«الزوال»
طاهر عرابي
دريسدن، 09.08.2024 | نُقّحت في 17.08.2026
——-
في لحظاتٍ يائسةٍ من نهارٍ متثاقل،
لم نطلبْها، ولم نشكُها،
لكنّها تسلّلتْ
كوشاحٍ أسودَ يلفُّ الأعناق،
أقسى من شقوقِ الصمتِ في الصدور.
هتفتِ اللحظاتُ تُحذّرُنا،
وتحملُنا أوزارَ الزوال.
اليأسُ… لماذا؟
وحولنا حياةٌ،
نُبالغ في ترقُّب العبوس،
وكأنَّ الوجهَ قادمٌ من الذكرياتِ السحيقة.
ننهزمُ أمامَ هواءِ أنفاسنا،
ولا نقدرُ على ثني بعوضةٍ نحيلةِ الخواصر عن التحليق،
ولا عن لسعِنا بحقد.
هل صرنا هشّينَ إلى هذا الحد؟
اليأسُ لا يقبلُ بهجةَ البائسين،
اتفاقٌ خُطَّ عند الولادة،
ونحنُ، على مدارِ العمر،
نفكُّ شفرةَ البدءِ والنهاية،
ونسيرُ في ظلامِ القناديلِ الخافتة.
نفتّشُ عن يقينٍ في سرابِ العقل،
فتنزفُ الكلماتُ في شقاءِ الإرادة.
في ساعاتِ اليأس،
كلُّ شيءٍ مبتذلٌ كأرواحِنا.
الأزهارُ تمنحُ العطر،
ولا تدري أنّنا مدينون لها.
نشمُّها بصمت،
نودّعُها بصمت،
ونتذكّرها بصمت.
والورودُ تعلم أنّنا
مخلوقاتٌ في قوالبِ الصمت.
نحنُ ظلالٌ تبحثُ عن أجسادٍ تُصدّق الزوال.
والنحلةُ الشقيّة
تقطعُ المسافاتِ التي لا نقطعها.
يسعدها أن تلتقي بالزهور،
حتى ولو نبتت فوق القبور.
تعلّمت سرَّ العطاءِ الصامت،
وقد تتعثّر برحيقِ وردةٍ
تغدرُ بها ساعةَ الظلام،
قبل زفافِ الخريف
وموتِ الحركةِ في جذورِ الورد.
أمّا نحن،
فنحملُ أشباحًا في دواخلنا،
ترافقنا كي لا نتألّم:
عند الكذب،
عند الغضب،
وعند العجز عن اختيارِ كلماتِ الحب.
نخدع أنفسنا بحكمةٍ رخوة؛
نُعجبُ بالثمارِ وننسى الجذور،
نُطاردُ الضوءَ ولا نكترثُ بالمِشكاة.
نُعانقُ الأوهامَ في مواسمِ الفرحِ العابر،
لنكذبَ على أنفسنا بالبهجةِ
حتى في قلبِ اليأس.
كلُّ شيءٍ يذبل.
القممُ تموتُ من ضرباتِ الرياح،
والسلاحفُ المسكينة
تحتمي في تابوتِ عظامها.
تطلُّ برأسها الصغير،
كأنّها تناشدُ الزوالَ بعضَ الصبر.
لم تحلمْ بسباقِ غزال،
ولن تُفكّرْ في جدليّةِ الانتصار.
حتى الحبُّ في القفصِ…
قرقعةُ عظامٍ.
لِمَن تشكو إن وُلدتْ أسيرة؟
نحنُ وُلدنا في حرّيّةٍ تجاوزتِ المسافات،
لكنّها انكسرتْ أمامَ الغايات.
نُحاربُ ونموتُ من أجلِها،
نُسجنُ في قفصٍ،
وتكونُ السّلحفاةُ طليقة.
ونحنُ حُزنُ الحرّيّة.
بيننا وبينَ الزوالِ قوقعةُ الجشع.
حرّيّةٌ ليستْ كالقُيود،
لكنّها تقودُنا إلى القيدِ
إنْ دبَّ الصمتُ في الخوف،
وتحلّلتْ صِفَةُ الإرادة.
رأيتُ الغبارَ يصعدُ من خطاي.
هل أنا أبدّدُ شبحَ الطريق؟
تسلّقتُ غصنَ شجرةٍ يابسة،
طوى السنين،
ونسيت طعمَ ثمارها.
لم ينفعها تاريخُها ولا ظلُّها،
حتى الطيورُ هجرتْها،
وكسرها العجز.
ستقول لي الأشباح، وأنا لا أسمعها:
«لقد كنتَ هنا،
خُذْ ظلّك وارحل،
فحتى رؤيتُك للشجرةِ باتتْ حملًا عليك.»
غادرتُ، وارتجفتُ كما يرجفُ الظلُّ
حينَ يتذكّرُ جسدَه.
مرَّ الزوالُ من عينيّ،
وما زال يربطُ خطاي بالغبار.
لكنّي غرستُ أقدامي
بثقةِ الواصلينَ إلى متعةِ الذات؛
فقبلَ الطريقُ خطواتي،
ورافقني إلى حيثُ ينهزمُ اليأس،
ويولدُ بريقُ الفجرِ في الأعماق.
فإنّما نموتُ
حينَ تذوبُ الطُرُقاتُ في صمتِنا،
ونغدو ظلالًا بلا سبيلٍ ولا أمل،
أو نتشبّثُ بالغبارِ
كأنّه آخرُ أثرٍ للأرض.
(ط. عرابي – دريسدن)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق