الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

بقلم د. عبد الرحيم الشويلي

«إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَبْنِيَ سَفِينَةً، فَلَا تَجْمَعِ النَّاسَ لِجَمْعِ الخَشَبِ، بَلْ عَلِّمْهُمُ الشَّوْقَ إِلَى البَحْرِ.»
— أَنْطُوان دُو سَانْت إِكزوبيري

قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ

عِنْدَمَا لَا نَهْوَى البَحْرَ

جَمَعَهُم في السَّاحَةِ، ووَضَعَ أَمَامَهُم أَكْوَامَ الخَشَبِ وَالحِبَالِ وَالمَسَامِيرِ.
قالَ: — سَنَبْنِي سَفِينَةً.
سَأَلَهُ أَحَدُهُم: — وأَيْنَ البَحْرُ؟
ابْتَسَمَ وقالَ: — ابْنُوا أَوَّلًا.
بَدَؤُوا العَمَلَ.
قالَ الأَوَّلُ: — كَمْ سَتَأْخُذُ مِنَّا؟
أَجَابَ: — مَا يَكْفِي لِنَصِلَ.
وقالَ آخَرُ: — وإِلَى أَيْنَ؟
قالَ: — إِلَى مَكَانٍ لَا تَعْرِفُونَهُ بَعْدُ.
تَوَقَّفَ الثَّالِثُ عَنِ الطَّرْقِ، وقالَ: — وَكَيْفَ نُبْحِرُ إِلَى مَكَانٍ لَا نَعْرِفُهُ؟
أَجَابَهُ: — لِهَذَا نَحْتَاجُ السَّفِينَةَ.
عَادُوا إِلَى العَمَلِ.
كُلَّمَا ارْتَفَعَتْ أَلْوَاحُهَا، ارْتَفَعَ مَعَهَا حَمَاسُهُمْ. صَارُوا يَتَحَدَّثُونَ عَنِ المَوَانِئِ وَالجُزُرِ وَالمُدُنِ الَّتِي لَمْ تَطَأْهَا أَقْدَامُهُمْ.
وحِينَ اكْتَمَلَتْ، وَقَفُوا أَمَامَهَا طَوِيلًا.
قالَ أَحَدُهُمْ: — الآنَ... أَيْنَ البَحْرُ؟
أَشَارَ الرَّجُلُ إِلَى نِهَايَةِ السَّاحَةِ.
كَانَ البَحْرُ هُنَاكَ... قَرِيبًا، أَزْرَقَ وَهَادِئًا.
تَهَلَّلُوا، وانْدَفَعُوا نَحْوَ السَّفِينَةِ.
أَبْحَرَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ تَوَقَّفَتْ فِي عَرْضِ المَاءِ.
قالَ أَحَدُهُمْ: — مَاذَا حَدَثَ؟
قالَ الرَّجُلُ: — لَا شَيْءَ.
— إِذَنْ لِمَاذَا لَا نَتَحَرَّكُ؟
نَظَرَ إِلَيْهِمْ وقالَ: — لِأَنَّكُمْ تَعَلَّمْتُمْ كَيْفَ تَبْنُونَ السَّفِينَةَ... وَلَمْ يَتَعَلَّمْ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى أَيْنَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ.
سَادَ الصَّمْتُ.
ثُمَّ رَفَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ وقالَ: — لَدَيَّ اقْتِرَاحٌ.
— مَا هُوَ؟
قالَ: — لِنَعُدْ إِلَى الشَّاطِئِ وَنَبْنِ سَفِينَةً أَكْبَرَ...!!.

بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
16.سبتمبر.أيلول.2026م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق