الأحد، 6 سبتمبر 2026

أ.د. لطفي منصور

أ.د. لطفي منصور
تَوْقِيعاتُ الْعَرَبِ:
التوقيعُ هُوَ تَعْقِيبُ الْمَلِكِ أَوْ وَزيرِهِ، أوِ الوالي، أوِ القاضِي أَوْ أَيِّ مَسْؤولٍ آخَرَ عَلَى رِسَالَةِ شَكْوَى أًوْ طَلَبٍ ما، أَوْ مَوْعِظَةٍ وَنَصيحَة أَوْ تَحْذيرٍ مَن خَطَرٍ، وغيرِ ذَلِكَ مِنْ أمورِ الْحَياةِ.
فَبَعْدَ قِراءَةِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِ الصَّحيفَةَ أوِ الرُّقْعَةَ التي تَتَضَمَنُ الطَّلَبَ يُوَقِّعُ عَلَيْها مُجيبًا، إمّا بِحِكْمَةِ أَوْ إرْشادٍ، أَوْ أَمْرٍ بالتَّنْفيذِ، أَوْ عَدَمِهِ.
ويكونُ التَّوْقيعُ بالنّْثْرِ الْبَلِيغِ، أوِ الشِّعْرِ الرّفيعِ، أَوْ بِوَمْضاتٍ أدَبِيَّةٍ ساحِرَةٍ. فيها الرَّدُّ الكافي والوافي، الْمُقْنِعُ. وَهْوَ أدَبٌ رفيعٌ "جانير" مِنْ أجْمَلِ الفُصُولِ الأدَبِيَّةِ العربيَّةِ المعروفَةِ. يشتَرِكُ فِيهِ الكُتّابُ والكاتباتُ في توقيعاتٍ جميلَةٍ باهِرَةٍ.
أَمْثِلَةٌ مِنْ هَذِهِ التَّوْقيعات:
-  تَوْقيعُ عَمْرِو بنِ عُبَيْدٍ البَصُرِيِّ(ت١٤٤هج) مِنْ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ الكِبارِ، والمَشْهورينَ بِعِلمِ الْكَلامِ، وَهْوَ الدِّفاعُ عَنِ الْعَقائِدِ الدِّينِيَّةِ بِالأَدِلَّةِ العقليَّةِ)
كَتَبَ الْخَليفَةُ أَبو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ إلَى عَمْرِو بنِ عُبَيْدٍ: يا أَبَا عُثْمانَ، أَعِنِّي بِأَصْحابِكَ، فَإنَّهُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ، وَأَصْحابُ الصِّدْقِ وَالْمُؤْثِرُونَ لَهُ. 
فَوَقَّعَ عَمْرُو بنُ عُبَيْد عَلَى الرُّقْعَةِ: "اِرْفَعْ عَلَمَ الْحَقِّ يَتَّبِعْكَ أَهْلُهُ". (المصدر: العِقْدُ الفريدُ ٤: ٢٢٢)
   - توقيع أَنَسِ بنِ أبي الشَّيْخ:
(مِنْ بُلَغاءٍ الُكُتَّابِ في العصرِ العبَّاسي، كانَ مُقَرَّبًا عِنْدَ البرامِكَةِ، وخاصَّةً جَعْفَرَ بنَ يَحْيَى. فَلَمّا نَكَبَهْمُ الرَّشيدُ قُتِلَ أَنَسٌ مَعَ جَعْفَرٍ، وَصُلِبَ في الرَّقَّةِ سنةَ ١٨٧هج)
رَفَعَ إلَى يَحْيَى الْبَرْمَكِي قَوْمٌ مِنْ حَشَمِهِ يَطْلُبونَ زِيادَةً في أرْزاقِهِم، فَأَمَرَ يَحْيَى كاتِبَهُ أَنَسًا بالتَّوقيعِ عَلَى عَريضَتِهِم. فَوَقَّعَ بَيْنَ يَدَيْهِ:
"قَليلٌ دائِمٌ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مُنْقَطِعٍ"
فَأُعٍجِبَ بِهِ يَحْيَى فقالَ: فاحَتْ مِنْكَ رائِحَةُ الْوَزارَةِ.
المصدر: خاصُ الْخاصِ لِأَبي مَنْصورُ الثَّعالبي)
تَوْقِيعُ النِّساءِ:
أُنْموذَجٌ: تَوْقيعُ زْبَيْدَةَ زَوْجِ الرَّشيدِ (ت ٢١٦هج)
كَتَبَ أَحَدُ عُمّالِها إلَيْهَا كِتابًا، فَوَقَّعَتْ عَلَى ظَهْرِهِ:
"أَصْلِحْ كِتابَكَ، وَإلّا صَرَفْناكَ عَنْ عَمَلِكَ".
فَتَأَمَّلَهُ الْكاتِبُ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ، فَعَرَضَهُ عَلَى بَعْضِ إخْوانِهِ. فَرَأَى فِيهِ الدُّعاءَ لَها: " وَأَدامَ كَرامَتَكِ". فقالَ لَهُ صاحِبُهُ: إنَّها تَخَيَّلَتْ أنَّكَ دَعَوْتَ عَلَيْها، فَإنَّ كَرامَةَ النِّساءٍ دَفْنُهُنَّ. فَغَيَّرَ الْكِتابَ وَأعادَهُ إلَيْهَا فَقَبِلَتْهُ. فانظروا إلَى دِقَّةِ مُلاحَظَةِ زُبيدَةَ عَلَى خَطَإ وقَعَ فِيهِ كاتِبٌ مَعْروفٌ.
(المصدر: صُبْحُ الأعْشَى القلقشندي ١: ٩٧)
- تَوْقيعُ جارِيَةٍ وهيَ مِنَ الطَّرائِفِ:
قَالَ أبو الْعَيْناءِ (شاعِرٌ عَباسِيٌّ مَشهورْ):
عَشِقَتْنِي امْرَأَةٌ بِالبَصْرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَرانِي، وَإنَّما كانَتْ تَسْمَعُ عُذوبَةَ كَلامِي. فَلَمَّا رَأَتْنِي اِسْتَقْبَحَتْنِي وقالَتْ: قَبَّحَهُ اللَّهُ! أَهذا هْوَ؟ فَكَتَبَ إلَيْهَا: م
وَنُبِّئْتُها لَمَّا رَأَتْنِي تَنَكَّرَتْ
            وَقالَتْ: دَمِيمٌ أَحْوَلٌ ما لَهُ جِسْمُ
فَإِنْ تُنْكِري مِنِّي اِحْوِلالًا فَإنَّنِي
                  أَديبٌ أريبٌ لا عَيِيٌّ وَلا فَدْمُ
فَوَقَّعَتِ الجارِيَةُ عَلَى الرُّقْعَةِ:
"يا عَاضَّ ذَنَبَ الْكَلْبِ أَلِدِيوانِ الرَّسائِلِ أرَدْتُكَ؟؟
(المصدر: الزيارات للشّابَشتي (ت٣٨٨هج) ٨٦.
وبَعْدُ أيُّها الأصدِقاءُ والصّديقاتُ فَإنَّ التَّعْقيبَ والتّوقيعَ والتَّعليقَ وكتابَةَ الملاحظاتِ كُلُّها أدَبٌ رفيعٌ، خَطَّهُ لَنا أُدباؤنا الْقُدامَى بِأَحْسَنِ صورَةٍ، وَأعْذَبِ لُغَةٍ، وَأحْلَى أُسْلوبٍ وَأخفِّهِ. إنِّي أتَوَجَّهُ إليكم ناصِحًا كَأَبٍ أو مُعَلِّمً دارِسٍ لِلأدبِ القديمِ والحديثِ أنْ تَقْرَأوا شَيْئًا مِنَ هذا الأدَبِ، وَأحيلُكم إلَى مصدَرٍ سَهْلٍ مِنَ مصادِرِهِ وَهْوَ كتاب "توقيعات العرَبِ" بثلاثةِ مجلّداتٍ متوسِّطَةٍ.
بروفيسور لطفي منصور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق