«طريقٌ لا نراه»
طاهر عرابي
دريسدن – 06.09.2022 | نُقّحت في 19.08.2026
⸻
لقد بلغنا سقوفَ الأحزانِ الثقيلة،
تحاصرنا كطوقٍ
يلتفُّ على رقبةٍ لا ترى،
ولا نعلم
من يختنق.
جرسٌ يدقّ…
ولا نريد أن نسمعه.
نخشى أن يوقظنا،
ولا نعرف كيف نكافئ صبرنا
أو نعتذر له.
نعيش في قلقٍ
نعالجه بالقهوةِ المُرّة،
في تشييعِ راحل،
وبعد المُرّة
قهوةٌ مُحلّاةٌ عند الجيران،
في استقبالِ طفل.
نبحث في مرارة الطقوس
عن عزاءٍ صغير،
ولا نجد
سوى ظلالٍ تتكرر.
نتسلّى بالسجائر،
وبأشياء أخرى تقتلنا،
ونحن ندرك أن الصمت
يشبه صمتَ الجمال العابرة
في الصحراء الكبرى.
نجرّب الأصوات،
ثم نستقر على صدى لا يشبهنا.
لا فائدة من تغيير الرتابة؛
فالكثبان تتشابه،
والبديل… سراب.
هل نحتمل العبور
إلى ما يشبه النجاة؟
أصبحت أكره التفاؤل،
وأقفز في زوابع الدخان الأسود
المنبعث من ثقوب الرفاهية الحمقاء.
نطرّز فساتين الزهو،
والعريس خلف قضبان القش والقصب.
نؤنّب المطر الحاقد؛
يصب مياهه
كأنه يقتص من شراهتنا.
حتى الصقيع
صار يتسلّى بخوفنا،
ويقتحم نخاع العظام.
لم نعد نتفق
مع أشكال البقاء.
جاء حرٌّ شديد
من الإسفلت،
من الشمس،
من الأبنية البراقة.
شربنا ماء البحيرة،
واغتبطنا بجمال الألوان،
ثم تهالكنا على تجديد ما نملك،
كبنطال أزرق
لا يليق بليل أسود.
نبدّله بسخاء التملّق والغباء،
ثم نلوم الخيّاط،
ونغضب من أجسادنا.
أزرار القميص
لم تعد تدل على أناقة،
ونخجل من الآراء،
ومن الهراء الطائش؛
فأفواهنا
فرغت من الكلمات الناضجة.
سقفنا انهار فوق الباب.
فكيف نخرج
بعدما رحلت الشبابيك
ولم نكترث لها؟
كان كل ما نملك
ينذر بالسقوط،
ندافع… دون أيادٍ.
لا ندري أين نتوقف،
أين نشتم.
فالهواء ثقيل
على الأنوف المحترقة،
والغيوم السوداء مرهقة،
تكاد تلامس الأرض.
كرهت الطواف
فوق رمل يعانق الشوك،
والشوك لا يسمع المطر،
منشغلٌ في شحذ دبابيسه.
النحل بدأ الرحيل،
والتفاح صار خشبًا يُؤكل للغيظ؛
يزهر
ولا يهب الأفواه الجائعة
طعمًا منشودًا.
وبذورٌ نسيناها في الصيف،
صارت ملاذًا
يأوي إليه التعب.
تراخى مثلنا…
بسبب الجفاء.
كثر الراحلون فجأة،
وصارت الأوطان
تجربةً عقيمة بلا نبض.
نذكر الحرب السالفة
والحرب القادمة
بكل تهكّم،
كأنها جرس أخرس
من نحاس الخائبين.
نقول:
الرمل يتصدّى…
ونحن
خلف الكثبان.
لا نستطيع فعل شيء.
دخلنا قبورنا أحياء.
والباب
ما زال في مكانه.
نفتح الباب.
ولا نسأل
من أغلقه.
خلفنا
كل هذا الخراب.
وأمامنا
طريقٌ لا نراه.
ط. عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق