الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

بروفيسور لطفي منصور

أ.د. لطفي منصور
مِنْ أَدَبِ الْكاتِبِ الْعِمادِ الأَصْبَهانِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الْمُؤَلِّفينَ في الأَدَبِ العربيِّ (ت ٥٩٧/ ١٢٠١) عن خمسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَلَهُ أَشْهَرُ مَوْسوعَةٍ في تَراجِمِ الشُّعَراء، مِنَ الأنْدَلسِ حَتَّى أَواسِطِ آسيا هي “خَرِيدَةُ الْقَصْرِ، وَجَريدَةُ الْعَصْرِ”. (الخريدةُ الفتاةُ الجميلَةُ التي نَسْكُنُ الْقُصورَ، طُبِعَتْ طَبْعَةً حديثَةً في طهران (جمهوريَّة إيران الإسْلامِيَّة) في عِشْرينَ مُجَلَّدًا. وَمَنْ لا يَطَّلِعُ عليها فاتَهُ عِلْمٌ أَدَبِيٌّ غَزيرٌ لا يُمْكِنُ تَعْويضُهُ.
الْعِمادُ أَديبٌ، شاعِرٌ، كاتِبٌ، فارِسِيٌّ، كانَ يُتْقِنُ الفارسِيَّةَ والْعَرَبِيَّةَ والتُّرْكِيَّةَ. وُلِدَ في خُراسانَ وَانتَقَلَ في شَبابِهْ إلَى بَغدادَ، وَدَرَسَ في المدرسةِ النِّظامِيَّةِ، وطافَ الْعالَمَ الإسْلامِيَّ. وتُوُفِّيَ في دِمَشْقَ.
اخْتَرْتُ لَكُمْ قِطْعَةً مِنْ خَربدَةِ القَصْرِ جميلَةً مِنْ أَدَبِ الْمَغْرِبِ لِلشّاعِرِ أبي هارونَ موسَى ابنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عاصِمٍ القَحْطانيِّ الْمَغْرِبيِّ، مِنْ مَدينَةِ أغْمات القريبَةِ مِنَ الأَطْلَسي.
رَحَلَ مُوسَى هذا إلَى مِصْرَ، والْحِجازِ، والْعِراقِ، وَخُراسانَ، وَأَقامَ بِنَيْسَابور، وَتَفَقَّهَ عَلَى أبي نَصْرٍ الْقُشَيْرِيِّ صاحِبِ طَبَقاتِ الصُّوفِيَّةِ، وَجَمَعَ عِلٍمًا عَظيمًا. وَذَكَرَهُ النَّسَفِيّْ في كتابِهِ “الْقَنْد في تاريخِ سَمَرْقَنْد”،
(الْقَنْدُ: عَسَلُ قَصَبِ السُّكَّرِ ، وَيُعْرَفُ بِالْقِنْديدِ أَيْضًا) ذَكَرَهُ الْمُتَنَبِّي في هِجاءِ كافور فَقالَ: مِنَ البسيط
جَوْعانُ يَأْكُلُ مِنْ زادي وَيُمْسِكُنِي
            لَكَيْ يُقالَ عَظِيمُ الْقَدْرِ مَقْصُودُ
وَعِنْدَها لَذَّ طَعْمَ الْمَوْتِ شارِبُهُ
                  إنَّ الْمَنِيَّةَ عِنْدَ الذُّلِّ قِنْدِيدُ
قالَ عَنْهُ النَّسَفِيُّ: 
موسَى بنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَغْماتِيُّ قَدِمَ عَلَيْنا سنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَهُوَ شابٌّ فاضِلٌ، فَقيهٌ، مُناظِرٌ، بَليغٌ، شاعِرٌ، وَفيهِ قُلْتُ: مِنَ الْمُتَقارَب
لَقَدْ طَلَعَ الشَّمْسُ مِنْ غَرْبِها
            عَلَى خافِقَيْها وَأَوْساطِها
فَقُلْتُ الْقِيامَةُ قَدْ أَقْبَلَتْ
             فَقَدْ جاءَ أَوَّلُ أَشْراطِها
(أَشْراطُ السّاعَةِ: علاماتُها)
قالَ النَّسَفي وفيهِ قُلْتُ: من مجزوءِ الرَّمَل:
سَرَّ قُرْبُ الشَّيْخِ مُوسَى
                        كُلَّ قَلْبٍ كانَ يُوسَى
وَمَحا الْهَمَّ كَما يَمْ      م
               حُو شُعُورَ الرَّأْسِ مُوسَى
(يوسَى: يَحْزَنُ؛ مُوسَى الأَخيرَةُ: سِكِّينُ الْحِلاقَةِ)
وَمِنْ شِعْرِ مُوسَى الأغْماتي: مِنَ الطَّويل
لَعَمْرُ الْهَوَى وَإنْ شَطَّتِ النَّوَى
                لَذُو كَبِدٍ حَرَّى وَذُو مَدْمَعٍ سَكْبِ
فَإنْ كُنْتُ في أَقْصَى خُراسانَ نازِحًا
            فَجِسْمِيَ في شَرْقٍ وَقَلْبِيَ في غَرْبِ
(لَعَمْرُ: اللّامُ لِلابْتِداء. عَمْر: مْبتَدَأٌ مَرْفوعْ، الخبرُ مَحْذوفٌ تَقْديرُهُ قَسَمِي. شَطَّتْ: بَعُدَتْ، النَّوَى: الفِراقُ والْبُعْدُ. الكَبِدُ الْحَرَّى: كِنايَة عَنِ الْهُموم، سَكْبٌ: صِفَةٌ بالمصدرِ وَهُوَ السَّيَلانُ الْغَزِيرُ).
بروفيسور لطفي منصور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق