«أنا التي تُحادثني»
طاهر عرابي
دريسدن – 23.09.2021 | نُقّحت في 06.09.2026
قال لي «أنا الأنا»، والخوف يترجّل عن عينيه،
يحمل أصدافًا من الصحراء، وشوكًا من البحر،
وزنبقًا من بركان:
لا تأخذيني بعيدًا في متاهات الغروب،
يتغنّون بالشفق عبثًا،
وهم في غرف الانتظار،
يوزّعون التهم على السأم،
وينافسون التردّد،
دون أن يدركوا معنى غياب الشمس.
وحتى أنا…
لم أكن سوى طيرٍ يُطعمكِ من فمه
حبّاتِ قمحٍ صفراء بلون الضوء،
قبل أن ينكسر الشفق.
ربما سمّيتُها رغيفًا… لنسكّت الجوع،
ونلتفت إلى البصيرة.
وتركتُ السكّر لفنجان الصباح،
كأنّ نكهتَه تقول:
اجلسْ… لأراك.
ولم أجلس،
أو جلست أترقّب الجلوس.
يحملني الغيظ إلى ما بعد لذّة القهوة،
وأرضى أن أبقى،
أراقب ذبابًا على الطاولة،
وعيناي تحدّقان في مكعّب السكر،
تخشيان أن يذوب،
والقهوة ما زالت في الطريق تتعثّر.
كيف أحرص على اليقظة،
وكأنها تتلاشى… فيّ؟
لن أُمَسّد شعري كأنني من أساطير العجب،
ولن أنظر في المرايا بحثًا عن السعادة،
مثل وردةٍ رفضت قطرات الندى،
فنسيها الصباح.
قلتُ لـ«أنا الأنا» دون تذمّر:
كلُّ الخريف واقفٌ على الباب،
يراقبنا إن أشعلنا موقدًا… أو قنديلًا.
فأين لنا دفء الشتاء؟
دعك من السكّر… فهو لا يشتهينا.
أنهجر معًا؟
بلا قلق، بلا شقاء؟
حيث تتوقّف عن البكاء على نفسك،
وأرعاك… بشيء من الحب؟
أعرف جزيرةً تهوى أمثالنا…
لكنّ الطريق:
جوعٌ، عطشٌ، وخوفٌ،
وثعابين ضخمة تلتفّ حول جذوع الأشجار المنهكة.
والطريق مسدود،
نعم… مسدود قبل أن يبدأ في اختبار ترابه.
تكفيك الأفاعي،
تتزيّن بقلائد من أسنانٍ ابتلعتها،
وترنّ أجراسها،
رنينًا لا يشبه سوى الهرب.
أحذّرك…
لأني أعلم أن الخوف
لا يبحث معنا في ترتيب الحواس.
ستغادرنا الحواس،
ونرضى أننا نجونا… بأجسادنا.
هل يكفي الجسد لفعل شيء؟
لكننا لن نموت هناك
إن بلغناها رغم العناء.
سيصير لنا عيون
من خزف الجنون،
ولا نخشى السقوط في الحفر.
نرصد الخطى بأبصارنا،
ويهتدي اليقين بخطانا.
لأول مرة… يخشانا اليقين،
ترفٌ يضاهي صخب الفكر.
نحلّل طبقات السحاب:
هل يحمل غير المطر؟
جرادًا؟ أم بعوضًا يتجسّس علينا؟
ونُصغي للكثبان:
إن تحرّكت،
تركتنا خلف الطريق.
يا أيها الطريق المتلكئ في صلاتك،
هل تنتهي بحديقة؟
أم لا ترى إلا شقاءك،
وأنت تستأنس بالتراب؟
ستتعلّم معنا كيف ينقلب الطريق،
وكيف نحفر معًا بين السدود
عن سؤال واحد:
متى الوصول؟
عندها يضيق الطريق،
ويعلو صخبٌ موجع،
فتنهار بعض الأحلام،
ويزحف الرماد
حتى ذلك الشفق المقتول في سرابه.
نرجو من الحياة قليلًا من الرفق،
كي لا نظل وحدنا
في حيرة العابرين.
قال «أنا الأنا» متلهفًا:
العِشرة لا تولد من الصمت،
ولا تترك التحديات أثرًا عابرًا.
نظن أننا نحمل شيئًا
أبهى من جناح حمامة
حين تحلّق نحو القمة.
سنحاول الوصول
إلى منابع تلك المعجزة
التي سمّيناها يومًا: الظلمة الأولى.
نخنقها بالرمل،
وندفع بجبل… ليجلس فوقها.
صدقني…
العقل صندوق عجائب،
إن رأى في العبث طريقًا يحمينا من الاستسلام.
فهل نساير العبث
لننجو معتوهين؟
ما أشقى العبث إن دخل في الهذيان،
ليسقط على الأرض مثل قمح البيادر،
فيه السليم… والمتسوس،
وكلٌّ يجد طريقه
إلى رغيفٍ مسموم.
افتح طريقًا موازيًا للعبث،
وآخر لليقين،
وسنصل معًا…
قبل أن تحدث أسوأ معجزة،
ويغدو الحصاد
أشد ألمًا من الزرع.
ما زلنا نرتدي ثوبًا
مغموسًا بأصباغ النحل الأزرق،
ونفتخر بدهاء النمل،
ونندهش…
كيف يبني ممالكَه بصمت!
قلتُ – أنا:
النمل والنحل…
يتشابهان في المروءة.
ونحن نلوذ بالماضي،
كأنه أقرب إلينا من أي فكرة،
ونغفل أن المستقبل،
إن هرب،
ينام في زوايا التردّد.
نحن القادمون من ذاكرة الحب،
نتجوّل في فسحة
لا ندري: أهي للبحث؟
أم للتيه؟
فلنُدوّن أسماءنا
في دفاتر الرحيل،
لعلّ العفو يشملنا،
فنشارك عيد الحصاد…
أو يُغرقنا العفن
من طول التردّد.
نحمل حزننا
بعيدًا عن أعين الأحياء،
تخاف منا الكائنات حين نغضب،
فنغوص في وحل الأحقاد،
ويأكل الغيظ خلايانا،
ويعلو صدأ الحديد في أرواحنا.
ولا نعود نرى كيف تلد الزرافة،
ولا نلمس بين أصابعنا
أن الهواء ما زال حرًّا…
كم من مرة نحارب ذواتنا
في معركة أولها خوف،
وآخرها خوف،
ونهايتها… أن لا نكون،
حين نزرع الورود
انتظارًا لصيف آخر.
ذاب السكّر بالندى،
وحلّ المساء بلون الشفق،
وانهزم ما طاردنا،
يطارد ظلّه،
أو يتمرّد تحت الرماد.
كان طريقنا جميلًا،
واستقرت الخطوات بلا تردّد.
أنت… يا أنا، عُد إليّ،
كي نبدأ من جديد.
سنذهب إلى الجزيرة،
حتى لو تجرّأت علينا الأفاعي
برنين الأجراس.
وربما ننقذ الشجر
قبل موعد تفتّح الأزهار.
ط. عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق