الأربعاء، 19 أغسطس 2026

بقلم الأديب أبو سلمى مصطفى حدادي

{الجهل يولد الخوف، و الخوف يولد الخرافة، و الخرافة تنتج العبودية}
باروخ سبينوزا( رسالة في اللاهوت و السياسة)

المقدمة: الإنسان بين نور العقل وظلال الوهم

ليس هناك أقسى على الإنسان من أن يكون أسيراً لجهله، وأن يظن نفسه حراً وهو يجرّ قيوداً صنعها بنفسه. حين تأملت مقولة باروخ سبينوزا، التي تجعل من الجهل أصل الشرور الإنسانية الكبرى، أدركت أن هذه السلسلة ليست مجرد تسلسل زمني، بل هي سقوط وجودي للإنسان في حفر حفرها بيديه. الجهل ليس مجرد غياب للمعرفة، بل هو حالة من العمى الوجودي الذي يجعل الإنسان يرتجف أمام ما لا يفهم، فيخاف، ومن خوفه يبحث عن أوهام تفسر له عالمه المضطرب، وهذه الأوهام (الخرافات) لا تلبث أن تحوله إلى عبد، ليس لسيد خارجي، بل لأوهامه هو نفسه. رحلة الإنسان من نور العقل إلى ظلمات عبوديته الذاتية.
الجهل ـ العمى الذي يسبق السقوط
الجهل، في نظري، ليس فراغاً معرفياً فحسب، بل هو نشاط إنساني إيجابي، أقصد به أن الجاهل لا يكف عن العمل، فهو يعمل باجتهاد على تأويل العالم وفق قياساته الناقصة. إنه يرى الظواهر الطبيعية ولا يدرك أسبابها، فيهرع إلى تفسيرات غيبية. إنه يسمع أصواتاً ولا يعرف مصادرها، فيظنها رسائل من عالم آخر. الجهل هو حالة الطفولة الدائمة التي يرفض فيها العقل النضوج. إن الإنسان الجاهل يشبه من يمشي في غابة مظلمة وهو معصوب العينين، كل حفيف ورقة يتحول في خياله إلى خطر محدق. وهذا العمى هو الذي يخلق أولى ثماره المرة: الخوف.
نحن هنا لا نتحدث عن الجهل الأكاديمي، بل عن الجهل الوجودي، وهو الجهل بذاتنا، بحدود قدراتنا، بموقعنا في هذا الكون الفسيح. إنه الجهل بحقيقة أننا جزء من نظام طبيعي، ولسنا مركزه ولا محوره. فالجهل بهذه الحقيقة هو البذرة التي ستنبت وتكبر لتتحول إلى شجرة الخوف المظللة.
الخوف ـ ردة الفعل الوجودية الأولى
الخوف، كما أراه، هو صرخة الإنسان الأولى عندما يواجه عالماً لا يفهمه. إنه ليس مجرد انفعال عابر، بل هو حالة وجودية متجذرة، تجعل الإنسان يتخذ موقفاً دفاعياً من الوجود ذاته. إن الخوف الذي يولده الجهل ليس خوفاً من خطر حقيقي محدق، بل هو خوف من المجهول، من الغامض، من كل ما هو خارج دائرة الفهم المحدودة. إنه خوف يجعله يرى في الليل ظلالاً، وفي العاصفة غضباً، وفي المرض لعنة، وفي الموت نهاية مطلقة.
هذا الخوف هو الذي ينتزع من الإنسان هدوءه العقلي، ويجعله في حالة تأهب دائم. وهو يختلف عن الخوف الطبيعي الذي يحافظ على بقائنا، ذلك الخوف الذي يدفعنا للابتعاد عن النار أو السقوط. أما خوف الجهل فهو خوف ميتافيزيقي، خوف من لا شيء، خوف يبحث عن جسد ليتجسد فيه، ولن يجد أفضل من الخرافة ليحتضنه.
 الخرافة ـ الوهم المنظم الذي يهدئ الرعب
الخرافة هي ابنة الخوف الشرعية، وهي المحاولة الإنسانية الأكثر إبداعاً وجنوناً لترويض المجهول. إنها ليست مجرد معتقدات ساذجة، بل هي نظام فكري كامل يُقنع الإنسان بأنه فهم العالم، في حين أنه اخترعه. أرى في الخرافة أعظم اختراع بشري لمواجهة العبث، فهي تملأ الفراغ الذي يتركه العقل، وتعطي إجابات سهلة لأسئلة صعبة. إنها تقول للإنسان الخائف: "لا تخف، هناك من يدبر الأمر، هناك نظام خفي، هناك إرادة تقف وراء الفوضى
لكن ثمن هذه الطمأنينة الوهمية باهظ، فهي تسلب الإنسان إرادته وتوقفه عن التفكير النقدي. الخرافة هي استسلام العقل، هي أن يرضى الإنسان بجواب وهمي ليهرب من عناء البحث عن جواب حقيقي. هي أن يقرر أن العالم أكثر بساطة مما هو عليه، كي لا يواجه تعقيده المرهق. وهنا تكمن المفارقة: فالخرافة التي تولد لتحرر الإنسان من خوفه، هي التي تعدّ له أرضية العبودية الأكثر رسوخاً.
العبودية ـ المصير المحتوم للعقل المستسلم
العبودية، في فهمي لسبينوزا، هي المرحلة الأخيرة والأكثر تراجيدية في هذه السلسلة. إنها ليست بالضرورة عبودية جسدية أو سياسية، بل هي عبودية للخرافة وللخوف وللجهل نفسه. العبد الحقيقي هو من يخضع لأوهامه، ومن يرضى بأن يكون تابعاً لأفكار لا يملكها، وأن ينفذ إرادات لا تعبر عنه. العبودية هي أن يظن الإنسان نفسه حراً، وهو يكرر أفعالاً لا يفهم أسبابها، وأن يعتقد أنه يختار، وهو مجبر بفهمه القاصر عن العالم.
هذه العبودية هي نتيجة حتمية لمنطق سبينوزا، فحين يجهل الإنسان، يخاف، وحين يخاف، يؤمن بالخرافات، وحين يؤمن بها، يصبح عبداً لها. ومن أخطر صور هذه العبودية، أن يعتقد الإنسان أنه حر وهو عبد، لأن هذا الاعتقاد يمنعه حتى من محاولة التحرر. فالعبودية الحقيقية ليست في القيود، بل في عدم الشعور بها.
الخاتمة: طريق التحرر يبدأ بالشجاعة على المعرفة
لقد أوصلنا منطق سبينوزا إلى هذه الحلقة المفرغة، لكنه لم يتركنا فيها بلا مخرج. فإذا كان الجهل هو البذرة، والعبودية هي الثمرة، فإن الطريق إلى الحرية يبدأ بالمعرفة. إن التحرر من سلسلة الجهل-الخوف-الخرافة-العبودية لا يتطلب ثورة خارجية بقدر ما يتطلب ثورة داخلية في العقل. إنها شجاعة أن نواجه العالم بكل تعقيداته، وأن نرضى بأن تكون إجاباتنا ناقصة مؤقتاً بدلاً من أن تكون كاملة وهمية.
إن حرية الإنسان، أي إنسان، تكمن في قدرته على القول: "لا أعرف، لكنني سأبحث". في هذه اللحظة، يسقط الجهل، ويضمحل الخوف، وتتبخر الخرافة، وتتحطم قيود العبودية. ليس الطريق سهلاً، بل هو ممهد بالشك والمعاناة والجهد العقلي، لكنه الطريق الوحيد لإنسانية حقيقية. إنها دعوة لأن نكون آلهة أنفسنا، لا بعبادة الذات، بل بإضاءة عقولنا لنرى العالم كما هو، وليس كما يخيفنا أو يخدعنا أن نراه.

بقلمي
أبو سلمى مصطفى حدادي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق