الأربعاء، 19 أغسطس 2026

الصندوق الأسود    ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كان في السابعة حين بدأ يذهب مع أبيه إلى المسجد لصلاة العشاء.
كان يمسك بثوبه من الخلف إذا ازدحم الطريق، ويدخل خلفه صامتا. لم يكن يفهم كل ما يقوله الإمام، لكنه كان يحب صوت القرآن حين يهبط في المسجد فجأة، فيسكت الجميع.
في ليلة، سمع آية لم يفهم معناها كاملا، فتأثر وبكى.
نظر إليه أبوه، ومسح على رأسه دون أن يسأله.
بعد الصلاة، وفي طريق العودة، لمح بنت الجيران واقفة خلف شباك بيتها.
توقفت عيناه.
ابتسمت.
ارتجف قلبه للمرة الأولى.
لم يعرف يومها أن الإنسان يمكن أن يحمل في صدره قلبين؛ قلبا يبكي في المسجد، وقلبا يرتجف أمام نافذة.
كبر.
وبقيت النافذة.
كبرت البنت أيضا، ثم اختفت ذات يوم خلف باب بيت آخر.
تزوجت.
ظل يتذكرها سنوات طويلة، لا باعتبارها أول حب، بل باعتبارها أول سر لم يعرف كيف يشرحه لنفسه.
في المدرسة كان هادئا، وفي البيت مطيعا، لكنه كان يحب الهروب إلى الشوارع بعد انتهاء اليوم. يمشي بلا هدف، يراقب الناس، يدخل مقهى، يجلس وحده، ثم يعود قبل أن تسأل أمه أين كان.
كبرت فيه رغبة غامضة في أن يعيش كما يريد، بعيدا عن عيون الآخرين.
ولم يكن يعرف أن هذه الرغبة ستكبر معه.
في شبابه التحق بالعمل.
هناك ظهر رجل آخر.
منضبط، دقيق، يحضر قبل موعده، لا يترك ورقة بلا توقيع، ولا يسمح لأحد أن يهين صغار الموظفين أمامه.
كان يقول لهم:
ـ الشغل أمانة. وحقك ما تسيبوش، لكن خد حقك من غير ما تظلم حد.
كانوا يحبونه.
وكان بعضهم يراه رجل مبادئ.
وحين يخرج من باب العمل، كان شيء فيه يتبدل.
يتسكع.
يسهر.
تتعلق عيناه أحيانا بامرأة جميلة، ثم ينتبه لنفسه فيخفضهما، أو يبتسم في حرج، كأنه أمسك نفسه متلبسا.
وفي إحدى المرات، قال لزميل أصغر منه كان يتحدث عن فتاة:
ـ غض بصرك يا ابني.. العين بتجيب لصاحبها وجع الدماغ.
قالها بجدية كاملة.
وبعد ساعة، مرت أمامه امرأة جميلة، فتبعتها عيناه لحظة قبل أن ينتبه.
عاد إلى بيته متأخرا.
كانت زوجته تنتظره.
ـ اتأخرت ليه؟
ـ الشغل.
قالها بسهولة.
لم يكن يحب الكذب، لكنه كان يعرف كيف يترك من الحقيقة ما يكفي ليبدو صادقا.
زوجته لم تكن امرأة ضعيفة. كانت تعرف طباعه، وتعرف أنه يحبها.
وهو بالفعل كان يحبها.
حين مرضت، ظل بجوارها أياما.
وحين أنجب أولاده، شعر أن قلبه اتسع فجأة.
كان أبا جيدا.
يجلس مع أولاده، يسمع مشاكلهم، ويعطيهم النصائح التي كان يتمنى لو أعطاها أحد له:
ـ متخليش حاجة تغلبك.
ـ صاحب الناس الكويسين.
ـ ما تكذبش.
ـ خليك راجل، وكلمتك تبقى واحدة.
كان يقولها وهو يعرف، في مكان عميق داخله، أن كلمته لم تكن دائما واحدة.
ومع ذلك، لم يكن يشعر بأنه منافق.
كان يؤمن بكل كلمة يقولها.
ربما لأنه حين ينصح ابنه يكون أبا.
وحين يدخل العمل يكون موظفا آخر.
وحين يخرج إلى الشارع يكون رجلا آخر.
وحين يبقى وحده...
لا يعرف أيهم هو.
مرت السنوات.
أصبح في أواخر الخمسينيات.
شعره شابته خيوط كثيرة، ووجهه احتفظ بهدوء رجل اعتاد أن يخفي ما لا يريد لأحد أن يراه.
في البيت كان قديسا تقريبا.
في العمل قيمة وقامة.
وفي الخارج كان يعشق الانفلات.
يفعل.
يندم.
يرجع.
ثم يعود.
وكان كلما عاد إلى البيت، وقبل رأس زوجته النائمة، يشعر للحظات أنه عاد فعلا إلى نفسه.
ثم تأتي الأيام..
ويفتح الباب القديم من جديد.لم يكن يحتاج إلى كثير من الوقت كي يعود.
كانت لديه قدرة غريبة على نسيان الرجل الذي كانه بالأمس.
يكفي أن يجلس مع أصدقاء قدامى، أو يخرج وحده بعد يوم عمل طويل، حتى يشعر أن البيت، بكل ما فيه من مسؤوليات، ابتعد عنه.
كان يحب زوجته، نعم.
لكن الحب عنده لم يكن سجنا.
كان يقول لنفسه:
ـ أنا ما أذيتش حد.
وكان يعرف في داخله أن الجملة ناقصة.
في إحدى ليالي الشتاء، دخلت حياته امرأة لم يبحث عنها طويلا.
كانت متزوجة، هادئة، تعرف كيف تتحدث دون أن ترفع صوتها. لم تكن أجمل امرأة عرفها، لكنها كانت تعرف كيف تنصت.
وهذا ما جذبه إليها.
كانت تنظر إليه حين يتكلم، لا إلى صورته أمام الناس.
معها لم يكن القامة التي يعرفها الموظفون، ولا الأب الذي يستمع إليه أولاده، ولا الزوج الذي يشتري حاجات البيت في طريق عودته.
كان مجرد رجل.
وهذا بالضبط ما أغراه.
بدأت العلاقة بحوار طويل، ثم رسائل مقتضبة، ثم لقاءات متباعدة.
وكان كلما عاد بعدها إلى بيته، يزداد حنانا مع زوجته؛ يشتري لها شيئا تحبه، ويجلس مع أولاده، ويصلي أكثر.
كان يشعر، لوقت قصير، أنه استطاع أن يفصل حياته إلى غرف مغلقة، لكل غرفة مفتاحها.
حتى جاءت اللحظة التي أغلقت عليه الأبواب كلها.
كانت المرأة تحدثه ذات مساء عن صديقة لها.
قالت اسما يعرفه.
اسم زوجته.
لم يتحرك.
ظن أنه سمع خطأ.
ثم بدأت تتحدث عن تفاصيل صغيرة من حياتها؛ مرض قديم، موقف حدث في البيت، مشكلة مع أحد الأولاد.
تفاصيل لا يعرفها إلا أهل البيت والمقربون.
شعر ببرودة تسري في ظهره.
ـ إنتى تعرفيها منين؟
ضحكت:
ـ طبعا. دي صاحبتي.
ظل صامتا.
ـ مالك؟
نظر إليها طويلا.
كان يستطيع في تلك اللحظة أن يكذب، أن ينكر، أن يهرب.
لكنه للمرة الأولى شعر أن حياته كلها تقف أمامه دفعة واحدة:
زوجته.
أولاده.
البيت.
المرأة التي أمامه.
والرجل الذي كان يخرج كل صباح إلى العمل ويتحدث عن المبادئ.
قالت:
ـ إنت متغير ليه؟
لم يجب.
خرج.
في الطريق لم يشعر بالخوف من انكشاف الأمر بقدر ما شعر بالخوف من شيء آخر:
كيف استطاع أن يعيش كل هذه السنوات دون أن يرى نفسه؟
في تلك الليلة لم ينم.
دخل غرفة زوجته، وجدها نائمة.
وقف عند الباب طويلا.
كان يريد أن يوقظها.
أن يقول شيئا.
أي شيء.
لكنه لم يفعل.
عاد إلى غرفته.
وفي الصباح تصرف كأن شيئا لم يحدث.
مر أسبوع.
ثم أسبوع آخر.
وبدأ يحاول الابتعاد.
هذه المرة كان جادا.
حذف رقمها.
توقف عن الخروج.
عاد إلى المسجد أكثر.
أطال الجلوس بعد الصلاة.
وفي ليلة، بكى وهو يسمع الإمام يتلو القرآن.
لم يكن بكاؤه هذه المرة مثل بكاء الطفل.
كان بكاء رجل اقترب من الستين، وفهم فجأة أن الزمن الذي كان يظنه طويلا أصبح قصيرا.
بعد الصلاة عاد إلى البيت.
وجد ابنه الأصغر يتحدث مع أمه ويضحكان.
وقف عند الباب.
ابتسم.
ثم تذكر أباه.
لم يعرف لماذا تذكره في تلك اللحظة.
ربما لأن الإنسان حين يقترب من النهايات يبدأ في البحث عن البدايات.
بعد أيام قليلة، اتصل به أخوه:
ـ أبوك تعبان قوي.
ذهب إليه.
كان الأب في غرفته، مستلقيا، أصغر مما يتذكره.
للمرة الأولى رأى الرجل الذي كان يمسك يده وهو طفل، عاجزا عن رفع يده.
اقترب منه.
فتح الأب عينيه.
نظر إليه.
ولم يقل شيئا.
لكن نظرته كانت أطول من الكلام.
جلس الابن إلى جواره، وأمسك يده.
كانت باردة.
وفي تلك اللحظة، لم يعرف لماذا شعر أن شيئا في حياته كلها يقترب من نهايته.
أغمض الأب عينيه.
ثم فتحهما من جديد.
وقال بصوت متقطع:
ـ تعال.. عايز أقول لك حاجة.
اقترب منه أكثر.
كان ضوء الغرفة خافتا، يترك نصف وجه أبيه في الظل. على الكرسي القريب ملابس لم تُرتب، وبجوار السرير كوب ماء لم يُمس.
حاول الأب أن يرفع يده.
ساعده ابنه.
ظل ممسكا بها لحظات، ثم قال بصوت ثقيل:
ـ كنت عارف إنك ساعات بتصلي معايا  من غير وضوء.
تجمد.
نظر إلى أبيه.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، كأنها آخر سر بينهما.
ـ وشفتك في حاجات كتير..
توقف.
غابت عيناه لحظة، ثم عادتا إليه.
ـ سبتك للزمن يعلمك.
سكت طويلا.
كان الابن يسمع أنفاسه أكثر مما يسمع الكلمات.
ـ لكن.. للأسف.. متعلمتش حاجة.
انخفض صوت الأب.
ـ كنت زيك.. وأكتر.
ابتلع ريقه.
ـ وندمت.
ارتجفت أصابع الأب داخل يده.
ـ الحق نفسك.. الفاتورة كبيرة.
توقف، وأخذ نفسا بصعوبة.
ـ والحساب.. تقيل.
لم يعرف الابن ماذا يقول.
أراد أن يقول: "أنا هتغير".
لكن الكلمة وقفت في حلقه.
فقط شد على يد أبيه.
كانت أبرد.
نظر الأب إليه نظرة طويلة؛ نظرة رجل لا يودع ابنه فقط، بل يودع سرا ظل يحمله سنوات.
ثم أغمض عينيه.
ناداه ابنه:
ـ يا حاج..
فتح عينيه قليلا.
ثم غاب.
عاد.
نظر إليه.
ابتسم.
وترك يده.
بعد دقائق، لم تعد يده تتحرك.
في الجنازة، كان يمشي خلف النعش كأنه يمشي خلف جزء من طفولته.
لم يسمع كثيرا مما قيل.
كان يسمع فقط:
"البقاء لله."
وعند شفير القبر، قال أحد رجال الدين:
ـ ادعوا لأخيكم.. فإنه الآن يُسأل.
رفع عينيه.
نظر إلى القبر.
الحساب تقيل.
تذكر صوت أبيه.
ظل واقفا حتى غاب النعش تحت التراب.
ثم عاد إلى البيت.
مرت الأيام.
في البداية تغير.
صلى أكثر.
جلس مع أولاده.
ابتعد عن أصدقائه.
لم يفتح الأبواب القديمة.
كلما مرت امرأة جميلة، خفض عينيه.
وحين كان يضع رأسه على الوسادة، كان يسمع:
ـ الحق نفسك.
وظن أن الأمر انتهى.
بعد أسبوعين، خرج من العمل متعبا.
كان يريد أن يعود إلى البيت مباشرة.
لكنه وجد نفسه يقود سيارته في اتجاه آخر.
توقف.
ظل جالسا خلف عجلة القيادة.
يده على المفتاح.
وعقله يقول:
ارجع.
وفي داخله صوت آخر:
لسه بدري.
رفع عينيه إلى المرآة.
رأى وجهه.
وجه رجل في الستين تقريبا.
شعره الأبيض.
تجاعيد حول عينيه.
ثم رأى أباه للحظة.
أغلق عينيه.
فتحها.
لم يكن الأب هناك.
أدار السيارة وعاد إلى البيت.
في المساء جلس مع زوجته.
كانت تتحدث عن شيء يخص أحد الأولاد.
استمع إليها.
ابتسم.
ثم أمسك يدها.
نظرت إليه مستغربة.
ـ مالك؟
قال:
ـ مفيش.
وفي الليل، بعدما نام الجميع، جلس وحده في الصالة.
أطفأ النور.
لم يكن يريد شيئا.
فقط أراد أن يسمع الصمت.
تذكر بنت الجيران.
تذكر المسجد.
تذكر أول مرة بكى فيها من القرآن.
تذكر المرأة.
تذكر أباه.
وتذكر نفسه في كل هذه الصور.
رجلًا واحدًا..
أم رجالًا كثيرين؟
ظل السؤال معلقا.
نهض.
دخل غرفته.
وقف أمام المرآة.
حدق في وجهه طويلا.
ثم قال بصوت منخفض، كأنه يخاطب أباه:
ـ أنا لسه هنا.
ولم يعرف هل كان يقصد:
أنه ما زال حيا..
أم أنه ما زال كما كان.
ظل أمام المرآة.
وخلفه، في الظلام، كان البيت كله نائما.
أما هو..
فلم يكن يعرف أي رجل سيستيقظ معه في الصباح.

طارق الحلوانى 
أغسطس ٢٠٢٦

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق