☆☆☆ مِنْ فَمِ النَّهْرِ ☆☆☆
أَمْطِرُني يَا مَاءَ هَذَا الْمَكَانِ
فَأَنَا غَرِيبٌ يَبُوسُ خَطْوَتَهُ
وَيَرْجِعُ خَائِفاً
مِنْ ظِلِّهِ الَّذِي تَرَكَهُ
وَرَاءَ الْبَابِ
كُلُّ شَجَرَةٍ هُنَا
تَكْتُبُ اسْمِي بِالْمَطَرِ
ثُمَّ تَمْسَحُهُ بِرِيحٍ عَجُولٍ
كَأَنَّنِي كَلِمَةٌ عَبَرَتُ
فَمَ الْغَيْمِ وَلَمْ تُولَدْ
فِي جَيْبِي مِفْتَاحٌ
يَبْكِي لِلْقَمَرِ
وَعَلَى كَتِفِي نَافِذَةٌ
تُشْرِفُ عَلَى بَحْرٍ
لَمْ يُسَافِرْ
فَكَيْفَ أَضُمُّكِ يَاحَبِيبَتَي
وَأَنَا لَمْ أَزَلْ أَتَعَلَّمُ
الْمَسَافَاتِ؟
أَنْتِ الْمَدَى الَّذِي
لَا يَنْتَهِي
وَأَنَا قَافِلَةٌ تَائِهَةٌ
بَيْنَ خَيْمَتَيْنِ
خَيْمَةِ الرُّوحِ
الَّتِي احْتَرَقَتْ
وَخَيْمَةِ الْجَسَدِ
الَّتِي لَمْ تُنْصَبْ بَعْدُ
لَوْ كَانَ الْحَنِينُ
يَشْتَعِلُ هَكَذَا
لَأَضَاءَتْ رَائِحَةُ
خُبْزِكِ الْبَعِيدَةُ
كُلَّ شَوَارِعِ الْمَنْفَى
وَلَتَعَلَّقَتْ أَرْجُلُ
الْمَطَرِ بِحَافَاتِ الْغُرْبَةِ
تَقُولُ لِلرِّيحِ: تَمَهَّلْ
فَهَذَا الْقَلْبُ
لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ
كَيْفَ يَسْكُنُ
فِي مَقْعَدَيْنِ مَعاً
أُعِيدُكِ كَالرَّائِحَةِ
الَّتِي لَا تَمُوتُ
فِي كُلِّ طَرِيقٍ أَمْشِيهِ
وَفِي كُلِّ غُرْفَةٍ
أُغْلِقُ بَابَهَا
خَوْفاً مِنَ الذِّكْرَى
أَنْتِ الْكِتَابَةُ الَّتِي
تَتَفَلَّتُ مِنْ أَصَابِعِي
وَأَنَا الْقَلَمُ الَّذِي
يُحَاوِرُ وَرَقَةً بَيْضَاءَ
لَا تَعْرِفُ أَنَّ الْغُرْبَةَ
لَيْسَتْ مَكَاناً
بَلْ لَحْظَةٌ تُصْبِحُ
فِيهَا الرُّوحُ نَافِذَةً
تُطِلُّ عَلَى بَحْرٍ
لَا شَاطِئَ لَهُ
لَيْتَ الْحُبَّ كَانَ
طَائِراً يَتَعَلَّمُ الْهِجْرَةَ
فَيَعُودُ كُلَّ عَامٍ
إِلَى عُشِّهِ
دُونَ أَنْ يَحْمِلَ
فِي مِنْقَارِهِ
غُبَارَ الطَّرِيقِ
أَوْ أَنْ يَخْتَلِطَ
بِرِيحِ الْغَرِيبِ
لَكِنَّنَا نَحْنُ الْعَاشِقِينَ
نَشْتَعِلُ فِي مَكَانَيْنِ:
مَكَانٍ نَحْنُ فِيهِ
وَلَا نَكُونُ
وَمَكَانٍ نَكُونُ فِيهِ
وَلَا نَحْضُرُ
أَمْطِرْنِي يَا مَاءَ
هَذَهِ الْغُرْبَةِ
فَأَنَا شَجَرَةٌ تَمْشِي
عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ
جُذُورُهَا فِي الْبَعِيدِ
وَأَغْصَانُهَا تَقْرَعُ نَافِذَتَكِ
كَأَنَّهَا تَقُولُ:
هَذَا قَلْبٌ يَئِنُّ
يَا لَيْتَ الْقَمَرَ
يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَسْكُنُ
فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
دُونَ أَنْ يَكْسِرَ الْمَرَايَا.
عقيل عبدالكريم الناعم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق