ندبة الولادة
أفقتَ من سباتك العميق. لا ماضٍ يقرعُ دهليز ذهنك ولا ملحمة تعيدك إلى لعنةٍ دُفنت، لا أثر يحضر ليختصر تأويلاتك؛ فقط فراغٌ صامت، كفراغ الفضاء في كل الربوع.
لم تتذكَّر شيئًا، إلا أنك عرفتَ أن الحياة رتيبة في هذا الوقت بسكونٍ بدا مرعبًا. حدَّقتَ النظر طويلًا في المرآة، ثم تجنَّبتَ ودبّ الذعر في عروقك، لأنك لم تتعرَّف على وجهك.
التقيتَ بأختك وهي تبتسم عند عتبة الباب الموارب، رمقت بطرف عينك محذرًا من هذه الغريبة، هي الأخرى توجسَّت من نظرتك لتعود إلى حيث أتتْ.
وما لبثتَ دقائق حتى وجدتَ نفسك أمام غرفةٍ لا تعرفها. ولجتَ إلى الداخل دون تفكير، كأن شيئًا كان ينتظرك.
ومجرَّد دخولك، وقعت عيناك على دفتر موضع فوق المنضدة الخشبية القديمة، وبقربٍ منه كتب مكدَّسة بعناية. دفترٌ صغيرٌ، غلافه أزرق سميك ومهترئ.
أخذتَ وتصفَّحتَ ببطء، اصطدمت بأسمٍ بدا لك تعرفه، والخط الذي كُتب به الاسم، ثم شذرةٌ جعلتْ القشعريرة تسري في عظامك: "سأترك... نعم سأتجنَّب قدر الإمكان هذه القذارة."
وفي الصفحة الممزَّقة التي تليها، كانت مكتوبة فيها سؤال: "ماذا جنيتَ يا جاني؟"
تسارعتْ نبضاتك، اصطدم عقلك بجملةٍ غير مألوفة في الوقت الحالي، لكنه تخصّك بشكل أو بآخر، إنها أيقظت فيك شيء من الشعور الدفين، أعادتك إلى نفسك في الماضي الغابر.
لم تكتفِ بهاتين جملتين، لأنك لم تصدق ما وجدتها، لذلك تقلب صفحةً تلو الأخرى.
ما قرأتها كانت تقول: "فيك بذرة الشّر في الماضي." وهنا بدأتْ قصةٌ لا تخصّ حاضرك البريء، لاحقتك ومضاتٌ من الماضي السحيق، مما جعلك تبتلع ريقك بصعوبة.
عقلك حاول أن يطمئنك، حيث قال أنك تتوهّم، ولكن داهمك السؤال الأكبر: ماذا لو كانت كل ما في الدفتر صحيحةً؟
وهل ذنب الماضي يسحق سعادة الحاضر والمستقبل؟
بدأتْ الأشياءُ تتَّضح في ذهنك، وفجأة تذكَّرتَ حدثًا غامضًا، ولَّيتَ صوب الغرفة التي تنام فيها لتتأكَّد من صحَّته.
دخلتَ غرفتك، وفتحت النافذة لتنظر إلى أسفلها، وجدتَ أن جدران غرفتك تحتفظ بنقاط الدم، كأنها تترقَّب معاقبتك على ما مضت.
خضع حاضرك ليغدو مذعِنًا على نسختك التي تركتها في الماضي.
وكان أول اعتراف، هو رفضك بأنّ تلك الفتاة التي التقيتَ بها عند عتبة الباب قبل دقائق أن تكون غريبة.
لم تبدأ حياتك بصفحةٍ جديدة، بل صارت سجنًا ضيقًا أكثر مما تصوَّرتَ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق