السبت، 22 أغسطس 2026

«مربعات الوطن» ✮✮✮ 🖋 الشاعر طاهر عرابي

«مربعات الوطن»
طاهر عرابي
دريسدن – 22.08.2026


أخذنا الضياعُ إلى خارطةِ الوجود،
وضعنا في دائرة،
وقسّمها إلى مربعات،
حتى صارَ للمعنى حدود

وقال، بازدراءٍ يوقظُ الخطوطَ الغافيةَ عن مصيرنا:

«لكلِّ مربعٍ بابان.

مربعُ الأخلاق
لا يُفتحُ بابه
دون ورقةِ النوايا.

ومربعُ الكرامة،
لا قفزَ فوق خطوطه،
ولا انحناءَ تحتها.

ومربعُ الذاكرة،
جدرانُه من زجاجٍ هشّ؛
تستطيعُ أن ترى أهلكَ من خلاله،
لكنّكَ لو لمستَه…
انكسرَ الهواء.

وتركتُ لكم مربعَ الحرية،
فسمّوه أنتم
بأسماءِ عروقكم النقيّة.

أما الدائرة،
فيا فرحتي لكم،
فكلُّها للحب.

حتى لو مشيتم
على حافّتها،
ستظلُّ تدورُ بكم
نحو الصفاء.»

تحدّثَ،
ورسمَ خطوطًا،
وبنى أسوارًا،
ثم نسيَ من نحن.

فذكّرناهُ بالطرقِ
التي استهلكتْ أقدامَنا،
وأقواسِ العتمةِ التي أعمتنا،
وبأبرياءِ الرمادِ
في ترفِ حرائقنا.

وبسلاسلِ الجبالِ
وهي تحرسُ المدى
قبلَ أن تحدَّه الأسوار.

قدّمنا له الأرضَ وبساتينَها،
وسردنا له حكايتَنا مع الضوءِ
قبلَ أن تتكسّرَ زواياهُ على العتبات.

قدّمنا له أعيادَنا،
ورصفنا أمامه خطانا الأولى،
علّه يمهلُ الأبعادَ قليلًا،
ويتركُ للظلِّ مكانًا يتنفّس،
ويقتنعُ بالبقاءِ معنا…
ليستوطنَ مجدَنا.

فصرخَ الضياعُ وهو يطوي الخارطة:

«كلُّ هذا لكم،
وتلجأون إليّ؟

ما أقبحَ أن يضيعَ
من يملكُ سقفًا وسموات!»

وكان المربعُ الأخيرُ
يلتهمُ الخطوات،
يحتفظُ بظلِّ من صدقوا،
ويمحو أقدامَ الغافلينَ
وهي تعبرُ نحو العدم.

فالسقوطُ لا يحتاجُ جرفًا،
يكفي أن تنسى
شكلَ الزاويةِ
التي وقفتَ عليها،
ومتى غفا اللسانُ عن الكلام.

حينها فقط،
عرفتُ أنني لستُ المطرودَ من المربع،
بل أنا الفراغُ
الذي يُحيطُ بالخطوط.

توقّفَ الدخولُ عن الخروج،
وانقلبَ البابُ على نفسه.

ارتفعت أسوارُ المربعات،
فحجبتْ من وصلَ
عمّن تعثّر.

وضاقتِ الجهاتُ
حتى صارَ الوصولُ
نوعًا آخرَ من الضياع.

والحقيقةُ
تسكنُ في سخاءٍ مجهول،
في ذلك الهواءِ
المتخفّي في اتساعِ الكون،
الذي لا يعرفُ سورًا.

وفي عقولٍ
تركت نضوجَ العنب،
واكتفت بالعرائش.

لم يكن لي من الأرض
إلا فراغٌ
يُعيدُ رسمَ الخطوط
كلما ظننتُ أنني وجدتُ مكاني.

ولا أذكرُ أنني امتلكتُ يومًا
ما يكفي من التراب
لأصنعَ ظلًّا،
أو حياة.

ط. عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق