حين أحببتُكِ...
نعم... حين أحببتُكِ شعرتُ أنني إنسانٌ كامل،
وأدركتُ أنني قبل حبِّكِ لم أكن سوى ظلٍّ يمشي على الأرض،
مجردَ جسدٍ يتنفس، لكنه لا يحيا،
وقلبٍ يخفق، لكنه لا يعرف لماذا يخفق.
كنتُ أعيش الأيام كما تعيشها الساعات المعلّقة على الجدران؛
تدور عقاربها، ولا تعرف إلى أين تمضي.
لا معنى يوقظني،
ولا حلمٌ ينتظرني،
ولا غايةٌ تستحق أن أقاوم من أجلها تعب العمر.
ثم جئتِ...
فانقلب الوقتُ من رتابةٍ إلى موسيقى،
وصارت الطرقاتُ التي عبرتها ألف مرة
تبتسم لأن خطاكِ ربما مرّت بها يومًا،
وأصبح للسماء لونٌ آخر،
وللريح رائحةٌ تشبه عطركِ،
وللحياة قلبٌ ينبض باسمكِ.
فكيف... لو أحببتِني أنتِ؟
كيف سيكون هذا القلب
إذا وجد قلبًا آخر يسكنه؟
وكيف ستتبدل أيامي
إذا أصبحتِ بدايتها وخاتمتها،
وصرتُ أعيش بكِ، ومن أجلكِ،
وأرى في عينيكِ السببَ الوحيد
الذي يجعل للحياة كل هذا الجمال؟
أيتها الحبيبة...
حين أحببتُكِ شعرتُ أن العالم يخلع ضجيجَه،
ويجلس صامتًا
ليستمع إلى دقات قلبين
يتحدثان بلغةٍ
لا يعرفها سوى العاشقين.
وأدركتُ أن الحب
ليس كلمةً تُقال،
ولا وعدًا يُكتب،
بل وطنٌ يجد فيه القلب عنوانه،
وروحٌ تعثر أخيرًا على نصفها الآخر.
أريدُ أن أستريح فيكِ
كما تستريح الطيورُ
حين تجد غصنًا لا يخونها،
وكما يستريح البحرُ
حين يعانق الشاطئ
دون خوفٍ من الرحيل.
دعيني أضع رأسي على قلبكِ،
لا لأنني تعبتُ من الحياة،
بل لأن الحياة كلَّها
لا تساوي لحظةَ طمأنينةٍ
تولد بين ذراعيكِ.
أريد أن أنسى العالم هناك،
حيث لا زمن،
ولا خوف،
ولا فراق،
ولا شيء سوى نبضكِ
يرتب فوضى قلبي.
يا سيدتي...
إن كان للحضن معنى،
فهو أنتِ،
وإن كان للأمان وجه،
فملامحكِ،
وإن كان للرحمة صوت،
فهو همسكِ
حين تنادينني باسمي،
وكأن اسمي لم يُخلق
إلا ليولد على شفتيكِ.
أحبُّ فيكِ
أنكِ لا تغيّرينني،
بل تعيدينني إلى نفسي،
إلى ذلك الطفل
الذي أخفته قسوة الأيام،
وجعلته الحياة
يشيخ قبل أوانه.
فجئتِ أنتِ،
وأمسكتِ بيده برفق،
وقلتِ له:
لا تخف...
فما زال في العمر متسعٌ للحب،
وما زال الله يخبئ للقلوب الصادقة
أقدارًا تليق بها.
فكوني كما أنتِ...
ولا تحاولي أن تكوني أجمل،
فالجمال حين مرَّ بكِ
نسي أن يرحل،
والحنان حين سكن قلبكِ
أعلن أن هذا القلب
آخر الأوطان،
وأجمل المنافي،
وأقدس الأماكن.
وأنا...
لا أريد من الدنيا
سوى أن أبقى رجلًا
يكتب اسمكِ على جدران روحه،
ويزرع حضوركِ في مواسم العمر،
ويحمد الله كل صباح
أنه منح قلبه فرصةً
ليعرف الحب على يديكِ.
فإن كان للعشق خاتمة،
فلتكن بين يديكِ،
وإن كان للروح ميلادٌ آخر،
فليكن من عينيكِ،
وإن كان للموت أمنية،
فأن أموت عاشقًا في قلبكِ،
وأولد منه من جديد...
كلَّ مرةٍ تنادينني فيها: حبيبي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق