حين أشرقت الرحمة
وُلِدَ الهُدَى، فتراجعتْ أصداءُ
وتفتّحتْ في ليلِنا الأضواءُ
وتنفسَ التاريخُ بعدَ مخاضِهِ
فإذا بهِ لمحمدٍ إسراءُ
جاءَ اليتيمُ، وفي جبينِ طفولتِه
سرٌّ تُضيءُ بوهجهِ الأرجاءُ
ما كانَ ميلادُ الهدى يومًا عابرًا
بل كانَ فجرًا ، تستفيقُ الأحياء ُ
نشأَ الأمينُ، ولم تكنْ في دربهِ
زخرفُ الحياةِ، ولا لهُ إغراءُ
في مكةٍ، حيثُ القلوبُ مقيدةٌ
بالجاهِ، كانَ لصدقهِ إعلاءُ
يمشي، وتسبقهُ الأمانةُ في خُطاهُ
حتى شهدْنَ بصدقهِ الأعداءُ
وقبلَ أن يأتيه وحيُ رسالةٍ
كانَتْ مكارمُهُ لهُ أنباءُ
فالقلبُ كانَ من الرسالةِ موطنًا
قبلَ الرسالةِ، والصفاءُ نقاءُ
حتى إذا ناداهُ ربُّ العرشِ: اقرأْ
اهتزّ في أرجاءِ قلبِهِ ضياءُ
فمضى إلى الدنيا برسالةِ رحمةٍ
فيها للإنسانيةِ استشفاءُ
لم يأتِ ليزرعَ في الحياة ِ سيوفَهُ
بل بالرحمة والعدل تُصانُ الدماء ُ
جاءَ الضعيفُ إلى رحابِ عدلِهِ
فوجدَ الكرامة حيث ُلا إقصاء ُ
والعبدُ عندَ مقامِهِ متساوِيٌ
لا المجدُ يرفعهُ ولا الأنساب ُ
فالناس ُأمام َ ميزان العدل ِسواء ُ
ورعى اليتيمَ، ومسحَ دمعَ صغيرِهِ
فغدا الحنانُ بظلِّهِ إيواءُ
وأقامَ ميزانَ العدالةِ بينهمْ
حتى استقامَ على الهدى الأعداءُ
ما كانَ حكمُهُ استعلاءَ مملكةٍ
بل كانَ عدلًا ،به دنيا الورى ،
وتبدد الظلماء
حكمَ القلوبَ، لأنّهُ لم يبتغِ
ملكًا، وكانَ عرشهُ الإيثارُ إعلاء ُ
فتحَ البلادَ، فلم يفتحْ ضمائرَها
بالقهرِ، بل فتحتْ لهُ أبواب الهُدى
وتناثرت في دربه الأضواء
ولمّا تمكنَ من خصومٍ أرهقوا
دربَ الرسالةِ، أشرق صفحُهُ
فغدا عَفوهُ للقلوب ِضياءُ
عفا، لأن العفوَ عندَ كرامةٍ
خلقٌ، وللأخلاقِ لواءُ
يا سيدَ الأخلاقِ، يا من علّمتَنا
أنّ العظيمَ من العظيمِ عطاءُ
أنّ القوةَ ليستْ بطشَ متجبّرٍ
بل أنْ تصونَ الحقَّ حينَ تُساءُ
وأنّ أكرمَ من يمسكُ زمامَ الورى
من لا يغيّرهُ المُلكُ والسلطانُ
فالتاجُ عند عظيم خلقُهُ فناء ُ
من يزرعِ الرحمةَ في دنيا الورى
تُزهرْ على آثارِهِ الأحياءُ
يا مصطفى، يا من حملتَ رسالةً
سجدتْ لعظمتِها لنا الأشياءُ
من يومِ مولدِكَ استضاءَتْ حكايةٌ
وبقيتْ على مرِّ الزمانِ سماءُ
ما زالَ نورُكَ في القلوبِ منارةً
تهدي إذا ازدحمَ الطريقُ عناءُ
وستبقى سيرتُكَ الكريمةُ حكمةً
فيها من الأخلاقِ ما نحتاجُ
وبها لقلب ِ الحائرين شِفاءُ
فإذا سألنا: كيف يُبنى عالمٌ
بالعدلِ؟ قالتْ سيرتُهُ: إيثارُ عطاءُ
وإذا سألنا: كيف تُطفأُ فتنةٌ؟
قالتْ لنا: بالحلمِ والإغضاءُ
وإذا سألنا: كيف يُحفظُ إنسانٌ؟
قالتْ رحابُكَ: رحمةٌ ووفاءُ
صلّى عليكَ اللهُ ما هبّتْ صبا
وتعانقتْ في الكونِ أصداءُ
صلّى عليكَ اللهُ ما بقيَ الهدى
في الأرضِ، وما بقيتْ لنا أرجاءُ
يا خاتمَ الرسلِ الكرامِ، تحيةً
من قلبِ شاعرةٍ لك في الفؤاد وفاءُ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق