الأحد، 23 أغسطس 2026

لا تعد ✮✮✮ 🖋 الأديب حسين عبدالله جمعة

لا تعد
أحيانًا لا يكون أصعب ما في القرار أن تتخذه،
بل أن تعود عنه بعد أن تكون قد عرفت لماذا اتخذته.
تعود إلى المكان نفسه،
وإلى الأشخاص أنفسهم،
وتحاول أن تقنع نفسك بأن الأشياء ربما تغيّرت،
وأن ما رأيته بالأمس
لم يكن كما ظننته.
ثم تكتشف أنك لا تعيد النظر في قرارك،
بل تعيد نفسك إلى النقطة التي أوجعتك.
وحينها يبدأ ذلك الصوت القديم في داخلك:
لماذا عدت؟
لقد كان القرار واضحًا يوم اتخذته،
وكانت التجربة قد قالت كلمتها،
وكان عليك أن تصغي إليها.
فبعض الأشياء لا تتغير لأنها لم تكن عابرة،
وبعض الطباع لا تبدلها السنوات،
وإنما تمنح أصحابها أساليب جديدة لإخفائها.
وقد يخطئ الإنسان حين يظن أن حسن الظن
يعني أن يغلق عينيه مرة أخرى.
هناك من يتعلم من أخطائه،
وهناك من يتعلم كيف لا يُكتشف.
وهناك من يبدّل لغته،
ويغير ملامحه،
ويعرف من أين تؤكل الفرص،
فيصل إلى حيث يريد.
يسمون ذلك أحيانًا مهارة،
وفطنة،
وفذلكة،
وحربقة...
وربما يصفق لهم الناس أيضًا.
فهذا العالم لا يمنح دائمًا مقاعده الأمامية لمن يستحقها،
ولا يضع دائمًا الصادقين في مقدمة المسرح.
هناك من يجيد الكلام أكثر مما يجيد الوفاء،
ومن يعرف كيف يرتدي لكل مقام ثوبًا،
وكيف يحوّل الدين إلى مظهر،
والمجاملة إلى طريق،
والفرصة إلى مكسب،
والكلمة الجميلة إلى مفتاح لأبواب كثيرة.
لا بأس...
فليس كل ما يلمع يستحق أن نقترب منه،
وليس كل من وصل
كان جديرًا بالوصول.
وليس مطلوبًا منك أن تشبههم
كي تجد لك مكانًا بينهم.
يكفي أن تعرف من أنت،
وأن تتصالح مع قرارك،
وأن لا تعود إلى الباب الذي أغلقته
فقط لأن الوقوف أمامه جعلك تشعر بالوحدة.
قد يكون الطريق وحيدًا...
لكن بعض الطرق،
رغم وحدتها،
أكثر كرامة من مقعد مزدحم
لا يشبهك.
وربما لا تملك أمام كل هذا
إلا أن تمضي كما أنت،
وأن تترك لكل إنسان ما اختار لنفسه.
فلهم الدنيا... ولك الله.

حسين عبدالله جمعة- لبنان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق