تَعَدُّدٌ دون اسْتِعْلَاءٍ، وَعَالَمِيَّةٌ دون ذَوَبَانٍ:
"نَحْوَ فَلْسَفَةٍ لِلْهُوِيَّةِ بَيْنَ نَقْدِ الهَيْمَنَةِ وَنَقْدِ الذَّاتِ"
_______ *______
يَشْهَدُ العَالَمُ المُعَاصِرُ تَحَوُّلَاتٍ عَمِيقَةً عَلَى مُسْتَوَيَاتِ الاتِّصَالِ وَالاقْتِصَادِ وَالسِّيَاسَةِ وَالثَّقَافَةِ، جَعَلَتْ مِنْهُ قَرْيَةً صَغِيرَةً يَتَدَاخَلُ فِيهَا القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، وَيَتَلَاقَى فِيهَا المُخْتَلِفُ وَالمُتَشَابِهُ، وَيَصْطَدِمُ فِيهَا القَوِيُّ بِالضَّعِيفِ. وَفِي ظِلِّ هَذِهِ العَوْلَمَةِ الَّتِي تَقُودُهَا الدُّوَلُ الكُبْرَى وَتَفْرِضُ أَدَوَاتِهَا الإِعْلَامِيَّةَ وَالتِّكْنُولُوجِيَّةَ وَالاقْتِصَادِيَّةَ، بَرَزَ سُؤَالٌ جَوْهَرِيٌّ وَإِشْكَالِيٌّ يُؤَرِّقُ الفِكْرَ الإِنْسَانِيَّ وَيَفْتَحُ البَابَ عَلَى نِقَاشٍ أَكَادِيمِيٍّ وَوَاقِعِيٍّ لَا يَقِلُّ خُطُورَةً عَنِ الصِّرَاعَاتِ المُسَلَّحَةِ: هَلْ نَحْنُ بَصَدِ التَّشَكُّلِ نَحْوَ "حَضَارَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَاحِدَةٍ" تَسْتَوْعِبُ كُلَّ الشُّعُوبِ وَتَذِيبُ خُصُوصِيَّاتِهَا فِي بَوْتَقَةٍ كَوْنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، أَمْ أَنَّنَا ذَاهِبُونَ نَحْوَ "حَضَارَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ" تَتَنَافَسُ وَتَتَحَاوَرُ وَتَحْتَفِظُ كُلٌّ مِنْهَا بِنَفَسِهَا الخَاصِّ؟ وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، فَمَا هُوَ دَوْرُ المُثَقَّفِ وَالأَدِيبِ وَالمُفَكِّرِ وَالعَالِمِ فِي صِيَاغَةِ هَذَا المُسْتَقْبَلِ الإِنْسَانِيِّ المُتَوَتِّرِ بَيْنَ الوَحْدَةِ وَالتَّعَدُّدِ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَجَاوَزَ هَذَا الدَّوْرُ الرُّومَانْسِيَّةَ الثَّقَافِيَّةَ إِلَى نَقْدٍ حَاسِمٍ يَضَعُ الإِنْسَانَ قَبْلَ الثَّقَافَةِ؟
يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ الإِجَابَةَ لَا تَقَعُ فِي أَحَدِ القُطْبَيْنِ خَالِصَةً، بَلْ فِي التَّلَاقِي الجَدَلِيِّ بَيْنَهُمَا عَلَى أَسَاسٍ غَيْرِ رُومَانْسِيٍّ. فَمِنْ جِهَةٍ نَعَمْ هُنَاكَ حَضَارَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ وَاحِدَةٌ بِمَعْنَى المَصِيرِ المُشْتَرَكِ وَالأَسْئِلَةِ الكُبْرَى الوَاحِدَةِ حَوْلَ الحَقِّ وَالجَمَالِ وَالعَدْلِ وَمَعْنَى الوُجُودِ، وَكُلُّ اخْتِرَاعٍ أَوْ فِكْرَةٍ أَوْ قَصِيدَةٍ تُضَافُ إِلَى "بَنْكِ الإِنْسَانِيَّةِ" العَامِّ فَتُصْبِحُ مِلْكًا لِلْجَمِيعِ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَا يُمْكِنُ لِهَذِهِ الحَضَارَةِ أَنْ تَتَنَفَّسَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ رِئَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ هِيَ الثَّقَافَاتُ المَحَلِّيَّةُ، فَلِكُلِّ شَعْبٍ لُغَتُهُ الَّتِي يُفَكِّرُ بِهَا وَذَاكِرَتُهُ الَّتِي يَحْلُمُ بِهَا وَطَقْسُهُ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَنْ رُوحِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ يَجِبُ قَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَى الرُّومَانْسِيَّةِ الثَّقَافِيَّةِ الَّتِي تَقُولُ إِنَّ "كُلَّ ثَقَافَةٍ تَحْمِلُ حُلُولًا إِنْسَانِيَّةً لَمْ نَكْتَشِفْهَا بَعْدُ". فَهَذَا قَوْلٌ جَمِيلٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ صَحِيحًا بِالضَّرُورَةِ، لِأَنَّ الثَّقَافَاتِ لَيْسَتْ مَخَازِنَ حِكْمَةٍ فَقَطْ، بَلْ فِي دَاخِلِهَا حِكْمَةٌ وَخُرَافَةٌ، وَجَمَالٌ وَعُنْفٌ، وَتَحَرُّرٌ وَقَمْعٌ، وَمَعْرِفَةٌ وَجَهْلٌ، وَقِيَمٌ إِنْسَانِيَّةٌ وَمُمَارَسَاتٌ لَا إِنْسَانِيَّةٌ. وَلِذَلِكَ فَالعَلَاقَةُ بَيْنَ الوَاحِدِ وَالمُتَعَدِّدِ لَيْسَتْ عَلَاقَةَ تَقْدِيسٍ أَعْمَى لِلْخُصُوصِيَّةِ، بَلْ عَلَاقَةُ مُحَاكَمَةٍ وَفَرْزٍ. فَالخُصُوصِيَّةُ لَيْسَتْ مُقَدَّسَةً لِمُجَرَّدِ أَنَّهَا خُصُوصِيَّةٌ، وَالوَافِدُ لَيْسَ مُتَفَوِّقًا لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ وَافِدٌ. وَالمِعْيَارُ الوَحِيدُ الَّذِي يَتَجَاوَزُهُمَا مَعًا هُوَ: هَلْ يَزِيدُ هَذَا مِنَ حُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ وَكَرَامَتِهِ وَعَدَالَتِهِ، أَمْ يَنْتَقِصُ مِنْهَا؟ وَبِذَلِكَ فَإِنَّ الحَضَارَةَ الإِنْسَانِيَّةَ كَشَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ عَظِيمَةٍ جُذُورُهَا وَاحِدَةٌ وَسَاقُهَا وَاحِدٌ وَلَكِنَّ لَهَا أَغْصَانًا كَثِيرَةً، وَوَاجِبُنَا لَيْسَ أَنْ نَذُوبَ فِي وَاحِدٍ فَنُصْبِحَ نُسْخَةً، وَلَا أَنْ نَنْعَزِلَ فِي كَثِيرٍ فَنُصْبِحَ جُزُرًا، بَلْ أَنْ نَكُونَ أَصِيلِينَ فِي خُصُوصِيَّتِنَا وَمُنْفَتِحِينَ فِي إِنْسَانِيَّتِنَا، مَعَ الحَذَرِ الدَّائِمِ مِنْ أَنْ نَجْعَلَ مِنْ خُصُوصِيَّتِنَا سِجْنًا، فَلَيْسَتْ كُلُّ جُذُورٍ مُقَدَّسَةً، وَلَيْسَتْ كُلُّ نَافِذَةٍ خِيَانَةً.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَبْرُزُ سُؤَالٌ آخَرُ لَا أَقَلَّ جَوْهَرِيَّةً وَهُوَ: هَلْ هُنَاكَ مُبَرِّرٌ لِخَوْفِ الأَقَلِّيَّاتِ دُوَلًا كَانَتْ أَمْ شُعُوبًا أَمْ طَوَائِفَ أَمْ إِثْنِيَّاتٍ مِنْ ذَوَبَانِهَا وَانْدِثَارِهَا بِسَبِ هَيْمَنَةِ ثَقَافَاتٍ وَحَضَارَاتٍ كُبْرَى؟ وَالجَوَابُ هُوَ نَعَمْ، فَالخَوْفُ لَهُ مُبَرِّرَاتُهُ التَّارِيخِيَّةُ وَالوَاقِعِيَّةُ، فَهَيْمَنَةُ الإِعْلَامِ وَالسُّوقِ تَجْعَلُ مِنْ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ وَنَمَطِ عَيْشٍ وَاحِدٍ مِعْيَارًا لِلنَّجَاحِ فَتَتَرَاجَعُ اللُّغَاتُ الصُّغْرَى إِلَى هَامِشِ البَيْتِ، وَالسِّيَاسَةُ وَالقُوَّةُ النَّاعِمَةُ تَفْرِضُ قِيَمَهَا فَتَجِدُ الأَقَلِّيَّةُ نَفْسَهَا مُخَيَّرَةً بَيْنَ التَّشَبُّهِ لِتَعِيشَ أَوِ التَّمَسُّكِ فَتُهَمَّشَ. غَيْرَ أَنَّ مُقَاوَمَةَ الهَيْمَنَةِ الخَارِجِيَّةِ يَجِبُ أَلَّا تَتَحَوَّلَ مِنْ حَيْثُ لَا نَشْعُرُ إِلَى حِمَايَةٍ لِهَيْمَنَةٍ دَاخِلِيَّةٍ. وَهُنَا يَبْرُزُ السُّؤَالُ الأَكْثَرُ إِزْعَاجًا وَالأَكْثَرُ ضَرُورَةً: مَاذَا لَوْ كَانَ بَعْضُ مَا نُرِيدُ حِمَايَتَهُ مِنْ "الخُصُوصِيَّةِ" يَسْتَحِقُّ فِعْلًا أَنْ يَتَغَيَّرَ؟ وَمَاذَا لَوْ كَانَتْ خُصُوصِيَّتِي ظَالِمَةً؟ وَمَاذَا لَوْ كَانَ وَافِدِي أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً مِنْ مُورُوثِي؟ إِنَّ هَذِهِ الأَسْئِلَةَ تَفْرِضُ عَلَيْنَا أَلَّا نُحَوِّلَ "الخُصُوصِيَّةَ الثَّقَافِيَّةَ" إِلَى حَصَانَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ، وَأَنْ نُدَافِعَ عَنِ الإِنْسَانِ قَبْلَ أَنْ نُدَافِعَ عَنِ الثَّقَافَةِ، لِأَنَّ الثَّقَافَةَ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى سَحْقِ الإِنْسَانِ كَيْ تَبْقَى لَيْسَتْ خُصُوصِيَّةً جَدِيرَةً بِالحِمَايَةِ، بَلْ هِيَ هَيْمَنَةٌ تَرْتَدِي ثَوْبَ التُّرَاثِ. وَتَدَاعِيَاتُ الذَّوَبَانِ لَيْسَتْ عَلَى الأَقَلِّيَّةِ وَحْدَهَا بَلْ عَلَى الإِنْسَانِيَّةِ كُلِّهَا، إِذْ نَخْسَرُ التَّنَوُّعَ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الإِبْدَاعِ، وَيَتَحَوَّلُ الصِّرَاعُ مِنَ الثَّقَافَةِ إِلَى العُنْفِ عِنْدَمَا يَشْعُرُ المُهَمَّشُ أَنَّهُ لَا مَجَالَ لَهُ، وَلِذَلِكَ فَالحَلُّ لَيْسَ فِي الانْعِزَالِ بَلْ فِي صِيَاغَةِ "تَلَاقُحٍ" لَا "ابْتِلَاعٍ" وَفِي "تَعَدُّدٍ فِي الوِحْدَةِ" لَا فِي "وِحْدَةٍ عَلَى حِسَابِ التَّعَدُّدِ".
وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ فِي الوَاقِعِ الرَّاهِنِ نَجِدُ أَنَّ مَا نَصِفُهُ وَاقِعٌ نَعِيشُهُ بِالفِعْلِ، فَالعَوْلَمَةُ لَيْسَتْ قَرْيَةً مُتَكَافِئَةً بَلْ سُوقًا كَبِيرَةً تَضَعُ قَوَاعِدَهَا قِلَّةٌ قَلِيلَةٌ وَتَبِيعُ فِيهَا ثَقَافَتَهَا كَقَدَرٍ حَتْمِيٍّ، وَمَجْلِسُ الأَمْنِ وَحَقُّ الفِيتُو دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ العَالَمَ لَا يَزَالُ يُدَارُ بِمَنْطِقِ المُنْتَصِرِينَ فِي الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَأَصْبَحَتِ السِّيَادَةُ كَلِمَةً فِي الكُتُبِ بَيْنَمَا تُفْرَضُ الإِمْلَاءَاتُ عَلَى الدُّوَلِ الضَّعِيفَةِ دُونَ احْتِرَامٍ لِاخْتِلَافِهَا الثَّقَافِيِّ. وَالمُفَارَقَةُ الكُبْرَى فِي العَوْلَمَةِ أَنَّهَا جَعَلَتِ العَالَمَ أَكْثَرَ اتِّصَالًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَجْعَلْهُ بِالضَّرُورَةِ أَكْثَرَ اعْتِرَافًا بِبَعْضِهِ، فَقَدْ قَصَّرَتِ المَسَافَاتِ بَيْنَ البَشَرِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَنْجَحْ دَائِمًا فِي تَقْصِيرِ المَسَافَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالإِنْسَانِ. وَفِي مُقَابِلِ هَذَا الوَاقِعِ المُتَوَحِّشِ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَسْلِمَ لِفِكْرَةِ الحَتْمِيَّةِ، لِأَنَّ التَّارِيخَ لَمْ يَنْتَهِ، فَهُنَاكَ قُوَّةُ المُقَاوَمَةِ الثَّقَافِيَّةِ، وَقُوَّةُ تَعَدُّدِ الأَقْطَابِ، وَقُوَّةُ الضَّمِيرِ الإِنْسَانِيِّ. وَالسُّؤَالُ المَطْرُوحُ هُنَا هُوَ: مَا هُوَ دَوْرُ المُثَقَّفِ فِي هَذَا الوَاقِعِ؟ هَلْ دَوْرُهُ المُقَاوَمَةُ بِالكَلِمَةِ أَمْ التَّوْسِيطُ لِلْحِوَارِ؟ وَالأَهَمُّ: مَاذَا لَوْ كَانَ المُثَقَّفُ نَفْسُهُ جُزْءًا مِنْ آلَةِ الهَيْمَنَةِ؟
إِنَّ دَوْرَ المُثَقَّفِ وَالأَدِيبِ وَالمُفَكِّرِ وَالعَالِمِ فِي العَالَمِ المُتَوَحِّشِ لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ دَوْرِ السِّيَاسِيِّ وَالعَسْكَرِيِّ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَخْطَرَ، فَالقَلَمُ لَا يَكْسِرُ الدَّبَّابَةَ وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي تَجْعَلُهَا تَسِيرُ. وَوَظِيفَتُهُ الأُولَى هِيَ التَّنْوِيرُ وَتَفْكِيكُ "خِطَابِ الحَتْمِيَّةِ" وَكَشْفُ أَنَّ الحَدَاثَةَ لَيْسَتْ نَمُوذَجًا وَاحِدًا. وَوَظِيفَتُهُ الثَّانِيَةُ هِيَ الحِفْظُ النَّقْدِيُّ لَا الحِفْظُ المُطْلَقُ، فَالأَدِيبُ أَرْشِيفٌ حَيٌّ وَلَيْسَ حَارِسَ مَتْحَفٍ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ مَا فِي الذَّاكِرَةِ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُحْيَا وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَمُوتَ، لِأَنَّ التُّرَاثَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقْدَ يَتَحَوَّلُ سَرِيعًا مِنْ مَصْدَرٍ لِلهُوِيَّةِ إِلَى قَيْدٍ عَلَيْهَا. وَوَظِيفَتُهُ الثَّالِثَةُ هِيَ بِنَاءُ الجُسُورِ وَصِيَاغَةُ تَضَامُنٍ عَابِرٍ لِلْحُدُودِ مَعَ المُثَقَّفِينَ فِي العَالَمِ لِصِيَاغَةِ "عَوْلَمَةٍ بَدِيلَةٍ" قَائِمَةٍ عَلَى العَدَالَةِ. وَوَظِيفَتُهُ الرَّابِعَةُ هِيَ تَقْدِيمُ البَدَائِلِ العَمَلِيَّةِ فِي التَّنْمِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالاقْتِصَادِ. وَوَظِيفَتُهُ الخَامِسَةُ هِيَ الشَّهَادَةُ الأَخْلَاقِيَّةُ وَقَوْلُ الحَقِّ فِي زَمَنِ الكَيْلِ بِمِكْيَالَيْنِ، مَعَ الحَذَرِ مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ حَارِسٍ لِلذَّاكِرَةِ إِلَى حَارِسٍ لِلمُورُوثِ كَيْفَمَا كَانَ. فَالمُثَقَّفُ الحَقُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ "مُدَافِعٍ عَنِ الهُوِيَّةِ"، لِأَنَّ الهُوِيَّةَ نَفْسَهَا قَدْ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُنْقِذُهَا مِنْ أَبْنَائِهَا، كَمَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَحْمِيهَا مِنْ خُصُومِهَا. وَالتَّارِيخُ يُعَلِّمُنَا أَنَّ كُلَّ إِمْبَرَاطُورِيَّةٍ سَقَطَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْقُطَ جُيُوشُهَا... سَقَطَتْ قَصَائِدُهَا وَفِكْرُهَا أَوَّلًا.
وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الفَقَرَاتِ السَّابِقَةِ، يَتَّضِحُ أَنَّ النَّصَّ الفِكْرِيَّ البَحْثِيَّ لَا يَجِبُ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ التَّشْخِيصِ بَلْ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى صِيَاغَةِ رُؤْيَةٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ غَيْرِ مِثَالِيَّةٍ. وَالرُّؤْيَةُ الَّتِي تَفْرِضُهَا مُعْطَيَاتُ الوَاقِعِ هِيَ ضَرُورَةُ الوُصُولِ إِلَى "مُصَالَحَةٍ حَضَارِيَّةٍ" لَا تَنْفِي الوَاحِدَ وَلَا تُلْغِي المُتَعَدِّدَ، بَلْ تَجْعَلُ مِنَ التَّعَدُّدِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الوَاحِدِ. وَهَذِهِ المُصَالَحَةُ لَيْسَتْ تَعَايُشًا سَاذِجًا، بَلْ هِيَ "تَعَدُّدٌ حَضَارِيٌّ بِلَا اسْتِعْلَاءٍ، وَعَالَمِيَّةٌ بِلَا ابْتِلَاعٍ، وَهُوِيَّةٌ بِلَا انْغِلَاقٍ، وَانْفِتَاحٌ بِلَا ذَوَبَانٍ". وَفِي هَذِهِ المُصَالَحَةِ يَقَعُ العِبْءُ الأَكْبَرُ عَلَى النُّخْبَةِ المُفَكِّرَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ كَالأَنَا العَاقِلَةِ الَّتِي تَجْلِسُ الهَوَى وَالضَّمِيرَ عَلَى مَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ، فَتَأْخُذُ مِنَ العَالَمِ العِلْمَ وَتُعْطِي العَالَمَ الرُّوحَ، وَتَسْأَلُ دَائِمًا: هَلْ هَذَا يُسْعِدُ الإِنْسَانَ؟ وَهَلْ هَذَا يَنْفَعُ الإِنْسَانِيَّةَ؟ وَهَلْ هَذَا لَا يُؤْذِي الآخَرَ المُخْتَلِفَ؟ فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الإِجَابَاتُ الثَّلَاثُ عَلَى "نَعَمْ" فَحِينَهَا فَقَطْ يُمْكِنُ أَنْ نَمْضِيَ نَحْوَ عَالَمٍ لَا تَذُوبُ فِيهِ الحَضَارَاتُ وَلَا تَتَصَارَعُ، بَلْ تَتَعَانَقُ. وَالغَايَةُ لَيْسَتْ أَنْ نَنْتَصِرَ لِحَضَارَةٍ ضِدَّ حَضَارَةٍ، وَلَا أَنْ نَسْتَبْدِلَ مَرْكَزِيَّةً غَرْبِيَّةً بِمَرْكَزِيَّةٍ شَرْقِيَّةٍ، وَلَا أَنْ نُقِيمَ جِدَارًا ثَقَافِيًّا حَوْلَ الذَّاتِ خَوْفًا مِنَ الآخَرِ، وَإِنَّمَا أَنْ نَصِلَ إِلَى إِنْسَانِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى قَتْلِ الاخْتِلَافِ كَيْ تُثْبِتَ وَحْدَتَهَا.
يَتَّضِحُ مِمَّا سَبَقَ طَرْحُهُ، أَنَّ إِشْكَالِيَّةَ "الحَضَارَةِ الوَاحِدَةِ أَمْ الحَضَارَاتِ المُتَعَدِّدَةِ" لَيْسَتْ إِشْكَالِيَّةً نَظَرِيَّةً مُجَرَّدَةً بَلْ هِيَ صِرَاعُ الوَاقِعِ اليَوْمِيِّ بَيْنَ قُوَى الهَيْمَنَةِ وَقُوَى المُقَاوَمَةِ، وَبَيْنَ مَنْطِقِ السُّوقِ وَمَنْطِقِ الذَّاكِرَةِ، وَبَيْنَ حَقِّ الإِنْسَانِ فِي الانْتِمَاءِ وَحَقِّهِ فِي الانْفِتَاحِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الحَلَّ لَا يَكْمُنُ فِي الانْصِهَارِ المُذِيبِ وَلَا فِي الانْغِلَاقِ المُتَحَجِّرِ، بَلْ فِي صِيَاغَةِ عَلَاقَةٍ جَدَلِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ يَكُونُ فِيهَا التَّنَوُّعُ ثَرْوَةً لِلْوَحْدَةِ بَعْدَ مُرُورِهِ عَلَى مِعْيَارِ الإِنْسَانِ وَحُرِّيَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَتَكُونُ الوَحْدَةُ إِطَارًا حَامِيًا لِلتَّنَوُّعِ دُونَ أَنْ تُقَدِّسَهُ تَقْدِيسًا أَعْمَى. وَأَنَّ المُثَقَّفَ وَالأَدِيبَ وَالمُفَكِّرَ وَالعَالِمَ هُمُ الحَلَقَةُ الأَضْعَفُ ظَاهِرًا وَالأَقْوَى جَوْهَرًا فِي هَذِهِ المُعَادَلَةِ، لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَدَاةَ صِنَاعَةِ المَعْنَى وَصِيَاغَةِ الخَيَالِ الجَمْعِيِّ، عَلَى شَرْطِ أَنْ يُحَاكِمُوا أَنْفُسَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحَاكِمُوا الآخَرَ. وَمَعَ ذَلِكَ يَبْقَى السُّؤَالُ مَفْتُوحًا: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلنُّخَبِ الثَّقَافِيَّةِ فِي الدُّوَلِ الضَّعِيفَةِ أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ مَوْقِعِ الدِّفَاعِ إِلَى مَوْقِعِ صِيَاغَةِ البَدِيلِ الحَضَارِيِّ دُونَ أَنْ تَسْقُطَ فِي فَخِّ التَّقْلِيدِ أَوِ الانْعِزَالِ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ لِلمُؤَسَّسَاتِ الثَّقَافِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ أَنْ تَكُونَ فَضَاءً حَقِيقِيًّا لِلْحِوَارِ المُتَكَافِئِ أَمْ أَنَّهَا سَتَبْقَى مِرْآةً لِلمَوَازِينِ السِّيَتاسِيَّةِ القَائِمَةِ؟
***
تَعْرِيفٌ بِالكَاتِبِ :الكِيلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بُوسِتَّةَ
كَاتِب وَمُفَكِّرٌ تُونِسِيٌّ مُعَاصِرٌ. يَكْتُبُ فِي مَجَالَاتِ القِصَّةِ القَصِيرَةِ وَالنَّقْدِ الثَّقَافِيِّ وَالفِكْرِ الإِنْسَانِيِّ، وَتَتَمَيَّزُ كِتَابَاتُهُ بِهُمُومِ الإِنْسَانِ وَالمُجْتَمَعِ، ومن كتاباته الفكرية:
- هِجْرَةُ الْأَفَارِقَةِ جَنُوبَ الصَّحْرَاءِ إِلَى الشِّمَالِ: الْأَسْبَابُ وَالدَّوَافِعُ وَسُبُلُ نُهُوضِ دُوَلِ الْقَارَّةِ فِي ظِلِّ أَزْمَةِ السِّيَادَةِ وَالتَّنْمِيَةِ
- الطِّفْلُ حَطَبُ المحْرَقَةِ ورَهِينَةُ الصِّرَاعِ: إِشْكَالِيَّاتُ الحِمَايَةِ القَانُونِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ فِي تُونِسَ - نَحْوَ دَوْرٍ مُؤَسَّسَاتِيٍّ لِلدَّوْلَةِ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق