السبت، 29 أغسطس 2026

بروفيسور لطفي منصور

عمرو بنُ مَعْديكَرِبَ وأُخْتُهُ رَيْحانَة:
فارسُ العربِ، وبَطلُ القادسيّة الشاعرُ المُخَضْرَمُ بينَ الجاهليّةِ والإسلامِ، صاحبُ السيفِ المعروفِ بِالصَّمْصَامَةِ، يمنيُّ الأصلِ مِنْ زَبيد، كانَ إذا رَكِبَ الْجَوادَ تَخُطُّ رِجلاهُ على الأَرْضِ.
يُقالُ كانَ إذا بارزَ فارِسًا يخلعُهُ عَنْ فَرَسِهِ ويطرَحَهُ أرْضًا، وحصلَ مِثْلُ هذا في القادسيّة، ذكرَ ذلك البلاذرى في "فتوح البلدان".
لقد وقعَ هذا الفارسُ الكبير في الجاهليَّة في أزمةٍ كبيرة. فقد اتّحدتْ قبائلُ من اليمن ضدّ قبيلةِ الفارس، ففاجأوهم  بكثرتهم، وقتلوا وسَبَوا نساءً وولدانا. 
وقعتْ في السبيِ رَيْحانَةُ أخت عمرو. وكَأنّي أمامَ مَشْهَدٍ مُحْزنٍ ومُثيرٍ، والغزاةُ يسحبونَ ريحانَةَ بالحبال وراءَ الخيلِ وهي تصيحُ بأخيها مستغيثةً لإنقاذها.
أمّا عمروٌ الذي كَرّ ورَاءَهُم فلم يستطعْ إنقاذَ أختهِ وعشراتُ الفرسانِ المدجّجين  َ بالسلاح الْمُحيطينَ بها. غَيْرَ أنّ الأختَ عزيزةٌ، وهي عُنوانُ الشرفِ العربيّ، فاندفَعَ نحوَ القومِ فأصابَتْهُ جراحٌ فاضطُرّ إلى التراجُعِ ولسانُ حالِه يقول:(من الطويل):
      فَلَوْ كانَ رُمْحًا واحِدًا لَاتَّقَيْتُهُ
                           وَلكنَّهُ رُمْحٌ وَثانٍ  وَثالِثُ
ومضَى الغزاةُ بِرَيْحانَةَ أسيرَةً.
كان هذا الحادِثُ يَقُضُّ مَضجَعَ فارِسِنا، فإذا ما هَجَعَ تصوّرَتْ له ريحانة في منامه فيصحو فَزِعًا ويُنْشِدُ قائِلًا: (من الوافر)
        أمِنْ رَيْحانَةَ الدّاعِي السّميعُ
                       يُؤَرِّقُني وَأصحابي هُجوعُ
       إذا لم تَستَطِعْ أَمْرًا فَدَعْهُ
                        وجاوِزْهُ إلى ما تَسْتَطيعُ
فوضعَ في الْبَيْتِ الثاني استراتيجيَّةَ الْقِتالِ عِنْدَ عَرَبِ ذَلِكَ الزمان.
ولمّا شَفِيَ من جراحِه أخذ يُعِدُّ العُدّةَ لتحريرِ الأسرى، وكانَ قد اعتنقَ الإسلامَ، ووفدَ على الخليفةِ عمر بنِ الخطّاب.
ودخلتْ زَبيد كلها في حظيرةِ الإسلامِ وأصلحَ عمر بين القوم وأعادَ الأسرى وعلى رَأْسهم ريحانة. ثمّ التحقَ القومُ كلهمْ في جيشِ سعدِ بن أبي وقّاص، وكانتِ القادسيّة وفتحُ العراق.
بروفيسور لطفي منصور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق