سِلْسِلَةُ: «مَاذَا حَدَثَ لَنَا؟»
قراءةٌ فكريةٌ في الإنسانِ والمجتمعِ والحياةِ
المقالُ السابعُ:
"مَاذَا حَدَثَ لِلصَّدَاقَةِ حِينَ دَخَلَتِ المَصْلَحَةُ عَلَى الخَطِّ؟"
بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة :
لم تكن الصداقةُ يومًا مجردَ لقاءاتٍ عابرة، ولا كلماتٍ جميلة تُقال في أوقات الفراغ، وإنما كانت في أصلها علاقةً إنسانيةً تقوم على الثقة، والوفاء، والمساندة، وحفظ الغياب قبل حضور الصديق.
كان الصديقُ قديمًا هو الذي يعرف ضعفك ولا يستغله، ويعرف أسرارك ولا يبيعها، ويرى سقوطك فيمدُّ يده ليعينك على النهوض، ويشاركك فرحك دون أن يشعر أن نجاحك ينتقص من نجاحه.
لكن شيئًا ما تغيَّر.
دخلتِ المصلحةُ على خط الصداقة، فتحوَّلت بعض العلاقات من سؤالٍ صادق: «كيف حالك؟» إلى سؤالٍ خفي: «ماذا أستطيع أن أحصل منك؟».
وهنا بدأ الخلل.
أولًا: حين أصبح الإنسانُ يُقاس بما يملك لا بما يكون:
من أخطر التحولات التي أصابت العلاقات الإنسانية أن قيمة الإنسان بدأت عند البعض تُقاس بمنصبه، أو ماله، أو نفوذه، أو عدد علاقاته، أو قدرته على تحقيق المصالح.
فأصبح بعض الناس يقتربون ممن يملكون، ويبتعدون عمّن لا يملكون.
يُفتح الباب أمام صاحب النفوذ، وتُغلق الأبواب أمام الإنسان البسيط.
تُرفع قيمة الصداقة ما دام وراءها منفعة، فإذا انتهت المنفعة انتهى معها التواصل، وكأن العلاقة لم تكن يومًا علاقةَ أرواح، وإنما كانت صفقةً مؤجلة.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل نحن نحب الإنسان لذاته، أم لما يستطيع أن يقدمه لنا؟
إن كان وجود الصديق مرتبطًا بما يمنحه لنا، فهذه ليست صداقةً كاملة؛ إنها علاقة مصلحة ارتدت ثوب الصداقة.
ثانيًا: الصداقة الحقيقية لا تحتاج إلى دفتر حسابات:
الصداقةُ الصادقة لا تقول:
«أنا فعلت لك كذا، وأنت ماذا فعلت لي؟»
ولا تقيس المحبة بعدد الهدايا، ولا المواقف بالأرقام، ولا المعروف بما سيعود على صاحبه من منفعة.
الصديق الحقيقي يعطي لأنه يحب، ويساند لأنه إنسان، ويقف إلى جانب صديقه لأن الوفاء عنده قيمة، لا لأن وراء الموقف مكافأة.
أما حين يصبح كل معروفٍ له ثمن، وكل مساعدةٍ لها مقابل، وكل موقفٍ يحتاج إلى ردٍّ محسوب، فإن العلاقة تفقد أجمل ما فيها: العفوية الإنسانية.
فالصداقة لا تزدهر في بيئة الحسابات، وإنما تزدهر في أرض الثقة.
ثالثًا: أخطر ما تفعله المصلحة أنها تكشف حقيقة العلاقات:
أحيانًا لا نكتشف حقيقة الأشخاص إلا عندما تتغير الظروف.
قد يظل الإنسان محاطًا بعشرات الأشخاص ما دام قويًا، غنيًا، مشهورًا، أو قادرًا على تقديم شيء لهم.
لكن جرّب أن تمر بمرحلة ضعف.
جرّب أن تفقد منصبك.
جرّب أن تتعثر.
جرّب أن تحتاج إلى من يسمعك دون أن تطلب منه مالًا أو واسطة أو خدمة.
عندها ستكتشف أن بعض الذين كنت تظنهم أصدقاء لم يكونوا أصدقاء، وإنما كانوا قريبين من امتيازاتك.
وفي المقابل، قد يظهر شخصٌ واحد لم يكن كثير الحضور، لكنه يكون أول من يطرق بابك عندما يغيب عنك الجميع.
وهنا تعرف الفرق بين:
من يحبك، ومن يحب ما عندك.
رابعًا: وسائل التواصل قرَّبت المسافات وأبعدت القلوب:
المفارقة أننا نعيش في عصر لم يعد فيه الوصول إلى الآخرين يحتاج إلى سفر، ومع ذلك أصبح الوصول إلى قلوبهم أصعب.
لدينا مئات الأصدقاء على مواقع التواصل، لكن كم واحدًا منهم يمكن أن نلجأ إليه في لحظة انكسار؟
نضغط «إعجاب»، ونكتب تعليقًا، ونرسل رمزًا تعبيريًا، ونظن أننا بذلك حافظنا على العلاقات.
لكن الصداقة ليست عددًا في قائمة الأصدقاء.
الصداقة موقف.
الصداقة حضور.
الصداقة أن تتذكر صديقك عندما لا يراك أحد.
أن تسأل عنه حين لا يملك لك شيئًا.
أن تفرح لنجاحه دون غيرة.
أن تنصحه دون تجريح.
وأن تحفظ سره حتى لو انتهت العلاقة بينكما.
خامسًا: ليست كل مصلحة عيبًا:
ومن الإنصاف ألا نضع كل علاقة فيها منفعة تحت عنوان «المصلحة المذمومة».
فالإنسان بطبيعته يتعاون مع الآخرين، وقد تنشأ بين الناس علاقاتٌ تحقق مصالح مشتركة، وهذا أمر طبيعي ما دام قائمًا على الصدق والاحترام والوضوح.
المشكلة ليست في وجود المنفعة، وإنما في أن تصبح المنفعة هي السبب الوحيد للعلاقة.
هناك فرق كبير بين صديقٍ تنتفع منه وتحبّه، وبين شخصٍ لا تحبه إلا لأنك تنتفع منه.
الأولى علاقة إنسانية طبيعية، أما الثانية فهي علاقة مصلحية قد تنهار بمجرد انتهاء المنفعة.
سادسًا: الصديق الحقيقي لا يخاف من نجاح صديقه:
ومن علامات الصداقة الناضجة أن يفرح الإنسان لنجاح صديقه كما يفرح لنجاحه.
أما حين تتحول الصداقة إلى منافسة مَرَضية، يصبح نجاح أحد الطرفين تهديدًا للآخر.
فيبدأ الحسد الصامت، والتقليل من الإنجاز، والبحث عن العيوب، وتفسير النجاح بأنه حظ أو واسطة أو صدفة.
وهنا لا تكون المشكلة في النجاح، بل في قلبٍ لم يعد قادرًا على رؤية الخير في غيره.
الصداقة الحقيقية تقول:
«نجاحك لا يسلبني شيئًا، بل يسعدني لأنك صديقي.»
سابعًا: نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الصداقة:
ربما لم تختفِ الصداقة من حياتنا، لكنها أصبحت تحتاج إلى إنقاذ.
نحتاج أن نعيد بناء علاقاتنا على أساس:
الصدق بدل المجاملة،
والوفاء بدل المنفعة،
والثقة بدل الشك،
والرحمة بدل الاستغلال،
والحضور بدل الرسائل العابرة.
علينا أن نعلّم أبناءنا أن كثرة المعارف ليست دليلًا على كثرة الأصدقاء، وأن الإنسان قد يعرف ألف شخص ولا يجد بينهم قلبًا واحدًا صادقًا.
وعلينا نحن أيضًا أن نسأل أنفسنا:
هل كنت صديقًا حقيقيًا؟
أم كنت أقترب من الناس عندما أحتاج إليهم، وأبتعد عندما تنتهي حاجتي؟
فالقضية ليست فقط: ماذا حدث لأصدقائنا؟
بل السؤال الأعمق:
ماذا حدث لنا نحن حتى أصبحنا نبحث عن الإنسان من خلال ما يملك، لا من خلال ما يحمل في قلبه؟
رسالة المقال
أيها الإنسان...
لا تجعل المصلحة تسرق منك أجمل ما فيك.
لا تحوّل كل علاقة إلى صفقة، ولا كل صداقة إلى مشروع استثمار.
فالأموال قد تعود، والمناصب قد تتغير، والفرص قد تأتي وتذهب، لكن الصديق الصادق إذا خسرته قد لا تستطيع الحياة أن تعوّضك عنه.
احتفظ بمن وقف معك حين لم يكن لديك ما تقدمه.
احتفظ بمن عرف عيوبك ولم يستخدمها ضدك.
احتفظ بمن فرح لفرحك، وحزن لحزنك، ونصحك حين أخطأت، ودافع عنك في غيابك.
فهذا هو الصديق الذي لا يُشترى.
وهذه هي الصداقة التي لا تنتهي بانتهاء المصلحة.
الخاتمة :
ربما لم تكن المشكلة أن المصلحة دخلت على خط الصداقة، وإنما المشكلة أننا سمحنا لها أن تجلس في المقعد الأول.
فحين تتقدم المصلحة وتتراجع القيم، تتحول الصداقة إلى صفقة.
وحين يتقدم الوفاء وتتراجع الحسابات، تعود الصداقة إلى معناها الجميل.
ولذلك، قبل أن نبحث عن صديقٍ صادق، فلنكن نحن أولًا أصدقاء صادقين.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من العلاقات الكثيرة بقدر ما يحتاج إلى علاقاتٍ قليلة، لكنها حقيقية.
قد لا تحتاج في حياتك إلى مئة صديق؛
قد تحتاج فقط إلى قلبٍ واحد، إذا ضاقت بك الدنيا، قال لك: أنا هنا... ولن أتركك.
وهذا القلب، في زمن المصالح، أصبح من أثمن ما يمكن أن يملكه الإنسان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق