السبت، 15 أغسطس 2026

من وصايا القضاة /بقلم الأديب السعيد عبدالعاطي مبارك الفايد

من وصايا القضاة /
بقلم السعيد عبدالعاطي مبارك الفايد - مصر ٠
" اللهم إنك تعلم أنني لم أجر في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمدًا، وقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك، وكلما أشكل علي أمر جعلت أبا حنيفة بيني وبينك".
( قاضي القضاة شريح )

" لولا عياض لما عُرف المغرب" 
٠٠٠٠٠٠
في البداية عندما نتكلم عن القضاة نجد أن القاضي هو ميزان العدل على الأرض و ينال احترام عن الولاة و عامة الشعب ، و ما أجمل القاضي الذي لا ينتمي إلا للنظر في الأحكام و الأصول و يحكم بين الناس دون ميول و اتجاهات اجتماعية و دينية و سياسية يبتغي بها وجه الله تعالى بعيداً عن عرض الدنيا ٠
و من ثم قد عرفنا قضاة كُثر في ظل الشريعة الإسلامية، و قد مارس هذا الدور بعض الخلفاء منذ الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب و الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجه ، و القاضي أبو الدرداء عويمر بن زيد أول قاضي في المدينة المنورة ٠
و الصحابي معاذ بن جبل كان في الفقه أعلم الأمة في الحلال و الحرام ، و غيرهم كثيرون ٠
و قد تربوا في مدرسة النبوة ، فعلموا منطق الحق ببصيرة مستنيرة ٠ 
و كان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمثل القضاء في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم و من بعده ، و له منهج عمر في التشريع من الكتاب و السنة و الاجتهاد ٠٠
و كان سيدنا عمر الفاروق يعجب بالشاعر الجاهلي ( زهير بن أبي سلمى ) ٠
و يقول عنه هذا قاضي الشعراء و حكيمهم - زهير بن أبي سلمى - في العصر الجاهلي :
لو أدركته لوليته منصب القضاء ، حيث قسمه إلى جلاء أو يمين أو نفار !٠
و بهذا الرأي القضية لا تخرج عن هذه الثلاثة ٠

و نحاول في تلك السطور أن نتوقف مع بعض النماذج و مواقفهم النبيلة و وصاياهم الخالدة ٠
مثل : القاضي شريح و القاضي أبو يوسف و القاضي عياض ٠٠
و القاضي أبو الدرداء عويمر بن زيد ، و هو الصحابي الجليل، وهو أول من تولى منصب القضاء في المدينة المنورة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
و من مواقفه فقد عُرف بالورع الشديد والزهد حتى إنه استقال من القضاء عندما رأى شدة تقلب القلوب في أمور الدنيا والمال ٠

= منصب قاضي القضاة :
قاضي القضاة هو منصب قضائي إسلامي رفيع في عصر الدولة العباسية ٠ 
ابتكره الخليفة العباسي هارون الرشيد وقلده للإمام أبي يوسف لأول مرة لتنظيم شؤون القضاء وفصله عن السلطة التنفيذية. 
عُين الإمام أبو يوسف كأول قاضي قضاة في التاريخ الإسلامي على مذهب الإمام أبي حنيفة و لا سيما في القضاء الشرعي ٠ 
= بين القاضي عياض و القاضي أبي يوسف :
القاضي عياض والقاضي أبو يوسف هما من أعظم أعلام القضاء والفقه في التاريخ الإسلامي، ويشترك كل منهما في مكانة علمية رفيعة أثرت الفقه والأدب، حيث عُرف أبو يوسف بريادته في المذهب الحنيفي ومنصب قاضي القضاة، وبرع القاضي عياض في الحديث وعلوم المالكيّة وأدب السيرة النبوية.

= شريح القاضي :
هو شريح بن الحارث الكندي (شريح القاضي) ٠
يُعد أشهر قضاة الإسلام وأطولهم بقاءً في منصبه. 
ولاه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قضاء الكوفة، واستمر فيها نحو ستين عاماً في عهد عمر وعثمان وعلي ومعاوية وغيرهم رضي الله عنهم. 
مواقفه: اشتهر بقصته الشهيرة في المساواة أمام القضاء حين خاصم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يهودياً في درع، فلم يُحابِ الإمام عليّاً لشرفه، بل طلب البينة.
( زواجه من زينب )
التقى القاضي شريح بالإمام الشعبي وأثنى على عقول نساء بني تميم.
رأى زينب بنت حدير وأعجب بأدبها وهيئتها فخطبها وتزوجها. 
وصية زينب وخطبتها لزوجها ٠٠
دخل عليها شريح وصلى ركعتين وسأل الله خيرها. 
قامت زينب وحمدت الله وأثنت عليه ثم قالت:
"إنما أنا امرأة غريبة لا أعرف أخلاقك، فما أحببتَ فاحببه إليّ وما كرهتَ فاجتنبه عليّ " ٠
فرد في حكمة بالغة :
"إنه قد كنفني وإياك حدّ الاجتماع، فما رضيتُ فارضَه، وما كرهتُه فاجتنبْه " ٠
مع حكمة أم الزوجة :
جاءت أم زينب في رأس كل حول (عام) توصي شريحاً بالرفق بابنتها وتحذيره من إساءة المعاشرة.
أثنى شريح على أدب الزوجة وأمها وحسن تربيتها. 
مكثت زينب مع شريح عشرين عاماً كاملة سادها الوئام ولم يغضبه منها شيء قط.
عندما كان له جار يضرب امرأته، قال شريح مبيناً حاله مع زوجته: 
رأيت رجالاً يضربون نساءهم  فشُلت يميني حين أضرب زينبا
فزينب شمس والنساء كواكب 
 إذا طلعت لم تبد منهن كوكبا ٠
وما وجدت من حسنة فانشريها، وما وجدت من سيئة فاستريها.
وما وجدت من سيئة فاستريها.
قالت: كيف نزور أهلي وأهلك؟
قال: نزورهم غباً، من حين إلى آخر، مع انقطاع بين الحين والحين، لئلا يملون.
وفي الحديث الشريف:
" زر غباً تزدد حباً  " رواه الترمذي ٠
قالت: فمن من الجيران تحب أن أسمح لهن بدخول بيتك ومن لا تسمح؟
قال: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم غير ذلك.
ومضى عليّ عام عدت فيه إلى البيت فإذا أم زوجتي عندنا- جاءت بعد سنة - فرحبت بها أجمل ترحيب، وكانت قد علمت من ابنتها أنها في أحسن حال.
قالت لي: يا أبا أمية كيف وجدت زوجتك؟
قلت: والله هي خير زوجة.
قالت: يا أبا أمية! 
ما أوتي الرجل شراً من المرأة المدللة فوق الحدود، فأدب ما شئت أن تؤدب، وهذب ما شئت أن تهذب، ثم التفتت إلى ابنتها تأمرها بحسن السمع والطاعة.
ومضى علي عشرون عاماً لم أجد ما يعكر صفائي، إلا ليلة واحدة كنت فيها أنا الظالم. 

= مع وصية القاضي شريحة في حق الشهود :
كان يسأل عن الشهود في السوق وفي المدينة لتقييمهم، وإذا أحسّ أنّهم يكذبون قال لهم :
«أنا سأقضي لك، وأظنّك كذّاب، لكن لا أستطيع أن أحكم بالظّنّ، والشّهود معك، لكن اعلم أنّ حكمي لك لا يحوّل الباطل حقّاً ولا الحقّ باطلاً، وستقف بين يدي الله يوم القيامة» ٠

= القاضي أبو يوسف :
هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي (توفي 182 هـ).
و قد توفى أبو يوسف وهو يقول :
 " اللهم إنك تعلم أنني لم أجر في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمدًا، وقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك، وكلما أشكل علي أمر جعلت أبا حنيفة بيني وبينك".
مكانته العلمية: 
أبرز أصحاب الإمام أبي حنيفة وتلميذه النجم الذي ساهم في نشر مذهبه وتدوينه.
تولى القضاء في بغداد ٠

= مع وصية القاضي أبي يوسف :
قال عند الوفاة معلنا التبرؤ من الجور وهو يحتضر: 
"اللهم إنك تعلم أني لم أجرِ في حكم حكمتُ به بين اثنين من عبادك متعمدًا ٠ ولقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك ٠ وكل ما أشكل عليّ جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، وكان عندي والله ممن يعرف أمرك ولا يخرج عن الحق وهو يعلمه ٠ كل ما أفتيت به فقد رجعتُ عنه إلا ما وافق كتاب الله وسنة رسوله ٠ يا ليتني متُّ على ما كنتُ عليه من الفقر، وأني لم أدخل في القضاء، على أني ما تعمدت بحمد الله جورًا " ٠

= القاضي عياض :
( لولا عياض لما عُرف المغرب )
هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المراكشي (476 - 544 هـ).
مكانته العلمية: 
إمام المحدثين وقاضي سبتة ثم غرناطة، وهو علم من أعلام المغرب والأندلس، واشتهر بمقولة أهل المغرب عنه: "لولا عياض لما عُرف المغرب".
الإنجازات والمنصب: تولى قضاء مدينة سبتة ثم غرناطة، عُرف بنزاهته وحفظه العظيم للحديث والفقه المالكي. 
= مع وصية القاضي الفضيل بن عياض :
و من وصايا الإمام الفضيل بن عياض التي تشتهر في كتب الأدب والرقائق، فإن من أبرزها وصيته للرجل الذي بلغ الستين من عمره: 
قال له: "كم أتى عليك؟" فقال: ستون سنة.

قال: "فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ".

فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فقال الفضيل: "أتعرف تفسيره؟ من عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع، عرف أنه موقوف، ومن عرف أنه موقوف، عرف أنه مسؤول، فليعد للسؤال جواباً".

فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: "يسيرة؛ أتقن ما بقي يغفر لك ما قد مضى وما بقي " ٠

و أخيرا ً هذه كانت صفحة مضيئة من حياة قضاة الإسلام ، قدمنا منها صور و نماذج ثلاثة : القاضي شريح و القاضي أبو يوسف و القاضي عياض ، و من ثم قد نقشوا فصولها بالعدل و الحكمة و الإفتاء الشرعي ، و رسموا خريطة القضاء الشامخ على أُسس سليمة و أصول و أحكام نشرت المساواة دون تسلط السلطة لصالح الحق و طمأنينة الناس في بداية الدولة الإسلامية و في الفتاوى يرجع إليهم في عصرنا المعاصر ٠
و على الله قصد السبيل ٠

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق