الأربعاء، 19 أغسطس 2026

عَمَى العِشْق ✮✮✮ 🖊 حلمي ابو حجاب

عَمَى العِشْق

ما الذي يصنعه العشق حين ينسى القلبُ أنه قلب، 
ويظنُّ نفسه جناحًا؟
أنا لا أراكِ بعيني؛ 
فالعينُ، حين أحبّت، صارت نافذةً تُطلُّ على نافذة، 
وكلُّ نافذةٍ تقول للأخرى: أنتِ الطريق.

أُبهرُ بما تصنعين، 
حتى كأن الأشياءَ حولكِ 
تتواطأ لتصنعَ منكِ معنى؛ 
فالوردُ يستعيرُ منكِ عطره، 
والليلُ يستعيرُ من شعركِ سواده، 
والقمرُ يمرُّ على وجهكِ متعلّمًا كيف يكونُ الضوءُ جميلًا 
دون أن يحترق.

وأتمنى لقلبـي جناحين؛ 
لا ليطيرَ بعيدًا، 
بل ليحملَ هذا الفيضَ من الشوق، 
ويضعه عند شفتيكِ 
كما يضع البحرُ سرَّه في فم الصدف.

يقولُ عنقكِ للنسيم: 
تمهّل.
ويقولُ النسيمُ لشعركِ: 
دعيني أمرّ.
فيجيبه الشعرُ: 
لا أحدَ يمرُّ من هنا دون أن يتركَ بعضَه.

أما صدركِ، فليس في خيالي جسدًا فحسب، 
بل قمرانِ من فرحٍ يعلّمان الليلَ معنى البهجة، 
وتحت هذا الضوءِ تنحدرُ أشواقي كالماء، 
لا تبحثُ عن امتلاكٍ، بل عن مأوى؛ 
عن مكانٍ صغيرٍ يصدّق أن الحنانَ يمكن أن يكونَ لغةً كاملة.

حتى السُّرّةُ 
تصيرُ في أسطورتي عينًا ثالثة؛
تسألني: 
إلى أين؟
فأقول: 
إليكِ.
فتضحكُ الأرض، 
لأنني لم أكن أعرفُ أن «إليكِ» قد تكونُ وطنًا كاملًا.

وتظلُّ الوردةُ المخفيةُ في آخر الحكايةِ مغلقةً على سرّها؛ 
لا تُفتحُ إلا للحنان، 
ولا تمنحُ عطرها إلا لمن عرفَ أن الرغبةَ ليست صخبًا، 
بل يدٌ من ضوءٍ 
تعرفُ كيف تلمسُ الروحَ دون أن تؤذيها.

فتقولُ الأردافُ للظلِّ: 
اختبئ.
ويقولُ الظلُّ للعطر: 
أنا لا أختبئ، أنا أتشكّل.
ويقولُ العطرُ للهواء: 
خذني إليها.
فيحملُ الهواءُ الرسالةَ، 
ثم ينسى أين تنتهي الرسالةُ 
وأين تبدأ المرأة.

وهنا يبدأ المنطقُ الجَدَلِيُّ للعشق:
إن كنتِ الحقيقةَ، 
فلماذا أحتاجُ إلى برهان؟
وإن كنتِ الوهمَ، 
فلماذا يبدو العالمُ كلُّه وهمًا حين تغيبين؟

أنا لا أملكُ جوابًا؛
فكلُّ جوابٍ أمامكِ يتحولُ إلى سؤال،
وكلُّ سؤالٍ يخلعُ ثوبهُ ويصيرُ اشتياقًا،
وكلُّ اشتياقٍ يعودُ إليكِ 
كأنه لم يكن يومًا بعيدًا عنكِ.

ما زلتُ لا أرى في الحياةِ أحدًا سواكِ؛
كأن العالمَ ارتكبَ خطأً لغويًّا 
فأسقطَ أسماءَ النساءِ جميعًا من قاموسي،
وأبقى اسمكِ وحده.

لذلك حين يسألني الليلُ: 
من تحب؟
أقول: 
هي.
وحين يسألني الصباحُ: 
من تنتظر؟
أقول: 
هي.
وحين تسألني المرآةُ: 
من أنت؟
أطيلُ النظرَ فيها، ثم أبتسم:

أنا رجلٌ أضاعَ عينيه في امرأة،
فصار يرى بها.

بقلمي: حلمي ابو حجاب
Helmy Abohegab

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق