الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

أطياف الوجع الهادئ ✮✮✮ 🖊 م.ا.د. سناء حسين عبد القادر

أطياف الوجع الهادئ: حين تختبئ الأم خلف ظلال التضحية
«ليست العظمة في أن تعطي بلا حدود، بل في أن تظل مترقباً لصدى ذلك العطاء حين تنطفئ بك الشموع.»
عندما يُزهر العطاء في شتاء العمر
حين تُشرق شمس الأيام على عتبات العمر المتقدم، تقف الأم وحدها في منتصف الطريق، تتأمل حديقة زرعتها بدموع العين وعرق السنين. روت كل غصن حتى أينع وأثمر، وظنت بيقين القلب أن قطاف الود لا يُخطئ بابه أبداً.
لكن الحكاية حين تُقرأ بعين التأمل، لا تحمل لوماً للمسير، ولا عتاباً على انشغال الأبناء؛ فالابن ابن، والبنت بيت ومسؤوليات تتسارع خطاها بين تفاصيل الحياة الصاخبة. هي تعذرهم... تدرك تماماً أن ضغوط الأيام ثقيلة، وأن عجلة الحياة لا ترحل إلا لتطحن أوقات الفراغ. إنها تفهم كل ذلك بقلب متسع كالسماء.
المفارقة الموجعة: حين تمنح الكل ولا تجد من يحمل عنها التعب
ولكن، يكمن الوجع الحقيقي والعميق في تلك اللحظة التي تتكئ فيها الروح على جدار الذاكرة الباحثة عن دفء طارئ، فلا تجد سوى صدى الكلمات: «عذراً يا أمي، فظروفي قاسية!».
حين تنادي الأم ابنها محتاجةً لعוن بصيرة أو لُقيا أنس، يأتيها الرد محمولاً بأعباء الشغل وضغوط الحياة.
وحين تطلب الابنة المنهكة من أمها العون، تنسى الأم كل أوجاع مفاصلها وتطير لخدمتها بلا تردد.
وهنا تسكن الغصة الكبرى: الأم تفضل صامتة، تبتلع دمعتها بلا شكوى، خوفاً من أن تفرض ثقلاً على من أحبتهم أكثر من نفسها.
رسالة نبض... قبل فوات الأوان
يا كل ابن مشغول، ويا كل ابنة غارقة في تفاصيل يومها الطويل؛ الأمهات لا يردن منكم إيقاف نبض الحياة، ولا تعطيل بيوتكم لأجلهن. كل ما تبغيه الروح التي نسيت أن تكبر في أعين أبنائها هو إحساس بسيط بالامتنان:
التفاتة قلب عفوية من غير مناسبة رسمية.
سؤال دافئ: "هل تحتاجين شيئاً يا غاليتي؟"
جلسة قصيرة بلا استعجال، تُصغون فيها لحكاياتها القديمة وكأنكم تسمعونها لأول مرة.
فالأم يا أحبائي لا تطلب سوى أن تشعر بأنها ما زالت "الوطن الأول" الذي يُلجأ إليه حباً لا اضطراراً. فلا تنتظروا غياب الحضور، ولا تؤجلوا العناق... فبعض القلوب إذا غادرت، لا يعوض سكناها شيء.
(✍️ مداد كلمات — أستاذة التنمية البشرية وتطوير الذات: م.ا.د. سناء حسين عبد القادر)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق