عندما تخون الذاكرة
متى تغيّر كل شيء إلى هذا الحد؟
سؤال قد يمرّ في خاطر كثيرين ونحن نرى أشياء لم نعتدها، ونسمع كلمات لم نكن نسمعها، ونرى علاقات كانت لها هيبة ومكانة، ثم أصبحت أكثر خفة، وكأن السنوات والتجارب لم تعد تمنح الإنسان مكانته كما كانت.
لم نتربَّ على ذلك، ولم نكن كذلك.
كان للكبير احترامه، وللأب مكانته،كذلك لمن سبقونا في العمر قدر من الهيبة. لم يكن ذلك يعني أن الصغير بلا رأي، أو أن الكبير لا يُناقش، لكنه كان يعرف كيف يختلف، وكيف يتكلم، وأين تقف حدود الكلام.
أما اليوم، فقد دخلت الندية إلى كثير من العلاقات من باب لم ننتبه إليه.
أن تكون للإنسان شخصيته ورأيه شيء طبيعي، وأن يستقل بحياته أمر مفهوم، لكن الاستقلال لا يعني سقوط الاحترام، والاختلاف لا يحتاج إلى قسوة، والحرية لا تعني أن يصبح الكبير مجرد شخص آخر لا مكانة له.
هناك فرق بين أن تختلف مع من هو أكبر منك، وبين أن تنسى وأنت تختلف معه أنك تقف أمام عمر طويل من التجربة.
ولعل المسألة لا تتعلق بالندية وحدها.
هناك شيء آخر يتراجع بهدوء: الحياء.
ليس الحياء الذي يمنع الإنسان من الحياة، وإنما ذلك الشعور الداخلي الذي يجعله يعرف أن لكل مكان كلامًا، ولكل مقام ما يناسبه، ولكل علاقة حدودًا تحفظ لها احترامها.
حتى الحشمة والوقار، اللذان كانا جزءًا من صورتنا عن الإنسان، أصبحا عند البعض أمرين من زمن مضى.
وما نراه على الشاشات أصبح أيضًا جزءًا من حياتنا اليومية. صور ومظاهر وعرض دائم لما نملك وكيف نعيش. لا مشكلة في أن يفرح الإنسان بما لديه، لكن المشكلة حين يصبح إظهار الحياة أهم من عيشها، وحين ننشغل بأن يرانا الآخرون وننسى أن نرى بعضنا.
والدين، بما فيه من برّ وإحسان وصلة رحم واحترام للوالدين والكبار، كان دائمًا يضع للإنسان ميزانًا حتى لا تأخذه الحياة بعيدًا عن القيم التي تربى عليها.
ربما لم نتغير في يوم واحد.
تغيّرت أشياء صغيرة، ثم اعتدناها.
زيارة تؤجل.
سؤال لا يأتي.
كلمة تُقال بغير ما اعتدنا.
كبير يُعامل كأنه ندّ في كل شيء.
وقرب يتحول مع الوقت إلى مجاملة.
ثم نعتاد.
وهنا تبدأ الذاكرة بالخيانة.
فالإنسان قد يتذكر نفسه كما هو الآن، وينسى كيف كان.
ينسى أيام ضعفه، ومن وقف إلى جانبه، ومن فتح له بابًا حين كانت الأبواب مغلقة.
ينسى أن بعض الذين لا يلتفت إليهم اليوم كانوا يومًا جزءًا من حياته، أو سندًا له، أو أصحاب فضل لم يطلبوا منه يومًا أن يردّه.
ليس المطلوب أن يعيش الإنسان أسيرًا لما مضى، ولا أن يشعر أنه مدين لأحد طوال حياته.
المطلوب فقط ألا يفقد ذاكرته الأخلاقية.
أن يتذكر أن الإنسان الذي أمامه اليوم لم يكن دائمًا كما يراه الآن.
وأن الكبير الذي يبدو ضعيفًا أو وحيدًا، قد يكون أمضى عمرًا كاملًا وهو يعطي ويحمل ويتعب، دون أن يفكر يومًا في حساب ما فعله.
ولهذا فإن أكثر ما يؤلم ليس أن تتغير الظروف أو يقل المال.
الألم أن يشعر الإنسان في آخر الطريق أن وجوده أصبح ثقيلًا على من أحب، وأن السؤال عنه صار مجاملة، وأن الزيارة أصبحت رفع عتب، وأن الوقت الذي كان يُمنح له بسهولة أصبح محسوبًا.
وهنا لا تعود المسألة مسألة مال أو هدية أو خدمة.
إنها مسألة مكانة في القلب.
والأصعب أن نعرف قيمة بعض الناس بعد رحيلهم.
عندها تصبح الكلمات كثيرة، والذكريات حاضرة، ونقول: ليتنا فعلنا.
لكن «ليت» لا تعيد أحدًا.
لذلك، ونحن ما زلنا نملك الوقت، ربما علينا أن نسأل أنفسنا ببساطة:
كيف نتعامل مع من هم أكبر منا؟
كيف نتحدث مع والدينا؟
هل ما زالت صلة الرحم تعني لنا شيئًا؟
هل ما زال للحياء والوقار مكان في حياتنا؟
وهل نتذكر من كانوا معنا في البدايات، أم أننا لا نرى إلا ما أصبحت عليه حياتنا اليوم؟
لسنا مطالبين بأن نعود إلى زمن مضى.
لكننا مطالبون ألا نفقد كل ما كان جميلًا ونحن نتقدم إلى الأمام.
فالزمن يتغير، والناس تتغير، والظروف تتغير.
لكن بعض القيم إذا ضاعت، لا يعوضها المال ولا المظاهر ولا ما نظهره أمام الآخرين.
تذكروا من تحبون وهم بينكم.
اقتربوا منهم قبل أن يصبح الاقتراب مستحيلًا.
قولوا الكلمة التي تؤجلونها، وزوروا من تنتظرونه دون أن تنتظروا مناسبة.
واحفظوا للكبير مكانته، لا لأنه أكبر سنًا فقط، بل لأن وراء هذا العمر حياة كاملة لا تعرفون كل ما مرّ بها.
فبعض الغياب إذا جاء، لا ينفع معه الندم.
وقد تكون أقسى خيانة للذاكرة أن نتذكر الإنسان جيدًا، بعد أن يصبح عاجزًا عن سماعنا.
حسين عبدالله جمعة _ سعدنايل لبنان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق