«تفاحة رصاصية»
طاهر عرابي
دريسدن – 19.09.2026
———
سأبقى تفاحةً رصاصية؛
بلونٍ لا يلمع،
ولا يعتذر للضوء،
يمتصّه
كي لا يتبعثر في شتاتٍ لا يراه أحد.
خرجتُ من جدالاتٍ
أرادت أن تحبسني
في لونٍ واحد،
وتركتُ دهاليز التجاذب
لمن يظنّون أن التفاحة
لا تكون إلا حمراء
أو خضراء.
ليظهر تفاحهم
كما اعتادوه؛
لامعًا،
سهلَ التسمية،
قريبًا من اليد.
أمّا أنا،
فاخترتُ رماديَّ الثقيل؛
لونًا بين اللمعان وانطفائه،
بين الثمرة والمعدن،
بين ما يُشتهى
وما لا يُمسّ.
لا لأختلف،
بل ليفكّروا.
ليونةُ القدر
لن تغيّر معدني ولا قسوته؛
ففي داخلي
شكلٌ يهوى الحياة،
وقلبُ تفاحةٍ
اختار المعنى
على بريق القشرة.
أنا تفاحةٌ
تعلّمت أن تحمل الرصاص
كما يحمل المعدنُ ذاكرة النار،
دون أن تفقد طعمها،
وأن تصير صلبةً
دون أن تنسى
أنها كانت ثمرة.
فليأتِ السراب؛
فهو أوّلُ من يخطئ في لوني،
وأوّلُ من يظنّ أن المعدن
ثمرةٌ قابلةٌ للقطف،
وربما ينساق في غروره
ويطوّقني بعقدٍ من غبار.
سأتركه يخطئ في اسمي؛
فيراني مرّةً
معدنًا خرج من النار
بذاكرةٍ تُنذر بالقسوة
إن تمرّدت على الأرض،
ومرّةً أخرى
ثمرةً أخطأت موسمها.
لكنّه لن يعرف
أن الرصاص الذي في لوني
ليس صدأً،
وأن الرماديَّ الذي يغطّيني
ليس غيابًا،
بل طبقةٌ من زمنٍ
لم يقدر على إذابتي،
وأثرُ نارٍ
نجا من الاحتراق.
لن يقتفي أثري أحد؛
فأنا كأوراق الخريف
حين تثقلها الريح،
فتختار الأرض،
وتترك أثرها
لمن يعرف كيف يراه.
نادوني بغير الكلام
الذي يليق بسكينتي؛
فثقب الصوت آذانهم،
كانوا يريدون ثمرةً
تجيبهم بلونها،
فأجبتهم بصمتي.
ولم أخشَ سوء الظن،
بل لحظةَ الفهم؛
حين يكتشف المرء
أن ما أمامه
ليس ما كان ينتظر.
عمّن شرّدني،
وتسلّق سلّمًا مقلوبًا،
يرفع ما ليس ثمرةً إلى فمه،
ويحسب أن كلّ ما يلمع
قابلٌ للقطف.
تركوا للتفاح
ألوانه المألوفة،
أمّا أنا
فبقيتُ رصاصية؛
ثمرةً لا يفسدها العفن،
ولا يلينها الخوف،
ولا يبدّلها نظر الآخرين.
ط. عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق