السبت، 15 أغسطس 2026

نساءٌ من تونس... حكايةُ قلبٍ لا يعرفُ الغُربة✮✮✮ الأديبة نوال إدريس أبخاطرة

نساءٌ من تونس... حكايةُ قلبٍ لا يعرفُ الغُربة

حين تُسألُ الروحُ عن أوطانها، لا تُشيرُ إلى خريطةٍ ولا تتلو اسمَ عاصمة؛ بل تفتحُ دفاترَ القلبِ المطويّةَ على وجوهٍ منحتها دفءَ الانتماءِ حيثُ لا انتماء. وفي يومِ المرأةِ التونسية، إذ طُلبَ مني أن أذكرَ امرأةً تونسيةً تركتْ في حياتي أثرًا، وجدتُني أمامَ سماءٍ مزدانةٍ بكواكبَ لا يُغني بعضُها عن بعض؛ فعجزَ لساني عن اختزالِ الحكايةِ في اسمٍ واحد، لأنّ الغربةَ — تلك المعلمةَ القاسيةَ — لم تمنحني صديقةً واحدة، بل وهبتني كوكبةً كاملةً من نساءِ تونس، لكلٍّ منهنّ حضورٌ لا يُشبهُ الآخر، وحكايةٌ تنبضُ على إيقاعٍ خاص.
فكان هذا المقالُ شهادةَ وفاءٍ وعرفان، أخطُّها بمدادِ القلبِ لا بمدادِ القلم، لأرواحٍ جميلةٍ جعلتْ من الغربةِ وطنًا ثانيًا، وأثبتتْ أنّ الأخوّةَ الإنسانيةَ أوسعُ من الجغرافيا، وأبقى من الزمن.
في مطلعِ الغربةِ، وفي غمرةِ الحنينِ القاتلِ للأهلِ والوطن، جمعني القدرُ بسمر. وحين قيلَ لي إنها من تونس، اهتزَّ في داخلي وترٌ من فرحٍ غامر؛ وحين قيلَ لها إنّ رئيستَها في العملِ ليبيةٌ، أشرقَ وجهُها بابتسامةٍ صادقةٍ وقالت: «ليبيةٌ معناها تونسية». فكان جوابي على البديهة: «والتونسيةُ معناها ليبية».
وكأنّنا لم نلتقِ في منافي الغربة، بل تصافحنا في وطنٍ ثالثٍ اسمُه المحبّة، لا تؤثّثهُ الحدودُ ولا تقيّدُه الجوازات.
كانتْ سمرُ منسّقتي في العمل، وقد سبقتني إلى بلادِ المهجرِ بسنواتٍ عِدّة، فما بخلتْ عليّ بما اكتسبتْ من خبرةٍ ومعرفة؛ أخذتْ بيدي لأفهمَ قوانينَ العملِ ودهاليزَه، وأستوعبَ تفاصيلَ حياةٍ مهنيةٍ كانت جديدةً عليّ. كانتْ زميلةً ومعلّمةً وأختًا وصديقة، لكنّ العلاقةَ سرعانَ ما تجاوزتْ حدودَ الوظيفةِ إلى ما هو أعمقُ وأبقى.
فتحتْ لي سمرُ وزوجُها بيتَهما قبل قلبَيهما؛ فلم أشعرْ يومًا بينهما بغربة، إذ رآني زوجُها أختًا له، وعاملتني هي كأختٍ وصديقةٍ تفيضُ حنانًا. وقفتْ إلى جانبي في السرّاءِ والضرّاء، وكانتْ سندًا في أحلكِ الظروفِ وأقساها.
واليومَ، بعد أكثرَ من أحدَ عشرَ عامًا من صحبةٍ لم تُكدّرها الأيام، ما تزالُ سمرُ تناديني: «يا أستاذة»، وما تزالُ تذكرُ أنّي كنتُ مديرتَها ورئيستَها في العمل. وهذا التفصيلُ الصغيرُ يحملُ في نفسي معنى كبيرًا؛ فهو مرآةُ وفائِها النادر، ودليلُ معدنِها الأصيلِ الذي لم تُغيّرْه السنون ولا قرابةُ الصداقةِ وطولُها.
واليوم، وأنا أودّعُها وهي عائدةٌ إلى تونسَ عودةً نهائية، أشعرُ بثقلِ الفراقِ وقد طبعَ في صدري غصّةً لا تشبهُ غيرَها، لكنّني أعرفُ أنّ من سكنَ القلبَ لا يُودَّعُ حقًّا؛ بل يبقى حاضرًا وإن غاب.
كلُّ عامٍ وأنتِ بخيرٍ يا سمر، وكلُّ عامٍ وأنتِ فخرٌ لتونس، وقدوةٌ لي، وسندٌ لكلِّ من تضعُهُ الحياةُ في طريقِك.
ثمّ عرفتُ سماح، ولم تجمعْنا جلسةٌ ولا مكانٌ واحد؛ كان لقاؤُنا عبرَ الأثير، حيثُ لا وجوهَ ولا مصافحات، لكنّ بعضَ الأرواحِ لا تحتاجُ إلى لقاءٍ مباشرٍ كي تتركَ أثرَها. عرفتُها في مرحلةٍ كان القلبُ فيها بحاجةٍ ماسّةٍ إلى نافذةٍ يتسرّبُ منها بعضُ الضوء، فجاءَ حضورُها هادئًا كنسمةِ فجر، لكنّه كان عميقًا كجرحِ الذاكرةِ الأولى.
لم تكنْ سماحُ قريبةً منّي بالمكان، لكنّها كانتْ قريبةً بالروح؛ وكأنّ المسافةَ بيننا لم تكنْ تُقاسُ بالكيلومترات، بل بما تتركُهُ الكلمةُ الصادقةُ من أثرٍ لا يزول. وربّما لهذا بقيَ حضورُها في ذاكرتي أكبرَ من كثيرٍ من اللقاءاتِ التي جمعتني بوجوهٍ رأيتُها وعرفتُها عن قرب؛ فقد علّمتني أنّ بعضَ الناسِ نعبرُ إليهم عبرَ الأثير، فيصلونَ إلى القلبِ مباشرةً دونَ استئذان.
أمّا ريما، فقد جمعتني بها الحياةُ في مرحلةٍ عابرة، ولقاءٍ عابرٍ لم أكنْ أعلمُ أنّه سيتركُ في ذاكرتي كلَّ هذا الأثر. مضتِ الأيّام، وتباعدتِ المدن، وانقطعَ التواصلُ بيننا أحيانًا، لكنّ الصداقةَ الحقيقيةَ لا تقيسُها المسافاتُ ولا تُنهيها فتراتُ الغياب.
كانتْ ريما من أصدقِ النساءِ اللواتي عرفتُهنّ؛ إنسانةٌ شفّافةٌ كنافذةِ صباح، لا تحتاجُ إلى كثيرِ كلامٍ حتى تشعرَ بما يعتملُ في قلبِك. كانتْ دمعتُها تسبقُ كلماتِها حين تحسُّ بألمِ من تحبّ، وكأنّ وجعَ الآخرين يصلُ إلى قلبِها قبلَ أن يصلَهُ حديثُهم. وفي إحدى اللحظاتِ التي كنتُ فيها بحاجةٍ ماسّةٍ إلى من يقولُ لي إنّني لستُ وحدي، جاءتْ هي وصديقتُها راوية من مدينةٍ تبعدُ عنهما قرابةَ الساعتين، فقط لتقولا لي بصدقٍ يفيضُ حنانًا: «لستِ وحدكِ... نحنُ معكِ».
ذلك الموقفُ وحدَه كان كافيًا ليجعلَ لريما وراويةَ مكانًا خاصًّا في ذاكرتي، وليؤكّدَ لي أنّ بعضَ الصداقاتِ تبدأُ من لقاءٍ عابر، ثمّ تتحوّلُ مع الأيّامِ إلى أثرٍ لا يُعبَر.
وهناك رحمة، الكاتبةُ والمثقّفة، التي رأيتُ فيها نموذجًا آخرَ للمرأةِ القويّةِ التي تصنعُ ذاتَها بنفسِها. امرأةٌ راقيةٌ مكافحة، استطاعتْ أن تبنيَ اسمَها ومكانتَها في الغربة، وأن تجعلَ من استقلالِها وعزيمتِها مصدرَ إلهام، دونَ أن تفقدَ رِقّتَها وإنسانيتَها.
وهؤلاءِ لسنَ كلَّ النساءِ التونسياتِ اللواتي عرفتُهنّ؛ فهناك أسماءٌ أخرى، ومواقفُ أخرى، ووجوهٌ جميلةٌ مرّتْ في رحلتي وتركتْ خلفَها شيئًا يستحقُّ أن يُذكر. لهذا، حين أفكّرُ في المرأةِ التونسية، لا أجدُ اسمًا واحدًا يمثّلُها في ذاكرتي، بل أرى هذه الكوكبةَ أمامي: سمر، سماح، ريما، راوية، رحمة... وغيرهنّ ممّن مررنَ في حياتي وتركنَ فيها خيرًا لا يُنسى.
إليكنّ جميعًا أقول، بلسانِ قلبٍ يفيضُ امتنانًا:
شكرًا لكلِّ يدٍ امتدّتْ في وقتِ الحاجة، ولكلِّ كلمةٍ جاءتْ في لحظتِها، ولكلِّ موقفٍ جعلني أشعرُ أنّني لستُ وحدي في الغربة.
لقد كنتنَّ بالنسبةِ لي أكثرَ من صداقاتٍ عابرة؛ كنتنَّ وجوهًا منحتِ الغربةَ شيئًا من دفءِ الوطن، وأثبتنَّ لي أنّ الإنسانَ قد يجدُ أهلَهُ بعيدًا عن أهلِه، وأنّ الأخوّةَ الحقيقيةَ لا تحدُّها حدودٌ ولا جنسية.
وأتمنّى أن تبقى المرأةُ التونسيةُ، كما عرفتُها في أجملِ نماذجِها، معتزّةً بأصلِها، محافظةً على كرامتِها، متمسّكةً بأخلاقِها، حريصةً على أن تكونَ صورتُها انعكاسًا جميلًا لبلدِها وأهلِها. فالمناصبُ تزول، والألقابُ تتغيّر، والظروفُ لا تثبتُ على حال، أمّا الأخلاقُ فتبقى، والسمعةُ الطيّبةُ عمرٌ آخرُ للإنسان.
وأنا اليومَ، كصديقةٍ لهذه الكوكبةِ البهيّة، أقولُ لكنَّ من القلب:
كلُّ عامٍ وأنتنَّ بخير.
كلُّ عامٍ وأنتنَّ فخرًا للمرأةِ التونسية.
وكلُّ عامٍ وتونسُ بخير، تلك البلادُ التي أحببتُها أكثرَ من خلالكنّ.
سيبقى لكنَّ في ذاكرتي مكانٌ لا تطويهِ المسافات، ولا تُغيّرُه الأيّام.
بقلم: نوال إدريس أبخاطرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق