجد في الأدب السرياني قبل أن يوجد عند جماعة التروبادور والجنكر بقرون ويرجع السبب في ظهوره في الأندلس بدلا من العراق وبلاد الشام :
كون بغداد والشام هي مركز الخلافة الإسلامية وكان الأدب العربي لايزال يشكل امتدادا لببيئته الصحراوية في الجزيرة وكان تمسك الخلفاء بتراثهم وانشغالهم في الفتوحات أدت إلى عدم تشجيعهم لأي قصيدة تخرج من اطارها التقليدي .
  أما الأندلس فلبعدها عن المركز وانفتاحهم على مجتمع شاع فيه الترف واللهو والغناء شيوعا عظيما أضعفت سيطرتهم لا بل جذبتهم الطبيعة الأندلسية وجعلتهم ينسون طبيعتهم الصحراوية وأوزانها التقليدية الآمر الذي أدى بالأمراء في الأندلس إلى تشجيع هذا اللون من الشعر .
فبدأت حركـــة التحرر في القـرن الحادي عشـــر فأخذ الشعراء العرب يمثلون بيئتهم الجديدة من غير أن يهملــــوا التقليـــد إهمالا تامــا أمثال الشاعر ابن زيدون وابن عمار والمعتمد بن عباد وغيرهم .
نشأة الموشحات الأندلسية :
عند النظر إلى مصادر دراسة الموشحات تنقسم إلى مجموعتين :
مغربية وشرقية
أما المصادر المغربية  : فأنها تمدنًا أساسًا بقدر وفير من النصوص ولكنها لا تتضمن إلا معلومات ضئيلة عن البناء الفني للموشحات  بالإضافة إلى أن عددًا من المؤلفات الأدبية التاريخية الأندلسية تجاهل هذا الفن تمامًا أو اكتفى بتقديم إشارة عابرة عنه .
أما كيف انتقل هذا الفن من المدراس السريانية إلى الموشح العربي فيكون:
من خلال المدارس والجامعات السريانية في الكنائس والاديرة التي كان يتلقى فيها الكثير من الأدباء والمفكرين العرب علومهم فيها ومن بينها المداريش والسوغيتات ومن خلال ما نقله المترجمون السريان من الآداب والعلوم السريانية إلى العربية .
فتشبعت الاذن العربية بهـــذه التراتيل التي كانت ترتل باستمرار في الكنائس والاديرة بالحان شتى .
وكانت بغداد ودمشق  زاخرة بشعر عربي أصيل يشكل امتدادا للشعر في الجزيرة ويتطرب بنغمات المدينة الحاضرة  فليس من المستبعد أن تكون بغداد ودمشق قد شقت طريقها نحو التجدد الشعري وكان محقا من اعتبر بشار بن برد وأبا نواس ومسلم بن الوليد أول دعاة التجديد  في حين كان الشــعر في الأندلس لا يجـرؤ ان يـذرع مثـل هــذه الخطـوات لانشغال العرب هناك بالدفاع عن انفسهم والتفكير بالتوســـع  الا في اواخر عهد الإمارة الأموية في القرن العاشر الميلادي.
فليس مستبعدا ان تكون هناك عشرات الموشحات تغنى سرا أو علنا في العراق أو الشام واختفت لعدم تشجيعها من قبل الخلفاء.
  عندما دخلت الجيوش العربية الإسلامية بلاد الأندلس واستقرت هناك كان من بينهم أو من بين الذين توافدوا إليها لاحقا الكثير من الأدباء الذين تلقوا علومهم في المدارس السريانية في العراق أو بلاد الشام فنقلوا معهم اشعارهم وافكارهم التجددية في الشعر فعندما سنحت لهم الفرصة اظهروها هناك . حيث كانت العلاقات وثيقة بين طرفي العالم العربي  والرحالة الكثيرون يذهبون إلى الشرق للتزود بعلمه وياتون إلى الأندلس طلبا للرزق أو الشهرة .
فوفد زرياب ( تلميذ اسحق الموصلي )إلى الأندلس عام 822 م وكان له اثر بليغ في فن الغناء والموسيقى وجلبت المغنيات من الشرق فحملت معها إلى الأندلس فنها وادبها ومن أشهر هؤلاء المغنيات القيان قمر البغدادية .
  ومن المحتمل ان يكون هذا الفن قد انتقل إليهم من خلال اليهود القاطنين في بلاد الأندلس ( كما يقول المستشرق فيليكروسا ) الذي انتقل إليهم هذا الفن من الأدب السرياني حيث استمدوا (اليهود) الكثير من ادابهم وعلومهم من السريان كما يقول بذلك الباحث إسرائيل ابراهام . ومن الأسباب التي دعتني إلى ذلك :
  ان الجيوش الإسلامية احتلت بلاد الأندلس سنة 711م ودامت الدولة الإسلامية هناك حتى سنة 1492 في حين ان أقدم الموشحات ظهرت فـــي القرن العاشر أو الحادي عشر . في حين كان احتكاك المفكرين والأدباء العرب في المشرق منذ القرن السابع الميلادي حين نزلوا إلى ساحات العمل في التأليف والترجمة جنبا إلى جنب اخوانهم السريان .
  كانت باستطاعة الاذن العربية ان تتقبل اللغة السريانية وادابها والحانها بصورة أسهل بكثير من تقبلها للغة اعجمية بعيدة كل البعد عن لغتها وتراثها .
ان ما يجمع من صفات مشتركة بين المدراش السرياني (القرن الثالث الميلادي) والموشحات العربية (القرن الحادي عشر) يجعلنا نؤكد جازمين أن الموشح مشرقي الاصل سرياني المولد  فالمدراش الذي هو عبارة عن منظوم جدلي في قالب شعري يمثل النوع الغنائي من الوزن يمتاز به
يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق