«ولا ننجو»
طاهر عرابي
دريسدن، 16.08.2026
⸻
لا أحنّ لشيءٍ،
ولا لضوءٍ يكشفُ للغافلين أني موجودٌ
كما يشتهون.
ولا أشتاقُ إلى ما يسكنُ في طبقاتِ العتمة؛
هناك، حيث لا تُغفرُ الخطيئة،
بقاءٌ يقطرُ ذنبًا على المروءة،
ويستجيبُ فيها الرمادُ للسواد.
غريبةٌ تلك الحياة؛
فيها من التقلّب أكثرُ مما نشتهي.
مطموسينَ في تشتّتٍ ثابتِ المسير،
وكأننا أسماكٌ في الوحل،
يتوافدُ إلينا الصيّادون
بأذرعٍ تعرفُ الطريقَ إلى الرقاب.
وكأن للحريةِ منبعًا
في ثقبٍ أسود.
تلفّتُّ في قاعِ الوحل،
فلم أرَ سوى قوافلِ الزهد،
وحكمةٍ للبائسين؛
نُجاورُ الرحيل،
ولا ننجو.
لسنا غرباءَ في مهدنا،
لكننا تغرّبنا عن اليقين،
نرى الضياعَ يتسلّقُ المصابيحَ في الطرقات.
لا أبالغُ؛
نمضي في طريقٍ واحد،
ولا ندري أين نقف.
لا بديلَ للشقاء
سوى شقاءٍ مقبول.
طال الغياب،
حتى صار للشقاء عتبةٌ وباب.
كيف لي أن أنظرَ إلى الأفقِ المخصيّ،
وأنتظرَ منه الإنجاب،
وكلُّ من حولي يرى في الحبِّ وليمةً
لغذاءِ السقوط؟
يا خيبةَ الإنسان،
كيف هجرتِ التفاؤل،
وتزوّجتِ من الحيرة،
كأنها تلدُ عُقمَ الزمن؟
يا حيرةَ الزرافة
حين تُطلُّ على الفئران؛
مخلوقاتٌ، أم زهرٌ يتفتّح
من حجرٍ تدحرجه الريح؟
يهجرونك من وطنٍ،
ويسلّمونك إلى معتقلٍ
لا ينجو منه العقل،
فلا داعيَ أن تبحث عن القِبَل؛
فحين تضيق الجهات،
يصير كلُّ طريقٍ بابًا إلى الجدار؛
والجدارُ لا يشبه السجن،
يشبه الأنفاسَ
بصفيرٍ مُرهق.
أسماكٌ تُجيدُ التخفّي في الوحل،
وتخبّئ بهجتَها
في انتظارِ مطرٍ قادم.
ونحن نُجيدُ الصمت،
وننتظرُ كلماتٍ
لا تشبهُ إلا اليقظة.
يا زُورًا ترجموك شفقةً،
ويا حُبًّا سلّموك للجلّاد.
يا تفّاحةً استقرّت في حلقي،
إلى أين المفرّ،
وسُكّرك يصرخُ في دمي؟
حاصرتِ الحيرةُ لساني؛
أمسكُ بالحبّة،
وأصرخ.
يا حقبةَ النسيان، لا تنسيني،
وأنا كنتُ فيكِ
البريءَ والجاني.
أيَّ ألمٍ ترجوه،
لتبقى حيًّا
على صفيحٍ لا يبرد؟
اللغةُ صفيحٌ لا ينطوي
إلا بفراغٍ
يسكنه الصمت.
كلّنا سنلتقي في مكانٍ واحد،
ولم يخرجْ منه صوت؛
كلُّ البطولات
توقّفت عند ترابه،
والأحياء ينسون
لونَ الأرض الأخيرة.
ط. عرابي -دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق