الأربعاء، 19 أغسطس 2026

روح تتحدى الخراب ✮✮✮ بقلم الشاعر: جبران العشملي

روحٌ تتحدى الخراب

وأنتَ تصعد الرصيف،
كأنك ترفع من تحت الحجارة
اسمًا نجا من النسيان.

كانت المدينة تمشي خلفك،
بخطواتٍ ناقصة،
وتخبئ في جيوبها مفاتيحَ
لم تعد تعرف أبوابها.

لم تكن الحرب تمرّ من هنا؛
كانت تترك في الجدران
ذاكرةً لا تخصّ أحدًا،
ثم تمضي.

كنتَ تجوب الطرقات،
لا لتجد طريقك،
بل لتتأكد
أن المدينة ما زالت تعرف اسمك.

تتعثر بأقدام الذين غادروا الطريق،
وتصغي إلى الأرصفة؛
فبعض الأماكن
تتذكر أصحابها
أكثر مما تتذكر أسماءها.

أيها العابر بين أيامٍ فقدت ملامحها،
لا تقل إن الموت تأخر؛
قل إن الحياة
أبقت لك نافذةً
في جدارٍ لم يكتمل سقوطه.

وأخبر الذين سبقوك:
إن أسماءهم لم تغادر الوطن،
ما زالت عالقةً
في مسام الجدران،
وفي الفراغ الذي تركته أيديهم.

فالخراب لا يهدم البيوت؛
إنه يبدّل علاقتنا بها،
حتى يصبح المفتاح
أثقل من الباب.

ومع ذلك،
ثمة شيءٌ فيك
ظلّ خارج حسابات الخراب.

شيءٌ صغير،
لا يُرى،
لكنه كلما ضاق المكان
اتسع داخلك.

ستضمك هذه الأرض حين تنتهي خطاك،
لكنها لن تستطيع دفن اسمك.

سيبقى في ذاكرة المكان،
لا كتمثالٍ للغياب،
بل كأثرٍ يذكّر العابرين
أن أحدًا مرّ من هنا
ولم يمنح الخراب كلمته الأخيرة.

ستمرّ من بين الركام،
لا كناجٍ من الحرب،
بل كمن يستردّ من بين أنقاضها
المعنى الذي حاول الركام دفنه.

فبعض الأرواح
لا تنجو من الخراب فحسب؛
إنها تترك فيه شقًا صغيرًا،
يتسلل منه المستقبل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم: جبران العشملي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق