حينَ يملكُ المالُ القلب
المالُ ليسَ بخيرٍ أو بشرٍّ يُرى
لكنْهُ يكشفُ في الإنسانِ ما استترا
إنْ كانَ في كفِّ أهلِ الخيرِ نافذةً
صارَ العطاءُ بهِ للناسِ مُزدهرا
يبني البيوتَ، ويحيي العلمَ في بلدٍ
ويزرعُ الأملَ في الأرواحِ إن عثرا
ويُطعمُ الجائعَ الملهوفَ من كرمٍ
ويسترُ الفقرَ، لا منًّا ولا ضررا
لكنْ إذا صارَ مالُ المرءِ غايتَهُ
باعَ الضميرَ، وصارَ الحقُّ مُحتقرا
كمْ من غنيٍّ ملأَ الدنيا خزائنَهُ
لكنَّهُ في دروبِ الروحِ قد خسرا
وكمْ فقيرٍ قليلُ المالِ منزلهُ
لكنَّهُ عاشَ بينَ الناسِ مُفتخرا
فليسَ قدرُ الفتى في حجمِ ثروتِهِ
ولا بما جمعَتْ كفّاهُ من ذهبِ
إنَّ الغنى أن يكونَ القلبُ ممتلئًا
بالخيرِ، بالعفوِ، بالإحسانِ والأدبِ
ما قيمةُ المالِ إنْ أطفأتَ بهِ قِيَمًا
وصرتَ تشتري بالمالِ من كذبوا؟
وما الذي ينفعُ الإنسانَ إن جمعَتْ
يداهُ مالًا، وفي أعماقهِ خَرِبا؟
فالمالُ خادمُنا ما دامَ في يدِنا
لكنَّهُ إن ملكنا صارَ مُرتقبا
قد يشتري البعضُ بالأموالِ ألسنةً
ويشترونَ الولاءَ الزائفَ الكذبا
لكنَّ مالًا على أبوابِ محتاجٍ
أكرمُ وأبقى من الأموالِ إن كُتبا
فابنِ الحياةَ بما أعطيتَ لا بما
أخذتَ، فالخيرُ يبقى، والثراءُ يَفنى
كمْ درهمٍ أنقذَ الإنسانَ من محنةٍ
فصارَ عندَ إلهِ الناسِ مُدَّخرا
وكمْ يدٍ امتدتْ للخيرِ صادقةً
فأورثتْ صاحبَ الإحسانِ ما ذكرا
إنَّ الثروةَ ليستْ ما تخبّئُهُ
خزائنُ المالِ، أو ما تجمعُ البُوَنا
الثروةُ الحُبُّ في قلبٍ تُنيرهُ
والخيرُ في الناسِ إنسانًا وإنسانا
فاسألْ فؤادَكَ حينَ المالُ يطرقُهُ:
أتصنعُ الخيرَ؟ أم أزدادُ مُغترّا؟
أملكُ المالَ، أم أنَّ المالَ يملكني؟
وهل سأبقى إن صارَ الرصيدُ مُسيطرا؟
فالغنى أن تملكَ الدنيا ولا تجعلْ
للدنيا في داخلِ الإنسانِ مُستقرا
فالمالُ نعمةُ من يمضي بهِ خيِّرًا
وفتنةٌ حينَ يغدو فوقَهُ أمرا
يمضي الغنيُّ وتبقى بعدَ رحلتِهِ
آثارُهُ، لا كنوزُ الأرضِ والحُجرا
فإنْ تركتَ وراءَ الموتِ مبتسِمًا
قلبًا أسعدتَهُ، فذلكَ الظفرُ
وإنْ أعنتَ يتيمًا، أو سترتَ فمًا
أو علّمتَ جاهلًا، فذلكَ العُمُرُ
قد يتركُ المرءُ أموالًا مُكدَّسةً
لكنْهُ يُذكرُ إنْ بالخيرِ قد عُمِرا
فالمالُ نعمةُ من يسوقُ زمامَهُ
وفتنةٌ حينَ يسوقُ المرءَ إن أمرا
فامتلكِ المالَ، لا تجعلْهُ مالكَ أنتَ
واجعلْهُ للخيرِ بابًا واسعَ الأثرا
فالمرءُ يُعرفُ لا بالمالِ يملكهُ
بل بالضميرِ، وبالإحسانِ إن ظهرا
الغنى الحقيقيُّ أن تحيا بكرامةٍ
غنيَّ قلبٍ، وإن قلَّ الذي ادُّخرا.
عزه كامل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق