تحليل وقراءة ادبية بقلم الشاعرة الأديبة غزلان
نص «عليك بالأجواد» للشاعر يوسف بلعابي هو نص وجداني اجتماعي يقوم على ثنائية واضحة بين الخذلان والوفاء وبين صحبة الأوغاد ورفقة الكرام وهو في جوهره نص يدعو إلى تجاوز العلاقات المؤذية واستبدالها بصحبة تمنح الإنسان الأمان والسند
يفتتح الشاعر نصه بأفعال متتابعة «امح أشطب افسخ» وهي بداية قوية من الناحية النفسية لأنها لا تترك مجالا للتردد بل تقدم قرارا حاسما بقطع الصلة بالماضي ثم يوسع دائرة القطيعة بأفعال أخرى «انس واترك واهجر» وكأن الشاعر يريد تحرير الذات من كل ما يثقلها عاطفيا ونفسيا
ويبرز في النص مفهوم الخذلان والغدر باعتبارهما نقيضين للقيم التي يحملها الإنسان النبيل فالكاتب لا يكتفي بوصف الخيانة وإنما يضع في مواجهتها منظومة أخلاقية متكاملة تقوم على الصفاء والنقاء والوفاء وطيب المعشر والمواقف الجميلة والشهامة والمكارم وهذا التقابل يشكل العمود الفقري للنص
ومن أجمل المقاطع دلالة قوله
«دعه للأيام تذكره من أنت
يا صديقي الشهم الأغر»
فهنا ينتقل الشاعر من الانفعال إلى الحكمة إذ يجعل الزمن شاهدا على قيمة الإنسان بدلا من الدخول في صراع مع من اختار ألا يراه وهذه رؤية ناضجة تقوم على أن الإنسان لا يحتاج إلى إثبات قيمته لمن أنكر فضله
كما يحمل النص بعدا تربويا واضحا في قوله
«إن الأيام من دروسها نتعلم
والحياة تستمر»
فالخذلان في رؤية الشاعر ليس نهاية الطريق وإنما درس من دروس الحياة ومن هنا ينتقل النص من ألم الماضي إلى الأمل في المستقبل
«بالأمس صاحبت ورافقت أوغاد
وغدا حتما تصحب الأجواد»
وتمنح المقابلة بين الأمس والغد النص حركة واضحة فهناك ماض مؤلم وحاضر يتعلم ومستقبل يحمل أملا جديدا
أما القسم الأخير فيمثل ذروة النص حيث يتحول الأجواد من مجرد أشخاص صالحين إلى صورة متكاملة للصديق الحقيقي فهم جابرون للانكسار ومكفكفون للدموع وبلسم للجراح وترياق للألم ومسك وطيب وعطر وهواء نقي ونسائم صباح
وتقوم هذه الصور على معجم حسي جميل فالصديق الصالح لا يوصف بصفات مجردة فقط بل يتحول إلى شيء يحس به الإنسان ويشم رائحته ويتنفس حضوره وهذا يمنح الخاتمة دفئا عاطفيا واضحا
ومن الناحية الفنية يعتمد النص على النثر الشعري والقصيدة الوجدانية الحرة ولا يلتزم بوزن خليلي محدد وتظهر فيه كثافة الأفعال والتكرار والمقابلة وهو ما يمنحه نبرة خطابية مباشرة
وتكمن قوة النص في صدقه العاطفي ووضوح رسالته فهو لا يتعمد الغموض وإنما يخاطب صديقا أنهكه الخذلان ويمنحه مساحة من المواساة ويحثه على النهوض من جديد
أما الملاحظة الفنية الأهم فهي أن النص كان يمكن أن يكون أكثر تكثيفا وأقوى شعريا لو خففت بعض التكرارات والعبارات التقريرية لأن المعنى في بعض المواضع يشرح أكثر مما يصور كما أن بعض الانتقالات تحتاج إلى إحكام أكبر حتى تتماسك الموسيقى الداخلية للنص
وفي جوهره فإن «عليك بالأجواد» نص عن استرداد الذات بعد الخذلان ورسالة النص أن خسارة من لا يقدر الوفاء ليست خسارة حقيقية وأن الإنسان لا ينبغي أن يقيم طويلا عند أبواب من أغلقوا قلوبهم بل يبحث عن الذين يعرفون قيمة الصحبة والمواقف
وأجمل ما في النص أنه لا يجعل الخذلان خاتمة الحكاية بل يجعله عتبة نحو صحبة أنقى
وبقراءة نقدية صريحة فإن النص قوي في فكرته وصدقه الوجداني وواضح في رسالته وغني بقيمه الإنسانية لكنه يحتاج إلى مزيد من التكثيف والصور الشعرية والإيقاع الداخلي حتى ينتقل من خطاب الحكمة والموعظة إلى مستوى شعري أكثر رسوخا
مع تحيات رئيس مجلس الإدارة
--------
امح ..أشطب..افسخ
اقطع كل ماضي
وانس واترك واهجر
من لصفاء والنقاء والوفاء
ولطيب المعشر زهد ومكر
إن الخذلان والغدر من طبع البشر
يجد في غيرك بصيص نور
غيرك..بدلك ولمواقفك الجميلة نكر
دعه للأيام تذكره من أنت
يا صديقي الشهم الأغر
فلا تندم ولا تيأس ولا تبتئس
إن الأيام من دروسها نتعلم
والحياة تستمر
بالأمس صاحبت ورافقت أوغاد
وغدا حتما تصحب الأجواد
ما عليك يا صاحبي
سوى مخالطة ورفقة الكرام
معهم تحلو الحياة والمقام
ويطيب العيش و المستقر
إن المكارم والاجواد
إذا جار الزمان عليك يوما
يجودون
واذا انكسرت تجدهم لكسرك جابرون
وإذا بكيت لدمعك مكفكفون
فهم البلسم والترياق لكل الجراح
وهم المسك والطيب والعطر الفواح
والهواء النقي ونسائم الصباح
بقلمي يوسف بلعابي تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق