الاثنين، 24 أغسطس 2026

« رداءُ الطمأنينةِ مثقوب» ✮✮✮ 🖋 الشاعر طاهر عرابي

« رداءُ الطمأنينةِ مثقوب» 

طاهر عرابي
دريسدن، 27.03.2025 | نُقّحت في 24.08.2026


مِن بَتلاتِ الوردِ كُنتُ أَصنعُ شرابًا للطمأنينة،
وأخشَى أن أُوزّعَ وصفتَه،
فأضيعَ في دوّامةِ الرضا والرّفض.
كنتُ واثقًا مِن طَعمِ الريحان، وطَعمِ الليمونِ الأخضر
الذي نشأ قربَ الوردة،
ومَنح بتلاتِها السكينة،
فجعلني أهدأ…
كما لو أنني نسيتُ أن أبحثَ عن اليقين.

أضحكُ مِن نفسي،
ومِن بساطةِ الأشياءِ المتاحةِ التي تهبني البهجة.
أنا مبتهج… أنا مطمئن.
فهل أنا حقًّا «أنا»،
في دهاليزِ السعادة، بين أكفّ الورد
ورحيقِ الليمون؟

في حبِّ الحياةِ نُقلّدُ ما يحلو لنا،
نطاردُ فقاعاتِ الصابون،
تعجبُنا وهي تحملُ قوسَ قزح،
ثم تموتُ رذاذًا
تحمله الريحُ إلى الفناء.
لا نذكرُ هذا الجمالَ اللحظي،
ولا داعيَ للقلق؛
كانت فقاعةً وانتهت،
ونحن مطمئنّون أنها لن تعودَ بمطارقَ
لتدقَّ رؤوسَنا.
ما أقبحَ الجمالَ حين يختبئُ برداءِ الخيبة،
ولِمَ وُلدتِ الفقاعةُ بهذا الجمالِ المقهور؟

نعانقُ الدُّمى القطنية،
ونعلمُ أنها فقاعةُ عاطفةٍ بلا حواس،
أو نرتدي ثيابَ العسكرِ لإظهارِ الشجاعة،
ونحن نكرهُ الحربَ والأزياءَ الإجبارية.
نشتري ما يُخيفُ البعوض،
ونسعلُ قبل مجيئه،
ونطمئنُّ لارتداءِ معطفٍ صيفيٍّ سميكٍ
لا تصله اللسعات،
حتى لو اختنقنا ببخار الماء.

نُقلّدُ الكثيرَ مِن الأشياء…
إلّا الموت.
حتى لو نصبنا شراكًا للبعوض،
وشيّعنا بقاياه بسعادة،
نتحاشى أن نقلّده،
لكنّنا نمضي كجثثٍ هائمة،
نتحدّى الموتَ بالكلمات،
ونتحدّث أمامَ المرايا
لتحسّسِ البهجةِ الأزلية.
نوقظُ الطمأنينةَ بخجلٍ وخوف،
ونخشى الخطأَ في تحديدِ حدودِ البهجة.

نخشى نهايةَ الفصولِ الأربعةِ دفعةً واحدة،
فنهرُبُ إلى عالمٍ يمنحُنا التشبّثَ بالحياة،
فنقولُ أشعارًا، ونسمّيها قصائد،
ثم نهمسُ خِلسةً:

من ماءِ السواقي العذبةِ ندلّلُ النخيل،
فيعانقُ السماء،
ويتركُنا منبهرينَ بسعفِه المتراخي
كموجاتِ شعرِ الحسناوات،
في أسطورةٍ من مملكةِ النخيل،
وراقصاتٍ عذارى بتيجانٍ من السعف،
مُلوّنةٍ بألوانِ الطمأنينة:
بيضاء، ثم بيضاء، وفي الوسط ألفُ لونٍ
يختفي فيه الخوف.

نهربُ، نحملُ متاعَ الفرار:
قلبًا يخفقُ، وفكرًا يدور.
لا بدَّ مِن الإمساكِ بشيءٍ يقبلُنا هاربين،
مثل درجاتِ سلّمٍ ملتوٍ.

بالأمس، زرتُ دارًا للمسنين،
وروضةً للأطفال،
واحتفلتُ بضحكاتٍ سخيةٍ
مغموسةٍ بطرفَيِ الحياة:
من طفلٍ مرحٍ يعدو مسرعًا
ليداعبَ عجوزًا تتفقدُ عكّازَها برعب،
تخشى على نفسها مِن اندفاعِ الطفلِ نحوها.
تبسّمتْ له،
ولمستْ شعرَه،
ثم اطمأنّتْ على عكّازِها،
وعلى عظمِها الذي اجتازَ اختبارَ الرعب.

تنقّلتُ بينهم بالبسماتِ ذاتِها،
بين العجائزِ وبين الأطفال.
عملٌ رائعٌ يستحقُّ المديح…
قلتُ: مديحُ الطمأنينة،
وأغلقتُ الحواس
قبل دخولِ شوائبِ الحياة.

عند طرفِ البحيرة،
مقعدٌ خشبيٌّ قد تسوَّسَ تحتَ شجرةٍ مائلة،
لم يجلسْ عليه إنسانٌ منذ زمن،
كرهَ الطمأنينةَ المتروكةَ لصدفةٍ لن تحدث.
لامسَ غصنُ الشجرةِ ماءَ البحيرة،
ليُشعرَ المقعدَ بأنَّ ظلّها طمأنينة،
ناح الغصنُ على أخيه المقعدِ،
الذي كان يومًا شجرة.
ثقلتِ الطحالبُ على الغصن،
فبقيَ مغموسًا،
ينتظرُ السقوطَ الأخير،
لا مِن غضبِ البحيرة،
ولا مِن طمأنينةِ المقعدِ المهجور،
بل كأحمقٍ لا يدرك أن أخاه ميّتٌ منذ زمن.

نحن ندركُ كلَّ المعاني في الحياة،
لكن… هل نعترفُ بأنّنا ضعفاء؟
لم نخترعْ حاسّةً واحدة
نضيفُها إلى حواسّنا،
حتى لو كانتْ حاسّةَ تفقدِ الغائبين،
أو ما يشبهُ الطمأنينةَ بطعمِ الليمون.

نحبُّ السعيَ المحمومَ نحو السعادة،
لتفادي الخوفِ الذي طغى على الجداولِ فجفّت،
وطغى على البحرِ فامتلأَ بنفاياتِ المتطفّلين
على حكمةِ الأخلاق.
لم نعدْ نرغبُ في إعادةِ الرؤيةِ لمصيرِنا،
صرنا نرى في صناعةِ الواقعِ المهزوم
إنكارًا للأخلاق…
ونسكت.

نحاولُ شدَّ الطمأنينة،
ونلوذُ بالفرار
إلى قناعٍ آخر،
يشبهُ ثوبَ الطمأنينةِ المهترئ،
ويُخفي نداءً مقتولًا في الأفواه.
نحبُّ التغيير، ولسببٍ ما…
نتوقّفُ دومًا عند الطمأنينة؛
فهل لديها مقوّماتُ التغيير لنهدأ؟

ط. عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق