أكاذيبٌ مثمرة
في آخر النهار، حين دنتْ الشمسُ للمغيب، سلكتُ دربًا ضيقًا علَّه يخرجني من هذا الدغل المُعْتِم، الذي كدتُ لا أرى فيه شيئًا بسبب أشجاره الكثيفة والملتفَّة.
نيَّتي كانت اختصار الطريق بدلًا من متابعة منعطفاته، فالوقتُ يداهمني، ولعلَّ فكرتي هذه كانت عين الصواب في حينها.
ولكنني عرفتُ بعد ذلك أنني وقعتُ في هفوة، وجدتُ نفسي أزج فجأةً في وسط الأجمة والأعشاب الخضراء التي لا تزال تنمو، تمامًا كغولدموند. لا تروقني الأدغال مطلقًا حينما يحلّ الليل.
زدتُ من سرعتي، لكن الأمطار التي هطلت صباح اليوم جعلتْ الدرب وعرًا وزلقًا، وعلاوة على ذلك، إنّ تشابك الأغصان ببعضها جعلتني أمشي منحنيًا رغمًا عنِّي.
لقد بلغ التعبُ بي مبلغًا، ومع ذلك، واصلتُ السير حتى خرجتُ من الدغل. ولكي أصل إلى قريَتي، كان علي أن اجتاز ما يقارب أربعة أميال.
ضبابٌ كثيفٌ غشَّى قريَتي، فلم ألحظ أنني قد وصلتُ إلى بيوتها الأولى، وهذه ليست المرة الأولى التي يغشَّيها الضبابُ.
كنتُ أمكث عادةً في كوخي، وأتفرّغُ كلِّيةً للاحتفاء بالأشياء البدائية، بينما رفاقي هم في مثل عمري، لا سيما أخي الذي يكبرني بعامين، لا يفوتهم الأفراح والأتراح.
يقضون ليلتهم وهم ثملون، برفقة الخمر المعتق والفتيات. لا شك أنهم قد فهموا تلك الحياة أكثر من غيرهم.
أمي كانت تسأل أخي عندما يعود في آخر الليل إلى البيت: أين كنت؟
وإجابته كانت معروفة مسبقةً: كنتُ في بيت صديقي.
وكانت أمي تكتفي بالتنهّد والصمت مع أنها لا تصدق، لا أدري لماذا يرفض عقلها تصديق كلام أخي، مع أنه لا يعرف حقيقته؟
لا شكّ أنّ الكذب هو الذي أدى إلى ولادة الارتياب، فالطفلُ لا يعرف الشكّ والكذب منذ قدومه إلى هذه الحياة، ولكن مع التجارب والخيبات المتكررة؛ يحفر الشكُّ مكانه في الذاكرة.
أما الكذب، يُحاط أحيانًا باليقين لفترة من الوقت، وبعد اكتشاف حقيقته يترك فجوة لا يملؤها إلا الشكّ، أعني بكل بساطة، بعد ما تنهار الحقيقة يولد الشكّ.
كنتُ أفكِّر في سيرورة كذبة أخي، وعجز أمي أمام شكِّها الدائم، راودتني رغبة التساؤل فلم أجد مانعًا من أنْ أسأل نفسي: إذا كان صدقي لا يجني شيئًا، كما أنّ أكاذيب أخي لا تجلب له عقوبة، فلماذا لا أستجيب للمُتعة؟
***
أفقتُ من قيلولتي في المساء فوجدتُ الليل قد حلَّ، وعلمتُ أنّ أخي قد ذهبَ إلى بيتِ صديقه كعادته.
وعلى عجلةٍ، اكتسيتُ بنطالي وقميصي ووضعت قباء أبي العتيق على رأسي، ثم توجَّهتُ قاصدًا ذلك المنزل.
كنتُ أعرف مكان ذهابه، إنه يذهب إلى آخرِ سكنات القرية، كأنه في حافة العالم.
عبرتُ الزقاق المؤدي إلى حانوت "محمود"، ولأولِ مرة أعبر أزقة القرية الضيقة في غياهب لأصل إلى هناك.
كان المكان مريحًا ومزعجًا في آنٍ واحدٍ، لم أتلقَّ بقدرٍ كافٍ من الاحتفاء حين وصلتُ، ومع ذلك في رأيي، إنّ أمثالي لا يستحقون الاحتفاء.
وتحت ضوءِ فانوس، رأيتُ الفتيات يرتدين أجمل ما عندهن من حُلّي، ويغنين بأصواتٍ ناعمة.
وكانت جلستهم على هيئة حلقة دائرية مختلطة بين الفتية والفتيات، وتتوسط جلستَهم سفرةٌ كبيرةٌ، عُرضت عليها كؤوسٌ، وقليلٌ من الفشار، وفناجينُ قهوة، بعضها فارغة والأخرى ممتلئة بنبيذٍ أحمر.
كنَّ يغنِّين بأصواتٍ منسجمة ومتناسقة، وكانت أغنيتهن كالتالي حسب ما سمعتها:
أرجوك ضمَّني إليك
البحرُ لا زال يقذفني
وحدي أقاتلُ صمتي
هاتِ خنجرك واغْرِسْهُ فيَّ
هيَّا غوص في أعماقي
فغيرك لا يشتهيني
كنتُ أنظر إليهن خِلسةً بين فينة وأخرى، فتياتٌ ذواتُ وجوهٍ ملساءَ وبشرةٍ ناعمة، لم ألمسهن ولكنني افترضتُ ذلك.
وكنَّ يترنّمن بابتساماتٍ مغرية.
إنه مشهدٌ يغوي ويثير مشاعر الأعمى.
وكان رفاقٌ ثلاثةٌ يجلسون على مقربةٍ مني.، يفرغون كؤوس الخمر في أجوافهم ويتبادلون الحديث.
توجهتُ صوبهم زاحفًا، مُلْقِيًا بسمعي مع كل كلمةٍ تفيضُ بها شفاهُهم.
قال شاب ذو أنف أفطس، وهو أصغرهم سنًّا: لماذا لا نهاجر إلى المدينة، حيث الصخبُ والمتعةُ، المباني الشاهقة والسيارات الفاخرة، والأرصفة المكتظة بوجوهٍ غريبة؟
ثم أضاف: أنا لا أحب الحياة الرتيبة، إذ أننا -بكل تأكيد- سنموت بالزراعة والرعي.
ردَّ صاحب الجلَّابية قائلًا: هذا ما وُرِّثَ آباؤنا من أجدادنا، ليس بإمكاننا تغيير شيء.
قال صاحب الأنف الأفطس مازحًا: علينا أن نستخرجَ أجدادنا من قبورهم، ثم نجلدهم ونعيدَهم! لأنهم لم يعلمونا شيئًا.
ضحكَ ثلاثتهم، ثم قال الكبير الذي ظلَّ صامتًا منذ بداية الحديث: الحقبة التي عاشوا فيها كانت البدائية، إذ أنهم لم يعرفوا غير أسماء الجبال والأدغال، كانوا يزعمون أنّ الحياة تحتاج فقط إلى ساعدين قويين!
قال صاحب الجلابية مشفقًا عليهم: إنهم ولدوا مقموعين في وقتهم، أما نحن فولدنا أحرارًا!
قال الآخران معًا: نعم... نعم...
وحين استعدوا للانصراف؛ أعطيتُهم ظهري ومضيتُ نحو الجلسة الأولى، فإذا بي اصطدم بفراغٍ مُرعب، انصرف جميعهم إلى الغُرف المظلمة.
نهضتُ وعدتُ خائبًا إلى البيت.
كانت أمي أعدَّتْ وجبة العشاء وتنتظر مجيئي لأتناول معها.
سألتني: تقصيتُ في بيوت الجيران ولم أعثر عليك، أين كنت؟
قلتُ لها: كنتُ مع صديقي.
لم تندهش من جوابي، ولم تسألني مع أي صديقٍ كنتُ، إنها عطوفةٌ للغاية.
سألتها وأنا أتناول معها الطعام: أمي، لماذا لا نذهب إلى المدينة.
سألتني باستغرب وهي الأخرى: من أخبرك فكرة المدينة؟
انفجرتُ ضاحكًا دون أن أجيب؛ فضحكتْ معي..
جمال الدين اسماعيل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق