مسكين هو الإنسان العربي…!
يدمن الإنسان العربي الأخبار، وربما يدمنها لأنه يبحث فيها عن إجابةٍ تتعلق بيومه وغده؛ عن مستقبل أولاده وعائلته، وعن احتمالٍ صغير للتغيير.
يبحث عن ذلك المستقبل البسيط الذي تعيشه أمم كثيرة من دون منّةٍ من حاكم أو نائب؛ مستقبلٍ يفترضه العقد الاجتماعي، بل هو في الحقيقة ألف باء الحياة الكريمة.
مستقبلٌ سمع عنه في الروايات، وفي حكايات الذين سافروا إلى بلاد الشمال، وما وجدوه هناك من عدالة اجتماعية، وتكافل، وتكافؤ في الفرص، وربما قرأ عنه في الكتب، أو رآه أمام عينيه عبر شاشات التواصل الاجتماعي.
والمضحك المبكي في الأمر أن هذا الإنسان العربي، في معظم الأحيان، ينتمي إلى ثقافةٍ ودينٍ طالما نادى بالرحمة والعدالة والأخوّة والإنسانية.
ومع ذلك، تستيقظ في عالمنا العربي والإسلامي، مع شروق كل شمس، دعواتٌ إلى نبذ الآخر، وتكريس ثقافة الحديد والنار والدم.
ولم تعد الحكاية بين دولة وأخرى، أو بين دين ودين.
لقد وصلت إلى البلد الواحد، والدين الواحد، والمذهب الواحد، بل وصلت أحيانًا إلى البيت الواحد.
صار يدهشك أن ترى دولةً عربية أو إسلامية واحدة تتمتع، في الوقت نفسه، بالاستقرار والعدالة والازدهار، ولا تنسى الكرامة والعزة والشرف.
نتغنى بأمة المليار وأكثر، ونتحدث عن قوتنا وحضورنا وثرواتنا، لكنك حين تنظر بعمق إلى الواقع، تجد عالمًا عربيًا مثقلًا بالفقر، والبطالة، والفساد، والأمية، والحروب، والانقسامات، وتبديد الثروات.
ولو أخذنا مصر مثالًا، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل مكانتها التاريخية في العالم العربي، ودورها الكبير في الصراع العربي الإسرائيلي، ولا نستطيع كذلك أن نتجاوز التحولات السياسية والاقتصادية التي مرّت بها منذ عقود.
كانت مصر، في الوعي العربي، أكثر من دولة.
كانت بوابةً للعرب، وثقلًا سياسيًا وعسكريًا لا يمكن تجاهله.
ثم جاءت كامب ديفيد، وما تبعها من انقسام عربي واسع، لتدخل المنطقة مرحلةً جديدة من التشرذم وإعادة ترتيب موازين القوى.
ومع مرور السنوات، اتسعت الفجوة بين الإنسان العربي وحلمه.
الفقر يتسع.
والتعليم يتراجع في أماكن كثيرة.
والبطالة تلاحق الشباب.
والثروات، بدل أن تتحول إلى مشاريع تنميةٍ حقيقية، أصبحت في كثير من الأحيان رهينةً للفساد أو الارتهان الاقتصادي أو صراعات النفوذ.
ثم جاءت الحروب لتكمل ما بدأته السياسات.
العراق.
سوريا.
ليبيا.
اليمن.
السودان.
ولبنان، الذي لم يعد يحتاج إلى من يصف أزماته، لأنها أصبحت جزءًا من تفاصيل حياة أبنائه اليومية.
كان لا بد أن تختل موازين القوى في المنطقة.
وكان لا بد أن يدفع الإنسان العربي الثمن.
وفي فلسطين، تبدو الصورة أكثر قسوة.
شعبٌ يعيش تحت الاحتلال، ومحاصرٌ في غزة، ومنقسمٌ سياسيًا بين سلطاتٍ وفصائل، فيما يدفع المواطن الفلسطيني الثمن من أمنه وحياته ومستقبله.
وهنا يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا.
ليس كل ما يحدث لنا مسؤولية الغرب.
علينا أن نسأل أيضًا:
ماذا فعلنا نحن بأنفسنا؟
ماذا فعل الانقسام الفلسطيني الفلسطيني بهذا الشعب؟
وكم من حلمٍ أُجهض بسبب صراع فتح وحماس؟
وكم من شابٍ فلسطيني وجد نفسه يبحث عن طريقٍ للخروج، لا لأنه لا يحب وطنه، بل لأنه لم يعد يرى فيه مكانًا لحياةٍ كريمة؟
لقد أصبحنا نرى أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين، ولا سيما من قطاع غزة، يبحثون عن اللجوء في أوروبا، ويخاطرون بحياتهم في البحر، ويدفعون أموالًا طائلة للسماسرة، هربًا من واقعٍ أصبح أقسى من قدرة الإنسان على الاحتمال.
إنهم يعيشون بين سندان الحصار ومطرقة الانقسام.
أما الخليج العربي، فله حكاية أخرى.
ثروات هائلة، ومساحات واسعة، ومدن تتغير بسرعة مذهلة، لكنها في الوقت نفسه تعيش تحولاتٍ عميقة في مفهوم الدولة والمجتمع والهوية.
وفي بعض دول الخليج، أصبح الوجود الأجنبي جزءًا أساسيًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حتى غدت بعض المدن أشبه بمزيجٍ عالمي من اللغات والثقافات والأجناس.
وهنا أيضًا يحق لنا أن نسأل:
أين المواطن؟
وأين الإنسان؟
وأين المستقبل الذي يُبنى له، لا فقط من أجله؟
ومع كل هذه التحولات، يظل السؤال الأكبر:
كيف يستطيع الشباب العربي، وهم أعمدة المستقبل، أن يعيشوا في دولٍ ومجتمعاتٍ تتغير أمام أعينهم بهذه السرعة، من دون مشروعٍ واضح للعدالة والتنمية والكرامة؟
في عالمنا العربي ومنطقة الشرق الأوسط، إذا لم تخضع لقوة السلاح، فقد تخضع لقوة الاقتصاد والحصار والمال.
تتغير الأدوات، لكن النتيجة واحدة:
إنسانٌ عربيٌ يبحث عن منفذ.
عن وطن.
عن عمل.
عن بيت.
عن كرامة.
عن مستقبل.
ولعل أصدق ما يختصر حالنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها».
قيل: أومن قلة نحن يومئذ؟
قال:
«بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل».
ثم سُئل عن الوهن، فقال:
«حب الدنيا وكراهية الموت».
فأي ذلٍ وهوانٍ نعيش؟
وأين المثقفون الذين كان يفترض أن يكونوا ضمير الأمة؟
وأين النخب السياسية التي يفترض أن تمتلك شجاعة المبادرة؟
لقد أصبح المثقف، في كثير من الأحيان، أسيرًا للسلطة، وأصبح السياسي أسيرًا لمصلحته، وأصبح المواطن أسيرًا لحاجاته اليومية.
أما الحكومات والزعماء المتعاقبون، فماذا تركوا خلفهم في كثير من البلدان سوى الفساد، والإحباط، وتبديد الأمل، واستنزاف ثروات الأمة؟
ربما نعيش فعلًا الربع الساعة الأخيرة قبل انهياراتٍ أكبر.
انهياراتٍ لا تفرّق بين صغير وكبير، ولا بين غني وفقير.
وقد يكون الأسوأ أننا اعتدنا الأسوأ.
صار الفقر عاديًا.
والحرب عادية.
والفساد عاديًا.
والهجرة عادية.
حتى الموت أصبح خبرًا عابرًا في نشرات المساء.
مسكين هو الإنسان العربي…
مسكين لأنه لا يطلب المستحيل.
لا يريد أن يحكم العالم.
ولا يريد أن يعيش في القصور.
يريد فقط أن يستيقظ صباحًا، فيجد بلدًا يحميه، وقانونًا ينصفه، وعملًا يحفظ كرامته، ومدرسةً جيدة لأطفاله، ومستشفىً لا يخاف دخوله، ومستقبلًا لا يحتاج فيه إلى جواز سفرٍ أجنبي كي يشعر أنه إنسان.
فهل ما زالت هناك خشبة خلاص؟
أم أننا ننتظر الطامة الكبرى؟
فلننتظر…
ونرَ.
حسين عبدالله جمعة-لبنان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق