خلي الوفي
خَلِيِّيَ الوَفِيّ جالسته حاكيته
جلستُ والبحرُ العتيقُ أمامَ عيني
أُلقي إليه ثِقَلَ السنينِ بصمتي
خَلِيِّيَ الوفيّ… جالستُهُ
ففاضت حكايتي، وانسكبَ الشكوى
وشكوتُ للدهرِ وجعي وحسرتي
مددتُ خُطايَ على شطآنهِ
فنامت قدمايَ بلا إذنٍ
كأنّ الرملَ يعرفُ تعبي
وكأنّ الموجَ أُذنٌ للصبرِ
داعبني، فانكسرتْ في داخلي
أسرارُ احتمالٍ طال قسرًا
قلتُ:
يا بحرُ…
سبقَ الشيبُ خُطايَ
وزارَ رأسي قبلَ أوانه
وأطفأَ شمعةَ عمري
وقد كنتُ طيرًا
أعانقُ فجرَ السماء
وأحلامي…
حسبتُها خالدة
فصارت رمادًا
تحتَ وقعِ المسير
سكتَ البحرُ…
ثم التفتَ كموجةٍ حكيمة
تحملُ الأعوامَ بصمتٍ وقار
وقال:
أتظنُّني وُلدتُ بلا وجع؟
أنا مثلك…
كسرتني الريحُ مرارًا
وشابَ رأسي من العواصف
لكنني أعودُ كلَّ صباح
دون أن أفقدَ قدرتي على الامتداد
قلتُ:
طالَ الطريقُ
وخانتني نهاياته
كلُّ وصولٍ توارى عن بصري
وكلما اقتربتُ من حلمي
أدارَ لي ظهره
كأنّه لا يريدُ يدي
قال:
ليسَ الوصولُ ختامَ الحكايات
ولا التأخّرُ هزيمةَ الساعين
بعضُ الدروبِ تُبطئُ خُطى المسافر
كي لا يبيعَ قلبه
عند أولِ ضوء
قلتُ:
وهل للمنتظرين خلاص؟
وهل للتعبِ آخر؟
قال المدى:
الحياةُ لا تعرفُ الثبات
والكسرُ بابُ الفهم
لا بابُ الهروب
واصبر…
فكم أمنيةٍ تأخّرت
ثم أتت
أنقى مما تخيّلنا
وقبلَ الرحيل قلتُ:
أكانَ كلُّ هذا الوجع
ضرورة؟
فانحنى الموجُ الثقيلُ وقال:
ما كان عُمقُك
ليولد
دون هذا الجمر
الشيبُ
ليسَ خيانةَ العمر
بل شهادةُ من نجا
واستمرّ
مضيتُ…
لا أقلَّ وجعًا
لكنني
أثقلُ فهمًا
وأهدأُ خُطوًا
ما جئتُ أشكو البحرَ يومًا
إنما
جئتُ أتعلم
كيف أحيا…
حين لا يبقى
سوايَ
وسِرّي
بقلم: مسيو حكيم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق