الخميس، 10 سبتمبر 2026

صِفْرُ الود ✮✮✮ 🖋 الشاعر طاهر عرابي

صِفْرُ الود
طاهر عرابي
دريسدن – 10.09.2026

———

دعوني أتكلم
عن صِفْرِ الود،
وأُقيم براهيني عليه:

كانت وردةٌ
تنشر عطرها كلما مرّ بقربها اثنان،
أما الآن
فنمرُّ وُحداناً،
وقد نسي العطرُ منبعه.

من نحن
إذا صرنا صوراً
في مرآةٍ تكسر معنى هذا الوجود؟
ولا نلتقي فيها
إلا بعيونٍ يثقلها الرمَد.

أرى لوعة المنتصر الزائف على ذاته،
كمن يخنقه الصمت
حتى تضيق به أسباب وجوده.

كأفعى
علِق رأسها في فمِ سلحفاة؛
لا هي أفلتت،
ولا الموتُ أراح فريستها،
ولا السجنُ فكَّ طوق العنق.

وصوت النجاة مخنوق،
وفمُ الزمن مطبق،
حتى غاب الحنين
إلى آخر المدى.

تمرُّ الأيام متثاقلةً،
كأن لها شهوةً واحدة:
أن يأتي المساء.

سكينةٌ مؤقتة
تؤجل الخوف
ولا تنهيه.

ويبقى بيني وبين الناس
هاتف.

يتلقى الرسائل بصمت،
بينما يختفي الصوت
في أعماق النفس.

والكلمات المكبوتة
لا تجد منفذاً إلى النطق.

يا إصبعاً لا نراه
ويكلّمنا،
كأنه جرسٌ
في مدينةٍ هجرها أهلها.

كأن لسان الخليقة
أصابه الخرس.

عزلةٌ ذات لذةٍ مسمومة،
تشبه أخطبوطاً
اختبأ في جحرٍ مهجور.

يمدُّ ذراعاً واحدة
ليتأكد أنه ما زال هنا.

يتحسس وحدته
بشجاعة المفترس،
ولا يدري
أيُّ سرابٍ ينتظره.

يختبر الجدران:
هل ما زالت حصينة؟
فاللذة خوف،
والود حذر،
والشك يقين.

ونسير في هذا الزحام
كأننا خلف نوافذ نحملها معنا.

أقنعةٌ لا تُفتح،
ووجوهٌ تمرُّ
دون أن تجد وجهاً يقيم فيها.

نرى الناس
بملامح بطلٍ أسطوريٍّ
من حكايات الوهم.

تفرّد بنفسه
حتى صار ملك الفراغ.

كان يملك كل شيء
إلا لسانه.
ثم مضى
أخرسَ وأعمى.

وفي نزعه الأخير قال:

«إنها لعنة الصفر
حين يجلس في قلب الوجود.»

عينٌ بلا نظر،
وقلبٌ من جليد.
فنرفع أبصارنا إلى القمر،
ونرجو أن يظل يراسلنا.

يا صواعق السماء،
دعيه.

ففي زمنٍ بلغ فيه الودُّ صفره،
يبقى الضوءُ
آخرَ ما لا نريد فقدانه.

ط. عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق