يَخْذُلُني حَصادُ أَيّامِك
يَخْذُلُني حَصادُ أَيّامِكِ...
كلّما مددتُ يدي إلى سنينكِ،
عادَتْ إليَّ يدي
ممتلئةً بالأنين،
كأنَّ الحقلَ الذي زرعتُهُ فيكِ
كان يعرفُ المطرَ،
ولا يعرفُ الثمر.
وفي غَبَشِ الصباح،
كان طائرٌ وحيد
ينقّرُ نافذةَ الغياب،
يوقظُ في الزجاج
وجهًا قديمًا لي،
ثم يطير...
كأنّه لم يجد في الذاكرة
غصنًا يصلح للوقوف.
كانت خدودُ السنابل
تُخفي ارتعاشَها تحت الريح،
وكانت سنابكُ ذنبكِ
تدوسُ على آخر أقحوانةٍ
حاولتْ أن تقول:
ما زلتُ عفيفًا
رغم هذا الربيع الملطّخ.
يا امرأةً
كان نهوضُها من نهديها
يوقظُ في الليلِ
نهودَ القصائد،
ثم يتركُها عاريةً
على حافةِ المعنى.
كنتِ تقتربين...
فيبردُ دمي،
وتبتعدين...
فيصيرُ البردُ بارودًا،
وتنفجرُ المسافة
في عروقي
دون أن يسمعَ أحد.
حتى الباعوض
كان أكثرَ وفاءً منكِ؛
يعودُ كلَّ ليلة
إلى موضعِ دمي،
وأنتِ...
لا تعودين.
علّقتُ شراشفَ انتظاركِ
على حبلِ الريح،
فجاء الليل
ينشرُ عليها رائحةَ الرحيل،
وجاء القمر
يفتّش في أطرافها
عن جسدٍ لم يعد هنا.
وفي صباحٍ بلا صباح،
مرّتِ الأضاحي
بأعناقٍ مطأطئة،
فخفتُ أن يكون الحبُّ
قد تعلّمَ أخيرًا
طقوسَ الذبح.
قلتُ للسنابل:
مَن سرقَ حصادي؟
فأشارتْ إلى الريح.
قلتُ للريح:
مَن بدّدَ عمري؟
فأشارتْ إلى الغياب.
وحين سألتُ الغيابَ
عن اسمكِ،
ابتسم...
ومن ابتسامته
سقطتْ سنبلةٌ واحدة
في قلبي.
انحنيتُ لألتقطها،
فوجدتُها ليست سنبلة...
بل سنةً كاملة
من عمري.
ومنذ ذلك الحين،
كلما أزهرَ الربيع
أُغلِقُ نافذتي،
وأتركُ للطائرِ
أن يغنّي وحده...
فأنا أخشى
أن يجيءَ الصباحُ يومًا
بحصادٍ جديد،
فأكتشفَ أنَّ الذي خذلني
لم تكن أيّامُكِ...
بل يدي
التي ظلّتْ تزرعكِ
في أرضٍ
لم تكن لي.
Helmy Abohegab
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق