الأحد، 13 سبتمبر 2026

*رائحة الهمس* 

لا أحد يكتب عن الأشياء الصغيرة.  
انصرفوا جميعاً إلى الجلل: الكل يكتب عن الحروب الكبرى، وعن الحب الكبير، وعن الخسارة التي تهز الجدران.
وأنا؟ أكتب عن الهامش.  
 عن تلك الدقيقة المعلقة بين أن تفتح عينيك وبين أن تنهض.  
حيث لا أنت نائم ولا أنت مستيقظ.  
حيث العالم كله ملكك وحدك.
أكتب عن "طقطقة" المفتاح.  
ذلك "الصوت" الصغير في الباب حين تعود.  
هو إعلان رسمي أنك عدت إلى مكانك.  
وأن أحداً ما لم يمت في غيابك.
أكتب عن عَبَق المطر على الأسفلت الحار.  
تلك الرائحة التي لا اسم لها في المعاجم.  
لكنها كافية لتعيدك الى السادسة من عمرك مرة أخرى.  
حافياً، وتجري.
أكتب عن فنجان القهوة الثاني.  
الأول للاستيقاظ.  
والثاني... للتفكير.  
هو الفاصل بين "يجب" و "أريد".
أكتب عن الرسائل التي لا تصل.  
التي تكتبها ثم تحذفها.  
تلك هي الرسائل الصادقة الوحيدة.  
لأنها لم تتلوث بالرد.
والحقيقة يا صاحبي... 
أن عمرنا لا يُقاس بالسنوات.  
يُقاس بعدد المرات التي توقفنا فيها لنلاحظ.  
بعدد الأشياء الصغيرة التي لم نتجاوزها.
الحياة الكبيرة ضجيج.  
والحياة الحقيقية... فهي في الهمس.

بليغ حمود سعيد ذمرين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق