«أين الصخرة؟»
قصة قصيرة
بقلم: طاهر عرابي
دريسدن — كُتبت في 20.08.2026
——
وقف فلاح أمام القاضي، متهمًا بأنه وقف أمام ضريح مالك القرية وضحك بلا احترام. رفع القاضي رأسه عن سجل العقوبات وقال:
— هل صحيح أنك وقفت أمام ضريح سيدك المرحوم وضحكت؟
قال الفلاح:
— نعم، يا سيدي القاضي.
— وهل كنت تسخر منه؟
— لم أسخر.
— إذن لماذا ضحكت؟
— لأن المرحوم قال لي شيئًا أضحكني.
تجهم القاضي:
— المرحوم؟!
— نعم.
— أتقول إن ميتًا كلمك؟
— نعم.
ضرب القاضي كفه على الطاولة:
— أيها الوقح! ألا تعرف أن الاستهتار بمقام سيدك جريمة؟
فتح سجل العقوبات وقال:
— عقوبتك عشرون جلدة، وسجن شهر كامل مع الأشغال الشاقة في الحقول. هل فهمت؟
ابتسم الفلاح:
— أعرف ذلك.
رفع القاضي حاجبه:
— ومن أين عرفت؟
قال الفلاح بهدوء:
— المرحوم أخبرني.
ساد الصمت. حدق القاضي فيه طويلًا، ثم قال:
— كيف يمكن لميت أن يكلمك؟
ثم مال إلى الأمام وسأله:
— وماذا قال لك أيضًا؟
تنهد الفلاح وقال:
— قال لي: «اذهب إلى القاضي، وقل له إنني استدنت منه ألف درهم».
تغير وجه القاضي، وتابع الفلاح:
— وقال أيضًا: «كنت أريد أن أعيد إليه المال قبل أن أموت. خرجت قاصدًا بيته، لكن الطريق أتعبني وخارت قواي، فوضعت المال تحت صخرة، وعدت إلى داري لأستقبل الموت».
لم يتكلم القاضي. كانت عيناه معلقتين في السقف، وبدأت الأفكار تتزاحم في رأسه:
«أنا لم أقرض المرحوم ألف درهم…»
«لكن ربما فعلت ونسيت.»
«ورجل مثله، وفي لحظاته الأخيرة، لا يكذب.»
«بل ربما كان أكثر وفاءً مما ظننت.»
قال بنبرة هادئة:
— نعم… تذكرت.
ثم أضاف بسرعة:
— كان المرحوم رجلًا شريفًا، ولم أشك يومًا في وفائه.
ثم سأله:
— ولكن… أين المال؟
قال الفلاح بثقة:
— تحت الصخرة.
— وأين الصخرة؟
— لا أعرف.
تغير وجه القاضي:
— كيف لا تعرف؟
— لم يخبرني رحمه الله. لم أجد وقتًا لأسأله. الشرطة هاجمتني واقتادتني إليك.
هب القاضي واقفًا وقال:
— الصخور في هذه القرية بالمئات… كيف سنعرفها؟
قال الفلاح:
— لا أرى في ذلك مشكلة. طبعًا ليس من الوفاء أن تقلب كل الصخور لتسترد دينك. لو سمحت، سأعود إليه غدًا وأسأله.
فكر القاضي لحظات، ثم قال:
— اذهب وحدد معه مكان الصخرة، وأنا بدوري سأخلي سبيلك.
استدار الفلاح.
ثم قال القاضي:
— ستذهب وحدك. لا أريد أن تراقبك الشرطة.
وقبل أن يفرّ من القرية بخمس دقائق، طرق باب جاره وقال له بصوت خافض:
— أنا بريء من ازدراء القبور.
سأله الجار بدهشة:
— إذن لماذا ضحكت؟
رد الفلاح بابتسامة مريرة:
— تذكرت أن للمتوفى في ذمتي أجر خمس سنوات لم يدفعها، فقلت له عند قبره: «إن كانت الجنة داري الأخيرة فلن أطالبك بشيء، أما إن كان لي مكان آخر، فلعل المطالبة هناك أنفع من هنا»… فلم أتمالك نفسي وضحكت من غرابة ما قلت، فقبضوا عليّ.
ثم أردف وهو يشد على يد جاره:
— هذه كل الحقيقة، فاحتفظ بها.
غادر الفلاح، وفي صباح اليوم التالي كسر رجال الشرطة الباب، فلم يجدوا له أثرًا.
بعد أيام، وصل الفلاح إلى قرية بعيدة. أعجب أهلها بكلامه، وأعطوه أرضًا، فعاش بينهم بأمان.
أما القاضي، فلم ينسَ الصخرة. كان يخرج كل صباح إلى الحقول بحجة تفقد أملاك القرية، ثم يختفي بين الصخور. يرفع هذه ويقلب تلك، ويسأل المزارعين:
— هل تعرفون صخرة وضع عندها المرحوم شيئًا؟
فيضحكون ويقولون:
— أي صخرة يا سيدي؟ القرية كلها صخور!
يعود إلى بيته متعبًا. وفي الليل كان يحصي في ذهنه:
ألف درهم…
ثم ينام.
وفي الصباح يعود للبحث.
وفي يوم من الأيام، وجد القاضي نفسه واقفًا أمام صخرة كبيرة عند طرف القرية. ظل ينظر إليها طويلًا، ثم جلس بجانبها وقال لنفسه:
«ماذا لو كانت هي؟»
مد يده. رفعها. لا شيء. قلبها. لا شيء.
ضحك على نفسه، ثم نهض. وقبل أن يغادر، توقف فجأة، فقد أدرك الحقيقة التي كان يهرب منها طوال عام كامل:
لم يكن الفلاح يعرف مكان الصخرة أصلًا.
كان يعرف فقط أن القاضي، حين سمع كلمة «ألف درهم»، سيتولى بنفسه البحث عنها.
نظر القاضي إلى الصخرة مرة أخيرة وقال بحسرة:
— اللعنة على ذلك الفلاح!
وسكت لحظة، ثم ابتسم كأنه يخشى أن يسمعه أحد:
— لكن… لو وجدتها، فربما تكون فعلًا صخرة المرحوم.
ومنذ ذلك اليوم، صار أهل القرية إذا رأوا القاضي يقلب صخرة، لا يسألونه ماذا يفعل. كانوا يضحكون فقط ويقولون:
— دعوه…
— إنه يبحث عن ألف درهم تحت صخرة.
دريسدن- طاهر عرابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق