يمينُ العُمرِ
يَا جَارَ قَلْبِي وَمَنْ تَزْهُو بِهِ الكَلِمُ
مَاتَ الهَوَى فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَالنَّدَمُ
وَوُدُّنَا نَحْنُ طُوفَانٌ بِلَا شَاطِئٍ
تَبْكِي النُّجُومُ لَهُ شَوْقاً وَتَنْسَجِمُ
أَنَا الَّذِي لَوْ رَأَتْ عَيْنَاكَ لَوْعَتَهُ
لَذَابَ مِنْ رِقَّةِ الشَّكْوَى لَدَيْكَ قِمَمُ
بَلَغْتُ فِي الحُبِّ عَرْشاً عَزَّ نَاظِرُهُ
مَلِكٌ أَنَا، وَمُلُوكُ الأَرْضِ لِي خَدَمُ
إِذَا نَظَرْتَ أَعَادَ الكَوْنُ بَهْجَتَهُ
وَإِنْ هَمَسْتَ زَالَتِ الأَوْجَاعُ وَالظُّلَمُ
سَقَيْتَنِي مِنْ رُضَابِ الوَصْلِ صَافِيَةً
فَلَمْ يَعُدْ لِعَذَابِ النَّأْيِ مُغْتَنَمُ
خَطَوْتُ نَحْوَكَ وَالأَقْدَارُ خَاضِعَةٌ
تَرْنو إِلَيْنَا وَفِي أَحْدَاقِهَا دِيَمُ
فَأَنْتَ نَبْضِي وَأَنْتَ العُمْرُ أَجْمَعُهُ
وَأَنْتَ دِينُ الهَوَى وَاللَّوْحُ وَالقَلَمُ
لَوْ جَمَّعُوا أَيْمَانَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا
لَقُلْتُ أَنْتَ يَمِينُ العُمْرِ وَالقَسَمُ
مَا حِيلَةُ النَّفْسِ وَالأَشْوَاقُ تَعْصِفُ بِهَا
وَمَنْ نُحِبُّ بِمَجْدِ الحُسْنِ يَعْتَصِمُ
رَسَمْتُ مِنْ لَحْظِكَ القَاسِي مُقَاوَمَتِي
وَمَا انْحَنَتْ لِعُتَاةِ الدَّهْرِ لِي قَدَمُ
رَمَيْتَ سَهْمَكَ لَمْ تُخْطِئْ مَقَاتِلَنَا
فَمَا لِقَتْلِي بِمَنْ أَهْوَى لَهُ أَلَمُ
خُذْنِي لِقَلْبِكَ كَأْساً فِيهِ عَسَلُ
فَالشَّهْدُ مُرٌّ حِينَ نَخْتَصِمُ
لَا يَبْرَأُ الجُرْحُ إِلَّا حِينَ نَعْتَبُهُ
إِنَّ العِتَابَ شِفَاءٌ فِيهِ نَلْتَحِمُ
بَعْضُ الوِصَالِ كَكَيِّ النَّارِ نَكْرَهُهُ
وَمِنْ لَظَاهُ جِرَاحُ الرُّوحِ تَلْتَئِمُ
أَرَاكَ فِي السِّرِّ لَحْناً لَا فَنَاءَ لَهُ
وَفِي الخِصَامِ مَلَاذاً حِينَ نَحْتَكِمُ
مَا كُلُّ مَنْ نَطَقَ الأَشْوَاقَ صَادِقُهَا
إِنَّ الحَبِيبَ بِصَمْتِ الوَجْدِ يُحْتَرَمُ
فَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ يَا سُلْطَانَ أَفْئِدَتِي
فَالعَدْلُ أَنْتَ وَأَنْتَ الخَصْمُ وَالحَكَمُ
أَمُوتُ فِيكَ وَتَحْيَا بِنَا شِيَمُ
وَالخَلْقُ خَلْفِي وَأَنْتَ القَصْدُ وَالأَمَمُ
سَجَنْتُ كُلَّ اتِّسَاعِ الكَوْنِ فِي لُغَتِي
لَمَّا رَأَتْكَ جَثَتْ لِجُفُونِكَ النَّغَمُ
خُذِ النِّهَايَةَ مِنْ قَلْبِي بِلَا نَدَمٍ
فَأَنْتَ نَفْسِي وَأَنْتَ البَدْءُ وَالعَدَمُ
كَأَنَّ طَرْفَيْكَ ضَوْءٌ وَالوُجُودُ دُجًى
وَالشُّهْبُ مِنْ نُورِهَا فِي الأُفْقِ تَرْتَسِمُ
أَسْرَرْتُ حُبَّكَ فِي صَدْرِي فَأَشْعَلَنِي
كَأَنَّمَا الكَوْنُ جَمْرٌ فِيهِ يَضْطَرِمُ
أَنَا السَّمَاءُ الَّتِي تَزْهُو بِرِفْعَتِهَا
وَأَنْتَ غَيْثٌ بِأَعْمَاقِي لَهُ نِعَمُ
فَاصْعَدْ بِذَاتِي لِخُلْدٍ فِي الهَوَى أَبَدَا
تَبْقَى الحَيَاةُ وَيَفْنَى السَّيْفُ وَالعَلَمُ
خَذَلْتَ بَدْرَ الدُّجَى لَمَّا ظَهَرْتَ لَهُ
فَأَيْقَنَ النَّاسُ أَنَّ البَدْرَ مُنْعَدِمُ
وَالشَّمْسُ تَحْسِدُ نُوراً فِيكَ تَعْرِفُهُ
إِذَا بَدَا وَجْهُكَ الوَضَّاءُ تَنْهَزِمُ
كَأَنَّمَا نَاظِرَاكَ الجَيْشُ فِي وَلَهٍ
وَفِي رُمُوشِكَ سَهْمٌ مِلْؤُهُ نَقَمُ
لَبَّيْتُ قَلْبَكَ لَمَّا صَاحَ هَاتِفُهُ
خَلْفَ النِّدَاءِ فَلَا صَدٌّ وَلَا صَنَمُ
فَخُذْ بَقَاءَكَ مِنْ نَفْسِي الَّتِي شَرَعَتْ
هَذَا الغَرَامَ فَمَا فِي دِينِنَا سَقَمُ
أَنَا الشَّرِيدُ الَّذِي دَارَ الزَّمَانُ بِهِ
وَأَنْتَ حِصْنِي إِذَا مَا حَلَّتِ الغُمَمُ
فَلَوْ بَكَى الدَّهْرُ يَوْماً مِنْ مَوَاجِعِنَا
لَقَالَ كُلُّ هَوَى العُشَّاقِ يُقْتَسَمُ
عِشْقٌ يَعِيشُ وَإِنْ غَابَتْ مَلَامِحُنَا
فَالذَّاتُ تَبْقَى وَهَذَا الطِّينُ يَنْهَدِمُ
نَمُوتُ نَحْنُ وَتَبْقَى فِي الدُّنَا سِيَرٌ
لِلْعَاشِقِينَ وَفِينَا تُنْسَبُ الهِمَمُ
إِنْ كَانَ ذَنْبِيَ فِي هَوَى عَيْنَيْكَ سُكْرُ
يَا لَيْتَ عُمْرِي بِهَذَا الذَّنْبِ يُخْتَتَمُ
بقلم/ محمد أبو شدين/ مصر
(26/8/2026)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق