حِينَ تَسقُطُ الأَقنِعَةُ عَلى أَبوابِ غَزَّةَ
قَبلَ أَن يَبلُغَ غَيثٌ وَأُمُّهُ خِيامَ خانِ يونسَ، كانَتِ الشُّجاعِيَّةُ تُوَدِّعُهُم بِدِمائِها وَبِالإِبادَةِ الجَماعِيَّةِ وَبِشَطبِ عائِلاتٍ كامِلَةٍ مِنَ السِّجِلِّ المَدَنِيِّ وَبِالدَّمارِ الممُنهَجِ لِلأَحياءِ وَبِتَجريفِ الأَراضي لِكَسرِ إِرادَةِ شَعبٍ فِلَسطينِيٍّ أُسطوريٍّ مُرابِطٍ وَدَفعِهِ إِلى التَّهجيرِ القَسريِّ. الشُّجاعِيَّةُ الَّتي ما رَكَعَتْ، الَّتي خَرَجَ مِنها العَدُوُّ الصِّهيونِيُّ مَهزومًا في كُلِّ مَرَّةٍ يَظُنُّ أَنَّهُ دَخَلَها فاتِحًا، صارَتِ اليَومَ جَسَدًا مُنَهَّكًا تَنزِفُ مِن كُلِّ شِبرٍ فيها. أَرسَلَ عَلَيها المُحتَلُّ نيرانَهُ كُلَّها، فَهَدَمَ البُيوتَ عَلى رُؤوسِ أَهلِها، وَجَرَّفَ الشَّوارِعَ حَتّى صارَتْ أَخاديدَ لِلمَوتى، وَمَحا المَدارِسَ وَالمَساجِدَ وَالمَخابِزَ كَأَنَّهُ يُريدُ أَن يَمحُوَ ذاكِرَةَ المَكانِ. وَلَكِنَّهُ ما عَلِمَ أَنَّ في كُلِّ رُكامٍ هُنا رَجُلًا يَرفُضُ الرَّحيلَ، وَامرَأَةً تَخبِزُ عَلى نارِ الحَطَبِ لِتُطعِمَ أَطفالَها، وَشَيخًا يَسكُبُ الماءَ عَلى جُرحِ جارِهِ قَبلَ أَن يَسكُبَهُ في جَوفِهِ. هَكَذا كانَ أَهلُ الشُّجاعِيَّةِ يُكافِحونَ كُلَّ فَجرٍ لِيَبقَوا عَلى قَيدِ الحَياةِ، يَجمَعونَ ما تَبَقّى مِنَ الخُبزِ مِن تَحتِ الأَنقاضِ، وَيَدفِنونَ شُهَداءَهُم في حَدائِقِ البُيوتِ، وَيُهَمهِمونَ لِلأَطفالِ: "سَنَعودُ، سَنَبني غَزَّةَ مِن جَديدٍ".
ثُمَّ جاءَ يَومُ الرَّحيلِ القَسريِّ. لَمّا بَلَغَ غَيثٌ وَأُمُّهُ مَعَ طَوابيرِ المَكلومينَ سُهولَ خانِ يونسَ، بَعدَ التَّهجيرِ السّابِعِ، جَلَسا عَلى تُرابٍ حارٍّ لا ظِلَّ لَهُ وَلا ماءَ. كانَ الغُبارُ قَد نَحَتَ مَلامِحَهُم، وَالجوعُ حَفَرَ الخُدودَ، وَالعُيونُ تَيَبَّسَتْ مِن كَثرَةِ ما ذَرَفَتْ دُموعًا. مُنذُ فَجرِ ذَلِكَ اليَومِ وَهُم يَشُقّونَ صَدرَ الدَّمارِ. الشُّجاعِيَّةُ الَّتي كانَتْ بِالأَمسِ تَضِجُّ بِالحَياةِ، صارَتِ اليَومَ فَكًّا مُتَهَشِّمًا. البُيوتُ العامِرَةُ انقَلَبَتْ أَضراسًا مَكسورَةً، وَالشَّوارِعُ صارَتْ مَقابِرَ مَفتوحَةً. القَصفُ يَتبَعُهُم مِن فَوقِ رُؤوسِهِم، وَطائِراتُ الكَيانِ الصِّهيونِيِّ تَرمي مِنشوراتِ "الإِخلاءِ" كَأَنَّها صُكوكُ مَوتٍ. مِن خَلفِهِم بُيوتٌ تَنفَجِرُ وَأَحياءٌ تُدَمَّرُ، وَمِن أَمامِهِم جُثَثٌ مُسَجّاةٌ بِشَراشِفَ وَكَراتينَ عَجَزَ رِجالُ الحِمايَةِ المَدَنِيَّةِ عَنِ الوُصولِ إِلَيها بِسَبَبِ الدَّمارِ الَّذي لَحِقَ بِأَساطيلِهِم وَالقَتلِ الكَثيفِ الَّذي طالَ رِجالَهُم. طابورٌ لا أَوَّلَ لَهُ وَلا آخِرَ. هذا يَحمِلُ أُمَّهُ المَشلولَةَ عَلى ظَهرِهِ، وَتِلكَ تَجُرُّ طِفلَينِ حافِيَينِ، وَتِلكَ الأُخرى تَضُمُّ رَضيعًا إِلى صَدرِها وَبِيَدِها كيسُ دَقيقٍ قَدِ ابتَلَّ بِدَمِ جارِها. كُلُّ خُطوَةٍ عَلى الحِجارَةِ المُبَعثَرَةِ وَعَلى الزُّجاجِ المَكسورِ كانَتْ تَرسُمُ نَزيفًا جَديدًا.
سَمِعَ غَيثٌ حِوارَينِ في الطَّريقِ: قالَتِ امرَأَةٌ لِجارَتِها وَهُما تَجُرّانِ عَرَبَةً فيها أَمتِعَةٌ مُبَعثَرَةٌ:
_ " يا أُمَّ خالِد، كَيفَ نَترُكُ البَيتَ؟ فيهِ رائِحَةُ الشُّهَداءِ وَفيهِ عُمرُنا كُلُّهُ! "، فَأَجابَتها وَهِيَ تَمسَحُ الدَّمعَ بِكُمِّها:
_" نَترُكُهُ لِكَي نَبقى، يا أُختاه. الحَجَرُ يَعودُ، أَمّا الرّوحُ إِذا ذَهَبَتْ فَلا عَودَةَ لَها."، وَسَمِعَ شَيخًا يَقولُ لِشابٍّ يَحمِلُ بُندُقِيَّةً مَكسورَةً:
_ "يا وَلَدي، إِلى أَينَ نَمضي؟"، فَرَدَّ الشّابُّ وَعَيناهُ إِلى السَّماءِ:
_ " نَمضي كَما مَضى أَجدادُنا مِنَ النَّكبَةِ إِلى النَّكسَةِ، مِنَ الخَيمَةِ إِلى الخَيمَةِ. لَكِنَّنا لَن نَمضيَ بِظُهورِنا، سَنَمضي بِرُؤوسِنا مَرفوعَةً."
تَأَمَّلَ غَيثٌ الوُجوهَ، هذا جارُهُمُ البَنّاءُ الَّذي شَيَّدَ أَغلَبَ المَساكِنِ بِحَيِّ الشُّجاعِيَّةِ، يَحمِلُ اليَومَ كيسَ طَحينٍ كَأَنَّهُ نَعشٌ. وَذاكَ فَلّاحٌ كانَتْ أَرضُهُ جَنَّةً، وَحِذاؤُهُ اليَومَ يَغوصُ في أَكوامِ الأَترِبَةِ. وَذاكَ أُستاذُ جامِعَةٍ لامِعٌ وَمَشهورٌ كانَ يُفَسِّرُ وَيُدَرِّسُ طُلّابَهُ "فَلسَفَةَ التّاريخِ"، وَصارَ اليَومَ يُفاوِضُ عَلى قَطرَةِ ماءٍ لابنَتِهِ. فَاختَنَقَ صَوتُهُ وَسَأَلَ أُمَّهُ:
_ " أُمّاه... لِمَ خَذَلَنا العَرَبُ؟ أَينَ الأُمَّةُ؟ أَينَ العالَمُ؟"، ضَمَّتْهُ إِلَيها، وَمَسَحَتْ عَلى رَأسِهِ المُغَبَّرِ، وَقالَتْ بِلِسانٍ فيهِ حِكمَةُ عَبدِ اللهِ ابنِ المُقَفَّعِ:
_ " يا بُنَيَّ، إِنَّ المَصائِبَ مِحَكُّ الرِّجالِ، وَبِها تَسقُطُ الأَقنِعَةُ. زَعَموا أَنَّ أَسَدًا جَبّارًا ذا بَطشٍ، انقَضَّ عَلى عِجلٍ صَغيرٍ في فَلاةٍ، وَحَولَهُ قَطيعٌ عَظيمٌ مِنَ الجَواميسِ ذَواتِ القُرونِ الحِدادِ وَالحَوافِرِ الشِّدادِ. فَوَثَبَ الأَسَدُ عَلى عُنُقِ العِجلِ يَخنُقُهُ، وَالعِجلُ يَصيحُ وَيَتَلَوّى. فَوَقَفَ القَطيعُ كُلُّهُ يُراقِبُ، لا يَتَحَرَّكُ. قالَ أَوَّلُهُم: "إِنَّهُ لَم يَقصِدني، فَلِمَ أُهلِكُ نَفسي؟" وَقالَ ثانٍ: "هُنا مِئاتٌ غَيري، فَلِيُبادِرْ غَيري". وَقالَتِ المُؤَخِّرَةُ: "إِنَّ الأَقرَبينَ أَولى بِنَجدَتِهِ". وَهَكَذا اتَّفَقوا عَلى الخِذلانِ. كُلٌّ يَتَوارى خَلفَ الآخَرِ. حَتّى خَفَتَ صَوتُ العِجلِ، ثُمَّ انقَطَعَ. فَماتَ العِجلُ، وَلَيسَتْ في حَلقِهِ غُصَّةٌ مِن نابِ الأَسَدِ، بَلْ مِن خِذلانِ أَهلِهِ. وَشَبِعَ الأَسَدُ وَانصَرَفَ، وَعادَ القَطيعُ يَرعى كَأَن لَم يَكُن شَيءٌ. يا بُنَيَّ، هذا حالُنا نَحنُ اليَومَ. ذاكَ الكِيانُ الغاصِبُ هُوَ "الأَسَدُ"، قَدِ انقَضَّ عَلى غَزَّةَ بِالقَتلِ وَبالإِبادَةِ وَبالتَّجويعِ وَبالتَّهجيرِ وَبالأَسرِ وَبالإِذلالِ. وَنَحنُ الأُمَّةُ، كَثيرونَ كَغُثاءِ السَّيلِ، نُحسِبُ وَنُبَرِّرُ: "لَسنا المُستَهدَفينَ"، "غَيرُنا أَولى".
لَكِن يا بُنَيَّ، اعلَم أَنَّ هَذا الشَّعبَ لَيسَ عِجلًا. انظُر حَولَكَ. رغمَ القَصفِ وَالتَّنكيلِ وَالتَّشريدِ، ما زالَ الرِّجالُ يُرابِطونَ وَيُقاوِمونَ وَبِفَضلِهِم عادَتْ غَزَّةُ في قَلبِ العالَمِ بَعدَ أَن خِلناها شُطِبَتْ نِهائِيًّا مِن ذاكِرَتِهِ، وَالنِّساءُ يُرابِطْنَ، وَالأَطفالُ يَتَوَعَّدونَ العَدُوَّ بِأَنَّهُمُ الجيلُ القادِمُ الَّذي لا يُقارَعُ. ما زِلنا مُتَمَسِّكينَ بِأَرضِنا كَما يَتَمَسَّكُ الجِذرُ بِالتُّرابِ. نُهَجَّرُ سَبعَ مَرّاتٍ، فَنَعودُ في الثّامِنَةِ. نُقتَلُ، فَنُنجِبُ مَن يُقاتِلُ. نُذَلُّ، فَنَزدادُ شُموخًا. فَلا تَحزَن. إِنَّ وَعدَ اللهِ آتٍ: "فَإِذا جاءَ وَعدُ الآخِرَةِ لِيَسوءوا وُجوهَكُم وَلِيَدخُلوا المَسجِدَ كَما دَخَلوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ".
أَخرَجَ غَيثٌ مِن جَيبِهِ وَرَقَةً صَفراءَ نِصفَ مُحتَرِقَةٍ. كانَتْ قَصيدَةَ "الأَساطيلِ". فَقَرَأَ بِصَوتٍ حَزينٍ خافِتٍ: "إِنَّنا أُمَّةٌ لَو جَهَنَّمُ صُبَّتْ عَلى رَأسِها واقِفَةْ... ما حَنى الدَّهرُ قامَتَها أَبَدًا إِنَّما تَنحَني لِتُعينَ المَقاديرَ إِن سَقَطَتْ أَن تَقومْ"_. فَطَوى الوَرَقَةَ وَأَلقى بِها في أَكوامِ الزِّبالَةِ وَتَذَكَّرَ قَولَ الشّاعِرِ أَحمَدَ مَطَرٍ "إِذا تَرَكتَ أَخاكَ تَأكُلُهُ الذِّئابُ ... فَاعلَم بِأَنَّكَ يا أَخاهُ سَتُستَطابُ ... وَيَجيءُ دَورُكَ بَعدَهُ في لَحظَةٍ ... إِن لَم يَجِئكَ الذِّئبُ تَنهَشُكَ الكِلابُ ...أَن تَأكُلَ النّيرانُ غُرفَةَ مَنزِلٍ ... فَالغُرفَةُ الأُخرى سَيُدرِكُهَا الخَرابُ"
نَزَلَتْ دُموعُهُ فَغَمَرَتْ لِحيَتَهُ، لَم تُبكِهِ أَنيابُ العَدُوِّ الصِّهيونِيِّ الَّتي نَهَشَتْ لَحمَ أَهلِهِ، أَبكاهُ الخِذلانُ وَالصَّمتُ العَرَبِيُّ.
_انتهت_
البلد: الجمهورية التونسية 🇹🇳
6 سبتمبر 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق