ليبيا في القلب... وطنٌ لا تغادره الروح
في هذه الأيام، تتّجه أقلامٌ كثيرة نحو ليبيا؛ تكتب عن تاريخها، وأمجادها، ومدنها، وذاكرتها، ويزداد هذا الحضور تألّقًا مع مهرجان الشعر، حيث تلتقي الكلمة بالقصيدة، والثقافة بالوطن.
وأنا أتأمّل هذا الزخم الجميل من الأقلام، أسائل نفسي:
هل أكتب عن ليبيا لأنّ ثمّة مهرجانًا؟
أم لأنّ ندوةً جمعتنا حولها؟
أم لأنّ محفلًا ثقافيًا فتح أبوابه للكلمة؟
وهل يحتاج الوطن إلى مناسبةٍ كي نستحضره؟
وكيف أختصر وطنًا في مشاركة؟
وكيف أضع عمرًا من الحب والذاكرة بين سطور قصيدة؟
وكيف أحصر دهرًا من الحنين في دقائق ندوة؟
لا… أنا ليبية، لا أكتب عن ليبيا لأنّ حدثًا جمعنا حولها، بل أكتب عنها لأنها حاضرةٌ في كل وقت، وفي كل حين. ليست موضوعًا تفرضه المناسبة، ولا فكرةً تستدعيها الأحداث؛ إنها جزءٌ من وجداني، وذاكرتي، وتكويني.
ليبيا هي الحبّ الأوّل... والحبّ الذي لا يعرف آخرًا.
هي صباحي حين أستيقظ، ومسائي حين يهدأ كل شيء، والاسم الذي يتسلّل إلى القلب دون استئذان.
أراها في يقظتي، وترافقني في منامي.
أتحرّك في الحياة، فتتحرّك معي.
أبتعد عنها، فتقترب منّي أكثر.
أغادر أرضها، لكنها لا تغادر روحي.
ليبيا ليست عندي خارطةً تحدّها الجهات، ولا مساحةً تُقاس بالأرقام، ولا اسمًا عابرًا في جواز سفر.
ليبيا مجتمعي أينما كنت، وذاكرتي أينما اتجهت، وشيءٌ منّي لا أستطيع أن أتركه خلفي.
أراها جوهرةً في خاصرة المتوسّط، وأيقونةً تتّكئ على كتف التاريخ، وملكةً متربّعةً في القلب.
أرى فيها نفسي، وطفولتي، وأهلي، وبيتي الأوّل، وأحلام الشباب، وذاكرة الأجداد، وخطى الآباء.
وأسمع في صمتها حكايات المجاهدين، وأرى على ترابها آثار رجالٍ كتبوا أسماءهم بالدم والكرامة.
فكيف لي أن أكتب كل ذلك في سطر؟
غادرتُ ليبيا، لكنّ ليبيا لم تغادرني.
حملتها معي حيث ذهبت؛ في ذاكرتي، وفي لغتي، وفي لهجتي، وفي ملامح الأشياء من حولي، وفي حنينٍ لا يحتاج إلى موعدٍ كي يستيقظ.
أكتب عنها من بعيد، لا لأنّ المسافة أبعدتني عنها، بل لأنّ المسافة جعلتني أراها أوضح.
فبعض الأوطان لا نكتشف اتّساعها إلا حين نبتعد عنها، ولا ندرك كم تسكننا إلا حين تفصلنا عنها الطرق.
وليبيا بالنسبة إليّ ليست مكانًا غادرته ذات يوم، بل وطنٌ ظلّ يسافر معي.
ومن هنا، لا أريد أن أكتب عن ليبيا كما تُكتب المعلومات عن البلدان، بل كما تُكتب الحكايات التي لا تنتهي.
لا أكتب لأعرّف بها من لا يعرفها فحسب، بل لأقول لمن يعرفها ويحبّها: هذه ليبيا.
بلدُ المليون حافظ، حيث يسكن القرآن في الصدور كما تسكن حكايات الوطن في الذاكرة، وحيث تمتدّ علاقة الإنسان بأرضه من ترابها إلى روحها.
وحين نقرأ ليبيا بعين الجغرافيا، نجد أرضًا تعدّدت أسماؤها، وكثرت أوصافها، وكلّ اسمٍ منها يفتح بابًا في ذاكرة التاريخ.
فما إن تُذكر ليبيا حتى تسافر بك الذاكرة إلى حقبٍ بعيدة؛ إلى ملامح الحضارة المصرية، وإلى ظلال الأساطير الإغريقية، وإلى رحلات الفينيقيين، وإلى حضاراتٍ تركت على هذه الأرض آثارًا لا تزال تتحدّث رغم صمت الحجارة.
هي بلدٌ عربيٌّ إفريقي، يمتدّ في شمال القارة الأفريقية، ويطلّ بساحله الطويل على البحر الأبيض المتوسّط، بينما تمتدّ في جنوبه الصحراء الكبرى.
تجاور مصر والسودان شرقًا، وتشاد والنيجر جنوبًا، والجزائر وتونس غربًا، فتبدو في موقعها كأنها جسرٌ ممتدّ بين البحر وعمق الصحراء، وبين شمال أفريقيا وامتدادها الأفريقي.
لكنّ ليبيا ليست موقعًا على الخريطة فحسب؛ إنها أرضٌ تتعدّد فيها الوجوه؛ بحرٌ يفتح ذراعيه للشمال، وصحراءٌ تمتدّ جنوبًا كأنها ذاكرة لا تنتهي، وواحاتٌ تستريح في قلب الرمل، وجبالٌ تحفظ أسرار المكان، وهضابٌ تقف شاهدةً على مرور الزمن.
فيها جالو وأوجلة والجغبوب والكفرة، وفيها هضبة البطنان، والجبل الأخضر؛ حارس برقة وشاهدٌ على ملامحها البطولية، وفي غربها جبل نفوسة، بما يحمله من أمجاد وذاكرة الحضارة الأمازيغية.
تتعدّد في ليبيا مظاهر الطبيعة، وتتباين من منطقة إلى أخرى؛ فتتخلّل أرضها الواحات والكثبان الرملية والجبال والهضاب والأراضي الصحراوية، فتجتاز واحات جالو وأوجلة والجغبوب والكفرة، وهضبة البطنان، والجبل الأخضر، حارس برقة وشاهدًا على كثير من ملامحها البطولية، ثم يمتدّ المشهد غربًا إلى جبل نفوسة، بما يحمله من أمجاد وذاكرة راسخة للحضارة الأمازيغية.
أما تاريخ اسم ليبيا، فتتعدّد بشأنه الروايات.
فبحسب المصادر الإغريقية القديمة، أُطلق اسم ليبيا على المنطقة الواقعة إلى الغرب من وادي النيل، وامتدّ مفهومها عند القدماء ليشمل مساحات واسعة من شمال أفريقيا.
أما المصادر المصرية القديمة، فترتبط تسمية ليبيا عندها بقبيلة «ليبو»، إحدى القبائل التي كانت تقيم في برقة، والتي عُرفت في اللغة الإغريقية باسم قريب من «ليبوس».
وقد ورد اسم «ليبو» في نقشٍ مصري قديم يعود إلى عهد رمسيس الثاني، كما استخدمت النقوش المصرية اسم «التحنو» للدلالة على الليبيين القدماء.
وقد كانت العلاقات بين الليبيين ومصر قديمةً ومتواصلة، بحكم الجوار الجغرافي، حتى استقرّت جماعات ليبية في مصر في فترات مختلفة.
وهذا التاريخ الطويل ترك أثره في شخصية ليبيا؛ فتنوّعت لهجات أهلها وعاداتهم وتقاليدهم وملامحهم الثقافية، نتيجة اتّصال الليبيين المتواصل بشعوب وحضارات مختلفة ازدهرت على سواحل البحر الأبيض المتوسّط وفي عمق الصحراء الكبرى.
ومن هذا التفاعل تشكّل نسيجٌ ثقافي واقتصادي وسياسي متنوّع، جعل لكل منطقة من مناطق ليبيا خصوصيتها وذاكرتها.
وفي كل ناحيةٍ من نواحيها، ثمة حكاية؛ حكاية الفينيقيين، والإغريق، والرومان، والجرمنت، والحضارة الإسلامية، وحكايات المدن القديمة والواحات، ثم صفحات المقاومة والجهاد، وصولًا إلى ليبيا الحديثة.
وهكذا لم يكن تاريخ ليبيا يومًا صفحةً واحدة، بل كتابًا تتعدّد فصوله، وتتغيّر أسماؤه، وتبقى روحه واحدة.
وهنا تبدأ الحكاية؛ حكاية وطنٍ واسع الأرض، عميق التاريخ، متعدّد الملامح، تتجاور فيه الواحة والجبل، والبحر والصحراء، والحضارة والأسطورة.
وطنٌ كلما حاولنا أن نختصره في كلمات، اتّسعت الكلمات حتى ضاقت بها السطور.
تلك هي ليبيا... كما أراها، وكما بقيت في القلب.
نوال إدريس أبخاطره
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق