تشريح الخذلان واسترداد الذات: قراءة داخلية في قد يبيعونك بثمن بخس للشاعر يوسف بلعابي
تستند القراءة الداخلية للعمل الأدبي إلى البحث عن الخيوط الخفية التي تربط النص ببدعه؛ فالنص ليس مجرد بناء لغوي أو تركيب بلاغي عابر، بل هو أيضًا تحول في المزاج، وشبكة تحليلية تكشف عن البنية النفسية والوجودية لكاتبه.
يقدم لنا هذا النص المفعم بالمشاعر للكاتب التونسي يوسف بلعابي مسارًا تحليليًا مكثفًا يستكشف أعماق تجربة إنسانية قاسية، تتشابك فيها أبعاد الخيانة ونكران الجميل مع تساؤل جذري حول إعادة امتلاك الذات والاحتفاء بنقاء جوهرها الأصيل.
تبدأ القراءة التحليلية مع التداعيات الافتتاحية المشدودة التي تكرر عناصر البيع والتخلي في النص («قد يبيعونك رخيصًا... أو مجانًا دون أن تدري»)، حيث تُصوّر البنية العميقة للنص صدمة التشوّه الوجودي الذي تعانيه الذات الشاعرة. فالقضية لا تقتصر على سلب شيء مادي أو مجرد تخلي مؤقت، بل تمتد لتصل إلى الفقدان التام للقيمة؛ إنه منحنى تصاعدي ينتقل من الرخص إلى اللاشيء في نظر الآخر، نتيجة ضياع الوفاء والتضحية. وفي ما بين ذلك، تلخص كلمة «دون» المأساة النفسية المدمرة، ليس فقط للشاعر الذي تعرّض للخيانة، بل للآخر الذي ارتكبها دون أن يدرك مدى خطورتها، وبمشاعر متبلدة.
تكتمل التجربة الفكرية والنفسية في النص عندما يخلق الشاعر صورته المجازية المكثفة والمذهلة: «يحرقون الأوراق النقدية، يوقدونها في حلكة الليل للبحث عن قرش!!». تُعد هذه الصورة الأهم في البنية العميقة لهذه القصيدة، لأن الشاعر يضع سلوك نكران الجميل في خانة الطيش والعمى الروحي. إن إهدار «الأوراق النقدية» (التي تمثل التضحيات الجسيمة، والحياة الحقيقية، والتجربة المشتركة) من أجل «قرش» (والذي يمثل مكاسب تافهة، ومصالح عابرة، وحياة سطحية) يُعد مفارقة في حد ذاته؛ فهو يظهر التوتر القائم لدى الآخر الذي يضحي بالخلود من أجل اقتناص لحظة عابرة.
ويستمر هذا التجسيد الحسي مع تطويع الاستعارة التقليدية عندما يقرر الشاعر إشعال أصابعه كالشموع حتى لا يشمت به أحد. وبذلك، تتحول الأصابع — وهي أدوات الفعل والعمل والبناء — إلى استعارة جسدية حادة، لا لإضاءة الطريق فحسب، بل لحماية كرامة الآخرين وصونها من الشرور.
إن صدمة نكران الجميل وانكشافه في بداية النص، وسط نسيان الفضائل والمواقف والنضالات المشتركة، والانغلاق النفسي والحسم قبل السؤال الاستنكاري («كيف للجرح العميق أن يلتئم؟») الذي يمثل إعلانًا بأن الندم المتأخر عاجز عن إصلاح الروابط المنكسرة، واللجوء إلى الذات والتسامي على الموقف؛ كل ذلك يشكل ثلاث لحظات محورية في النص.
الخاتمة واضحة ونبيلة؛ فالنضج النفسي يتجلى بوضوح في هذا الجزء من القصيدة حيث لا ينزلق الشاعر إلى الكراهية أو الرغبة في الانتقام، بل يمارس تطهيرًا وجدانيًا (تطهيرًا أرسطياً) أكثر رقيًا، يظهر في قوله: «أشكر نفسي لأنني لم أكن آلة، ولا رجلًا بلا خوف، ولا رجلًا بالغ النضج. أشكر نفسي لأنني لم أكن أبدًا شحيحًا في الكرم».
في هذا الموضع، لم تعد التضحية صفقة مع الآخرين، بل أصبحت وسام شرف داخل الذات، ورتقًا للفتق، ويقينًا بأن النبل ليس سلعة تُباع للآخرين بثمن، بل هو هوية حقيقية ونقاء روح لا يتأثر بنكران الجميل من العابرين.
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى هذا الملمح الشعوري والجمالي، حيث استخدم الكاتب بعض الأساليب الأسلوبية للحفاظ على السلامة النحوية والبلاغية للنص؛ مثل تصحيح حالة الرفع في عبارته «حتى لا يشمت بهم أحد»، والتصحيح الطباعي في عبارته «كنت إنسانًا». علاوة على ذلك، فإن الوحدة الإيقاعية القوية للعبارات المكثفة الأخيرة «جريحًا / سخيًا بوفاء» تضفي شعورًا بالخاتمة الموسيقية في نهاية النص، مما يعزز روح الاعتزاز والاعتماد على الذات.
في النهاية، هذه قراءة تحليلية لنص يوسف بلعابي لا تنتهي برثاء الذات، بل تمتد لتشكل موقفًا فلسفيًا من الإنسان. فعندما يسلك الشاعر الطريق الذي يؤدي إلى الخيانة، يسلكه مرفوع الراس، ويحول ألم الانكار إلى طاقة لتقدير الذات؛ ليبقى الإنسان الكريم غير منقوص العطاء، عصيًا على الانكسار، يستمد قيمته من نبل ذاته لا من تقدير الآخرين له.
__________________________________________
قد تباع بسعر بخس!
قد تباع بسعر بخس!
قد يبيعونك بسعر بخس
أو بالمجان
وهم لا يشعرون
لا يندمون إلا بعد خسارتك
بعد بيعك وما كنت تفعله
لأجلهم بالأمس
لكن لا ينفع عد أو ندم
فكيف لجرح غائر أن يلتئم؟
يحرقون أوراقا نقدية
يشعلونها في ليلة ظلماء
للبحث عن فلس !!
هنالك بشر سرعان
ما يتناسون وينسون
خصالك.. مواقفك..مزاياك
اجتهاداتك.. نضالاتك..
ونقاوة قلبك وفعلك الحسن
كم ضحيت لأجل نجاحاتهم
لم تستسلم لما خذلهم الجميع
أشعلت أصابعك شموعا
كي لا يتشفى فيهم أحدا
وعاد دربهم منارا
وعاد صرحهم شامخا
أشكر نفسي لأنني
كنت إسانا
ولفعل الخير مقداما
وكريما مكراما
بقلمي يوسف بلعابي تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق